“إبراهام لينكولن” منهكة.. الانتحار خيار البحرية الأمريكية والبيت الأبيض يستخف بجنوده
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
18 أغسطس 2026مـ – 5 ربيع ألاول 1448هـ
تقرير || يحيى الشامي
في أروقة البنتاغون، يُطلق عليها “أداة فرض الإرادة”، لكن في مياه المنطقة، تحولت حاملة الطائرات “يو إس إس إبراهام لينكولن” إلى زنزانة فولاذية عائمة، يصارع فيها خمسة آلاف بحار ليس فقط التهديدات الخارجية، بل اليأس والجوع والتجاهل القيادي، وبينما تعلن الصحف الغربية عن تحرك الحاملة “جورج واشنطن” لوراثة هذا العبء الثقيل، بات من الواضح أن المهمة لم تعد “تناوباً عسكرياً” بقدر ما هي “عملية إخلاء” لقلعة نخرها الإعياء قبل أن تنال منها الصواريخ.
جغرافيا اليأس
أزمة “لينكولن” كانت شرارتَها الأولى استراتيجية بامتياز. تكشف تقارير “نيويورك تايمز” عن تفصيل جوهري غيّر قواعد اللعبة؛ حيث أدى استهداف القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين وتدميرها بصواريخ ومسيرات إيرانية في بداية المواجهة إلى بتر “الشريان الأبهر” للإمداد الأمريكي، باعتبار المنامة المركز اللوجستي الذي تعتمد عليه البحرية منذ عقود، وبسقوطها، وجدت “لينكولن” نفسها تائهة في عرض البحر بلا “رئة”.
الشلل العملياتي للحاملة -كما تصفه الأوساط العسكرية- دفع البحرية للمقامرة بخطة بديلة، بنقل مركز الثقل اللوجستي إلى جزيرة “دييغو غارسيا”، وبحسب مسؤولين عسكريين فإن المسافة الهائلة (2200 ميل) خلقت فجوة زمنية ومكانية جعلت وصول “رغيف الخبز” أو “قطعة الغيار” إلى الحاملة معجزة عسكرية!
هذه العزلة الجغرافية هي التي فسرت لاحقاً نقص الوجبات الغذائية وتأخر البريد لشهور، ما جعل البحارة يشعرون أنهم “منسيون” في بقعة جغرافية نائية تقع في مرمى نيران الخصم وبعيداً عن يد الحليف.
داخل “الزنزانة العائمة”: الانتحار خيار الجنود
في ظل ضغط ما يمكن وصفه بالحصار اللوجستي، تحولت جودة الحياة على متن الحاملة إلى كابوس وثقته شبكة “سي إن إن” وصحيفة “الغارديان”، لم يكن الإجهاد مجرد تعب جسدي، بل كان “تعفناً” للروح والجسد معاً،. النائب الديمقراطي مايك ليفين نقل شهادات عن أوضاع مزرية داخل الحاملة، من بينها مراحيض معطلة، ومياه ملوثة، وعفن أسود يكسو الأسقف ويتساقط على رؤوس البحارة أثناء نومهم. هذا الواقع المرزي أنتج “ظاهرة القفز للانتحار”، فبينما كانت “نيفي تايمز” و”ستارز آند سترايبس” توثقان محاولات البحارة لإلقاء أنفسهم في المحيط هرباً من “الجحيم”، كانت عائلاتهم في سان دييغو تواجه المسؤولين بحقائق صادمة: إحدى الزوجات قالت بمرارة إن زوجها أرسل لها قائلا: “أتمنى ألا أستيقظ غداً”، بينما نقل آخرون أن طبيب السفينة نفسه حذر من أن الطاقم “سيفقد عقله” قريباً… وجميعها تعبر عن صرخة جندي أمريكي اكتشف متأخراً أنه -وكما قال أحدهم لـ”سي إن إن”: “لم يكن من المفترض أن نأتي إلى هنا ونخوض حرباً”.
