مولد النبي الأكرم.. ذكرى النور التي تستدعي عودة الأمة إلى طريق العزة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
17 أغسطس 2026مـ – 4 ربيع ألاول 1448هـ
إن في مطالع الأزمنة وأعقاب الدهور مواسم تتجدد فيها الذكريات، وتستحضر فيها الأمم محطاتها الفارقة، وأيامها المشهودة التي صنعت تاريخها، ورسمت مسارها، وحددت هويتها. وإن أمة الإسلام لتملك في سجل وجودها الممتد ذكرى لا تضاهيها ذكرى، ومولدًا ليس كمثله مولد في تاريخ البشرية جمعاء؛ إنها ذكرى مولد خاتم النبيين، وسيد المرسلين، محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ذلك المولد الذي كان مولدًا للنور، وقدومًا ميمونًا مباركًا لأعظم وأسمى وأزكى إنسان في الوجود البشري، منذ أن خلق الله آدم، وإلى أن تقوم الساعة.
إن الحديث عن هذه الذكرى العطرة هو حديث عن حاضر يعيشه المسلمون، ومستقبل يستشرفونه؛ ذلك أن أثر هذا المولد المبارك ممتد عبر الزمان، متصل بالواقع، حاضر في الضمير، فما كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله نبيًا لقومٍ بعينهم، ولا لزمانٍ محدد، بل كان نبيًا للبشرية جمعاء، ورحمة للعالمين، وهاديًا للأمم، وقائدًا للبشرية في أخطر مراحلها، وأعظم أطوارها، وأشدها حاجة إلى الرشد والهداية.
السياق الزمني لمولد النور: ذروة التمكين وحاجة الإنسان إلى الهداية
لقد شاءت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون مولد النبي الخاتم محمد صلوات الله عليه وآله وسلم في مرحلة مفصلية من مراحل الوجود البشري، تلك المرحلة التي هي آخر الزمن، وهي المرحلة التي أشار إليها القرآن الكريم في آيات بينات، فقال جل شأنه: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر: 1]، وقال: {أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} [النجم: 57-58]، وقال: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} [محمد: 18].
وهذه المرحلة الختامية للوجود البشري، التي تمثل خلاصة جامعة لتجارب الأمم الماضية المتعاقبة، هي مرحلة تميزت بخصائص فريدة؛ إذ يشهد فيها الإنسان تطورًا كبيرًا في مسيرة الحياة، وتمكنًا عجيبًا في تسخير الأرض وما عليها، وانفتاحًا واسعًا في وسائل المعرفة والإنتاج والإبداع، حتى غدا الإنسان في هذه المرحلة قادرًا على التأثير في أرجاء المعمورة شرقًا وغربًا، وعلى امتلاك ناصية التقنية والتقدم، وعلى تحقيق منجزات لم تكن لتخطر على بال أحد من الأولين. غير أن هذه المرحلة -على عظم ما فيها من تمكين وتسخير- كانت ولا تزال من أخطر المراحل على الإنسان؛ إذ إن هذا التمكين الكبير، وهذه القدرات الهائلة، إن لم تقترن بهداية سليمة، ورشد وبصيرة، وضوابط أخلاقية راسخة، انقلبت إلى شر مستطير، وضرر عظيم، وخطر داهم، وشقاء مقيم. إن الإنسان الذي امتلك ناصية العلم والتقنية بحاجة ماسة إلى ما يقود هذه القدرات نحو الخير والصلاح، وإلا تحول ما أنعم الله به عليه إلى وبالٍ عليه، وإلى أداة لدماره وشقائه.
وهنا تتجلى حكمة الله تعالى ورحمته؛ إذ اقتضت سنته في عباده، في كل مراحل التاريخ، وفي كل الأمم المتعاقبة، أن يقيم عليهم الحجة، وأن يهيئ لهم أسباب النجاح والفلاح والرشاد، فما كان ليتركهم في هذه المرحلة الأخيرة، التي هي الأكبر في حجم أحداثها ومخاطرها، والأزهى في وسائلها وإمكاناتها، دون أن يمنحهم الذخر الأعظم، والهادي الأكمل، والمعلم الأسمى؛ فكانت نعمة الله تامة، وحكمته بالغة، إذ أرسل أعظم الأنبياء، وخاتمهم، محمدًا صلوات الله عليه وآله وسلم، وأرفق معه أعظم كتبه، وأهدى شرائعه، ليكون للناس قائدًا ومرشدًا، وليقود البشرية في هذه المرحلة المصيرية من تاريخها نحو الفلاح والنجاة.
محمد صلوات الله عليه وآله: قمة الكمال الإنساني والأخلاقي
إن المتأمل في شخصية رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم يقف على حقيقة عظيمة، تتجلى في بلوغه أعلى مراتب الكمال الإنساني، وتجسيده للمبادئ الإلهية التي أوحى الله بها إليه، حتى غدا هو القدوة الأعظم في الإيمان والالتزام، وحتى صار ميزان الكمال البشري الذي لا يطاوله فيه أحد، ولا يجاريه فيه بشر. لقد قال الله تعالى في شأنه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وهي شهادة إلهية خالدة، تؤكد أن النبي صلوات الله عليه وآله بلغ مرتبة كمال الأخلاق، بما لم يصل إليه قبله أحد من البشر، ولا يصل إليه أحد بعده. ولقد كان هذا الكمال الأخلاقي انعكاسًا صادقًا لعمق إيمانه، وصدق يقينه، وتمام تسليمه لله رب العالمين؛ إذ جسد صلى الله عليه وآله مبدأ العبودية الخالصة لله في كل حركاته وسكناته، حتى وصفه الله تعالى بقوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].
وهذه العبودية الخالصة هي التي أهلته لأن يكون القائد الرشيد للمجتمع البشري، والنبي العظيم الذي يتحرك متصلًا برعاية الله وتدبيره وهدايته، وبأمره وإذنه.
إن البعثة النبوية كانت تحقيقًا لوعد الله، وتتميمًا لرسالته الخالدة؛ فقد أرسل الله نبيه محمدًا صلوات الله عليه وآله إلى الناس كافة، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]، وجعله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 45-46]. وجعل رسالته رحمة للعالمين، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
وهذه الرحمة ليست مقصورة على الحياة الآخرة فحسب، بل هي رحمة شاملة تمتد لتشمل صلاح الحياة الدنيا وزكاء النفوس وحل المشكلات، والسلامة من عقوبات الله العاجلة، ثم تتكامل في الآخرة بالفوز برضوانه وجنته الواسعة التي عرضها السماوات والأرض، والنجاة من عذاب الله الأكبر، تلك النار التي أعدت للظالمين والغافلين.
القرآن الكريم: المعجزة الخالدة والمنهج الكامل لإدارة الحياة
إن من عظيم نعم الله على البشرية، ومن مقتضيات رحمته بعباده، أن أرفق مع رسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم أعظم كتبه وأهداها، وهو القرآن الكريم، الذي كان وما زال وسيبقى المعجزة الخالدة، والمصدر الأعظم للهداية والمعرفة، والمنهج الكامل لإدارة شؤون الحياة في كل مناحيها. لقد عبر الله تعالى عن سعة هذا الكتاب وعظمته، وعن كونه معينًا لا ينضب من الحقائق والمعارف والعلوم، فقال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27]. وبيّن إعجازه الذي يتحدى به الإنس والجن، فقال تعالى: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].
وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ هذا الكتاب، وصيانة نصه من التحريف والتبديل، فقال جل شأنه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. وهذا الحفظ الإلهي للقرآن الكريم هو من مقتضيات حكمة الله في أن يكون هذا الكتاب هو المرجعية الكبرى للبشرية في المرحلة الأخيرة من تاريخها، وفي ظل ما تشهده من تعقيدات وتحديات؛ إذ لا يمكن أن يواجه الإنسان أزماته ومشكلاته وأن يدير شؤونه بنجاح دون أن يعود إلى هذا الكتاب الذي يقدم له الرؤية الصحيحة، والمنهج السليم، والقيم الراسخة.
بهذا القرآن، وبهذا الرسول، أتم الله النعمة على عباده، وأكمل الحجة عليهم؛ فإلى جانب التسخير المادي، والنعم العظيمة، والتمكين الكبير الذي بلغ فيه المجتمع البشري تقدمًا متصاعدًا، وإلى جانب واقع الحياة الذي اتسع كثيرًا، وإلى جانب التحديات والمخاطر الأكبر، كان هدى الله متمثلًا في كتابه ورسوله أوسع وأعظم، وكفيلًا بتحقيق الرشد اللازم، والهداية الكافية للسير بالإنسان بشكل صحيح، ولإدارة المجتمع الإنساني بشكل سليم، ولبناء الحياة على أسس متينة من الحق والعدل والخير.