لعنة “اليمن 2024”: الفشل كنمط متكرر
لا يمكن للمراقب المهني أن يقرأ واقع “لينكولن” اليوم دون العودة إلى ديسمبر 2024، حينها، غادرت هذه الحاملة ذاتها المنطقة وهي “تجر أذيال الهزيمة” بعد سلسلة عمليات يمنية دقيقة وضعتها في وضع “الدفاع اليائس” كما وصف حالها ضباط البحرية الأمريكية أنفسهم الذين كانوا على متنها أثناء المواجهة. اليوم، يبدو أن المشهد يتكرر بصورة أكثر مأساوية؛ فإذا كان اليمنيون قد كسروا “هيبتها العسكرية” بالصواريخ البحرية والمسيرات، فإن الإيرانيين -بضربهم للقواعد الخلفية- قد كسروا “إرادتها القتالية” بالاستنزاف اللوجستي والنفسي.
الربط بين العمليات أو الضغط الناتج عنهما يضع عقيدة “حاملات الطائرات” أمام اختبار الوجود، والقدرة العملياتية الحقيقية، فالحاملة التي كانت تُرهب الدول أصبحت اليوم بحاجة لمن يحميها من “الانهيار الداخلي”.
الضابط السابق في البحرية الأمريكية “هارلان أولمان” حذر بوضوح من أن الصيانة التي لا يمكن إجراؤها أثناء الإبحار، مع نقص مخزونات الصواريخ الاعتراضية، حولت “لينكولن” من أداة هجومية إلى هدف ثابت ومكلف.
الفجوة بين “المكتب البيضاوي” و”سطح الحاملة”
في واشنطن، يدور الحديث في عالم آخر؛ ففي مدارات المكابرة السياسية، الرئيس دونالد ترامب، بأسلوبه المعتاد، قلّل من شأن المأساة، معتبراً أن مدة الانتشار “ليست طويلة بما يكفي”. بينما وصف وزير حربه، بيت هيغسيث، أنين البحارة بأنه “أخبار كاذبة”، في حالة من الاستخفاف الرسمي غير المسبوقة، والتي استفزّت مشاعر أسر الجنود الأمريكيين وزاد من وضعهم المأساوي. والأخطر في هذه التصريحات غير المسبوقة أنها لا تعكس فقط عدم مبالاة بالأرواح، بقدر ما تفسر استراتيجية واشنطن القائمة على التهرب من الحقائق، ومحاولة “تغطية الشمس بالغربال”؛ تكذيب المشتكين بدلاً من مساءلة القيادة.
زيارة قائد القيادة المركزية براد كوبر للحاملة للمرة الثانية تعبر -في هذا السياق- عن محاولة لـ “حقن” المعنويات الميتة في طاقم فقد الثقة في قيادته، فبينما تتحدث البحرية عن “حيوانات أليفة وقساوسة” لدعم الصحة النفسية، يتساءل البحارة عن سبب وجودهم في حرب “استنزافية بلا أفق” سلبهم أبسط حقوقهم البشرية.
رحيل “لينكولن” ووصول “واشنطن”.. هل يتغير القدَر؟
تغادر “إبراهام لينكولن” المنطقة اليوم –وهي منصة بوش ورمز غزو العراق وافغانستان- ليس كما اعتادت كل مرة كبطل عائد من مهمة ناجحة، بقدر ما تمثل شاهداً على “فشل بنيوي” في إدارة الصراع، فقصص العفن، والجوع، ومحاولات الانتحار، هي -في الواقع- النتيجة الحتمية لوضع القوات الأمريكية في مواجهة مباشرة مع قوى المحور، التي تجيد اللعب على أوتار النفس والوقت واللوجستيات. ومع توجه “جورج واشنطن” لملء الفراغ، يطل السؤال ذاته: هل ما زال عصر الحاملات قائماً، وهل ما تزال رمزية قوتها سارية المفعول بعد كل هذا؟!