الأثر العملي للرسالة: النقلة الحضارية الكبرى
لقد أثبتت التجربة العملية في حركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن الكريم، وبعثته بالرسالة، مصداقية هذه الحقائق، وتجسدت في الواقع نقلة نوعية كبرى لم تشهد لها البشرية نظيرًا؛ فقد تحرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أوساط المجتمع الجاهلي، في البيئة العربية التي كانت تعاني من الجهل، والتخلف، والأمية، والعصبية العمياء، وتعيش حالة مأساوية من الفوضى والانفلات والضياع، وكانت بداية الدعوة من نواة صغيرة، مكونة من ثلاثة أشخاص: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزوجته الصديقة السابقة إلى الإسلام خديجة بنت خويلد، وعلي بن أبي طالب عليه السلام.
وواصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حركته بالرسالة، مواجهًا كل التحديات، ومتصديًا لكل الصعوبات، برعاية الله ونصره، ووفق تعليماته وتوجيهاته، فاتسعت تلك الدائرة حتى عم نور الإسلام في الجزيرة العربية، وأما تأثيره فامتد إلى كافة أنحاء المعمورة بمستويات مختلفة.
وكانت النقلة بالواقع العربي نقلة كبيرة، من حالة الأمية والجهل والخرافة والكفر والفجور والفسق والظلم، إلى نور الإسلام وهدايته، والاعتصام بحبل الله تعالى، وتغيير الواقع إلى واقع يسوده الحق، والخير، والنور، والعدل، ومكارم الأخلاق، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 2-4].
إن هذه النقلة الحضارية لم تكن لتحدث لولا أن الرسول صلوات الله عليه وآله كان يجسد القرآن في سلوكه، ويترجم تعاليمه إلى واقع عملي، فأصبح هو القدوة الحسنة، والمثل الأعلى، الذي يلتف حوله الأتباع، ويقتدون به في كل صغيرة وكبيرة. وهكذا، فإن ذكرى مولده صلى الله عليه وآله هي ذكرى لانطلاق أعظم مشروع نهضوي في تاريخ البشرية، مشروع قاده رجل واحد، بدأ بنفسه وزوجه وابن عمه، ثم تحول إلى أمة عظيمة، وإلى حضارة شامخة، وإلى نور أضاء الدنيا بأسرها.
ابتعاد الأمة عن منهج الرسالة: الأسباب والنتائج
غير أن الأمة الإسلامية -مع امتداد الزمن- ابتعدت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موقع القيادة والقدوة، وعن القرآن الكريم في موقع المنهج والاتباع والاهتداء، في كثير من الأسس، والمبادئ، والأخلاق، والمسؤوليات، والتعليمات المهمة، وقد تسبب هذا الابتعاد في خسائر كبيرة، وأدى إلى تراجع خطير في الوعي، والفهم، والمعرفة الصحيحة، وفي زكاء النفوس، ومكارم الأخلاق، وبالتالي في واقع حياة الأمة.
فالأمة التي كانت -في صدر الإسلام- تقود العالم بالهدى والرشاد، وتصنع الحضارة بالأخلاق والقيم، أصبحت في كثير من مراحلها تسير نحو الانحدار أكثر وأكثر، يقودها في ذلك ويسير بها إلى هوة المهالك سلاطين الجور، وعلماء السوء، الذين كانوا يحاربون -بشدةٍ- أخيار الأمة وصالحيها، والساعين إلى إصلاح واقعها عبر الأجيال. وهذه الفئة من العلماء والسلاطين هي التي سعت إلى تحويل الإسلام من مشروع حضاري شامل إلى مجرد طقوس شكلية باردة، تخدم مصالح السلطة الحاكمة، وتخنق روح النهضة والتغيير، وتكرس التبعية والاستسلام.
واليوم، تقف الأمة الإسلامية أمام مفترق طرق حقيقي، وهو مفترق تترتب عليه مصائرها في الدنيا والآخرة، وتتحدد فيه هويتها ومسارها، وتتجلى فيه خياراتها الأساسية. إن هذا المفترق يفصل بين طريقين لا ثالث لهما:
الطريق الأول: طريق النفاق والتبعية للطاغوت،
وهو الطريق الذي يسعى دعاته لأن يبقى الإسلام مجرد حالة شكلية، وطقوس باردة، بينما يكون أهله جندًا مجندين، وخدمًا مطيعين لطاغوت العصر المستكبر، المتمثل بأمريكا و”إسرائيل”. وفي هذا الطريق تتحول الأمة المسلمة بكل طاقتها، وإمكاناتها، وثرواتها، واهتماماتها، إلى رصيد إضافي يعزز من سيطرة أمريكا ومن نفوذها وهيمنتها على المستوى العالمي، وتتحالف مع “إسرائيل” تحت الراية الأمريكية ضد كل صوت حر، وضد كل حركة تسعى للاستقلال، وتعمل من أجل حرية وكرامة الأمة.
وهذا الطريق يمثل انحرافًا كبيرًا وخطيرًا حذر منه القرآن الكريم، ونهى الله تعالى عنه أشد النهي؛ إذ إنه يقوم على موالاة أعداء الله، والرضا بقيادتهم، والتخلي عن الهوية الإيمانية، والتفريط في الكرامة والعزة. وقد جاءت الآيات القرآنية صريحة في التحذير من هذا الطريق، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]، وقال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28]، وقال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 138-139]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 144-145].
إن هذا الطريق هو طريق الضياع والخسران، وهو الطريق الذي قاد الأمة إلى ما تعيشه اليوم من ذل وهوان، وإلى ما تشهده من تراجع في كل مناحي الحياة، وإلى ما تعانيه من تمزق وشتات وفقدان للهوية. إنه الطريق الذي حوّل كثيرًا من أبناء الأمة إلى أتباع للغرب، ينظرون إليه بعين التقديس، ويقلدونه في كل شيء، ويتخذون من قادته وزعمائه أولياء من دون الله، في الوقت الذي يتنكرون فيه لدينهم، ويبتعدون عن كتاب ربهم، وسنة نبيهم، حتى وصل بهم الأمر إلى الاشتراك مع الأمريكي والإسرائيلي ضد من يتخذ موقفا من أمريكا و”إسرائيل” كما في اليمن وإيران ولبنان وغزة.
الطريق الثاني: طريق الحرية والاستقلال والكرامة على أساس الهوية الإيمانية،
وهو الطريق الذي فيه خير الدنيا والآخرة، وأساس هذا الطريق هو الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتمسك بالقرآن بشكل صادق، والتحرر من التبعية لأعداء الإسلام ومن يواليهم. وهذا الطريق يبدأ بالاستقلال الفكري والثقافي، ويؤسَّس على الهوية الإيمانية والانتماء للإسلام، ويعمل على استعادة الأمة لعزتها وكرامتها، وعلى أداء مسؤولياتها الحضارية، وعلى النهوض بدورها في مواجهة الطغيان والعدوان، وتحقيق الحرية والاستقلال.
إن أول شاهد على المصداقية في هذا الطريق هو التحرر من التبعية لأعداء الإسلام ومن يواليهم، يقول الله سبحانه وتعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]. فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق إلا بالاستقلال الفكري والثقافي، وبالانطلاق -في مسيرة الحياة- على أساس من القرآن وأعلام الهدى، ولو واجهتنا صعوبات في هذا الطريق، وكلفنا ذلك التضحيات. فالكلفة في ذلك أقل وأيسر من كلفة التبعية للأعداء والاستسلام، بما لها من تبعات المذلة، والقهر، والخزي، والاستعباد، والظلم في الدنيا، وجهنم في الآخرة.
إن هذا الطريق هو الطريق الذي سلكه النبي صلوات الله عليه وآله وسلم وأصحابه من قبله، وهو الطريق الذي حقق بهم النصر والتمكين، على الرغم من قلة عددهم، وضعف عدتهم، وشدة الصعوبات التي واجهوها. إنه طريق الصبر على المعاناة في سبيل الله تعالى، وفي سبيل التحرر من سيطرة الطاغوت والاستكبار، والسعي لأداء الواجب، والنهوض بالمسؤولية لمواجهة الطغيان والعدوان، وتحقيق الحرية والاستقلال، من خلال الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه.
وعد الله بالنصر: الثقة في المستقبل رغم التحديات
إن عاقبة الصبر على المعاناة في سبيل الله، والسعي لتحرير الأمة من سيطرة الطاغوت والاستكبار، هي الخير والنصر والظفر، وبذلك نطق الوعد الإلهي في القرآن الكريم، فقال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، وقال تعالى: {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]. وهذه الوعود الإلهية لا تتخلف، ولا تتبدل، وإنما هي آتية لا محالة، بشرط أن يحقق المؤمنون شروطها، وأن يأخذوا بأسبابها، وأن يصبروا على ما ينالهم في سبيلها.
إن الصعوبات في هذا الطريق، مهما عظمت، فإنك -يومًا ما- تتجاوزها، وإن الله يقول: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7]، وقد ورد عن النبي صلوات الله عليه وآله وسلم قوله: “اشتدّي أزمة تنفرجي”. وإن التاريخ يشهد بذلك في حركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث واجه المسلمون -تحت رايته- تحدياتٍ كبيرةً، منها غزوة الأحزاب التي قال الله تعالى بشأنها: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10-11]. وقد كانت هذه الغزوة من أشد المحن التي مرت بها الأمة المسلمة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث حاصرت الأحزاب المدينة المنورة من كل جهة، وضاقت الأنفس، وبلغت القلوب الحناجر، واهتزت الثقة في بعض النفوس، ولكن المؤمنين الصادقين صبروا وثبتوا، وتوكلوا على الله، فجاء النصر الإلهي الذي لم يكن في الحسبان؛ إذ أرسل الله ريحًا صرصرًا وجندًا من عنده، فقلبت موازين القوى، وردت كيد الأعداء في نحورهم، وتحقق للمؤمنين النصر والتمكين.
إن هذه التجربة التاريخية المباركة تحمل رسالة واضحة إلى الأمة المسلمة اليوم، وهي أن المحن والابتلاءات، مهما اشتدت، فإن العاقبة للمتقين، وأن وعد الله بنصر المؤمنين قادم لا محالة، بشرط أن يأخذوا بأسباب النصر، وأن يثبتوا على الحق، وأن يصبروا على البلاء، وأن يتوكلوا على الله حق توكله، وخير شاهد على ذلك في عصرنا الحاضر، ما عاناه شعبنا اليمني من عدوان وحصار تكالبت فيه قوى الطاغوت، لكن ومع الإيمان المحمدي الأصيل لشعب الإيمان والحكمة استطاع الشعب أن يصمد وأن يُلحق بالأعداء شر هزيمة، فها هم اليوم -بالرغم مما بحوزتهم من عتاد وعدة- يتهيبون المواجهة مع اليمن، وباتت السعودية عاجزة عن إحداث أي تغيير في موازين الحرب، تماما كما هو الحال مع العدو الأمريكي الذي هُزم شر هزيمة من الشعب اليمني، واضطر في نهاية الأمر للانسحاب من المعركة ذليلا خائفا.
العودة إلى محمد صلوات الله عليه وآله وسلم
إن ذكرى مولد النبي الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله وسلم هي مناسبة عظيمة تستدعي من الأمة أن تعيد النظر في مسارها، وأن تراجع مواقفها، وأن تعود إلى ينبوعها الصافي، ومنبعها الأصيل، المتمثل في القرآن الكريم والنبي العظيم وأعلام الهدى من بعده. إنها مناسبة لتجديد الارتباط بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ارتباطًا عمليًا يجسد في الواقع الاقتداء به، والاهتداء بهديه، والسير على نهجه، والتحاكم إلى كتاب الله وسنته في كل شؤون الحياة.
إن الأمة المسلمة اليوم بحاجة ماسة إلى أن تستلهم من ذكرى المولد النبوي دروسًا وعبرًا، وأن تدرك أن الخلاص من أزماتها، والتغلب على تحدياتها، وتحقيق آمالها وتطلعاتها، لن يكون إلا بالعودة الصادقة إلى كتاب ربها، وسنة نبيها، وأعلام الهدى الأطهار، وبأن تتحرر من التبعية لأعدائها، وأن تتمسك بهويتها الإيمانية، وتعمل العمل الجاد لبناء واقعها على أسس الحق والعدل والخير.
