خبراء عسكريون: التحالف السعودي الجديد يولد في ظل مأزق استراتيجي وقدرة يمنية متصاعدة
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
7 أغسطس 2026مـ – 24 صفر 1448هـ
تبدو السعودية ماضية في التصعيد ضد اليمن بعد تحركاتها العسكرية الأخيرة وتحالفاتها مع تركيا وباكستان، في وقت تتسع فيه قدرة اليمن على نقل ثقل المواجهة إلى مساحات أوسع، وفرض معادلات ميدانية تتجاوز حدود الجغرافيا التي اعتادت الرياض التحرك ضمنها.
ومع انتقال الضغوط من ساحات المواجهة المباشرة إلى العمق والممرات البحرية والتحركات العسكرية، تتزايد أهمية عامل المبادرة في تحديد اتجاهات المعركة، لتبرز في هذا السياق مسألة القدرة على اكتشاف التحركات قبل اكتمالها، وتحويل المعلومات إلى عمليات دقيقة في التوقيت والمكان، باعتبارها عاملاً حاسماً في تغيير ميزان المبادرة.
وفي موازاة ذلك، تضع التحركات السعودية نحو تشكيل تحالفات جديدة الرياض أمام سؤال أوسع يتعلق بمدى قدرتها على معالجة مأزقها عبر توسيع دائرة الشراكات العسكرية والسياسية. وفي المقابل، تطرح التطورات الميدانية اليمنية، وفق قراءة خبراء عسكريين، معادلة تقوم على امتلاك زمام المبادرة والاستعداد للانتقال بالمواجهة إلى مستويات مختلفة، بما يجعل أي حسابات تقوم على استخدام أدوات محلية أو تحالفات خارجية أمام اختبار صعب.
الزبيدي: العملية كشفت مستوى الاختراق الاستخباراتي لتحركات السعودية
وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشؤون العسكرية العميد عبدالغني الزبيدي أن العملية العسكرية الأخيرة كشفت مستوى متقدماً من القدرة الاستخباراتية اليمنية، موضحاً أنها أظهرت القدرة على الوصول إلى معلومات دقيقة بشأن أماكن انتشار القوات ومخازن الأسلحة والتحشيدات العسكرية السعودية.
ويضع الزبيدي هذه القدرة في سياق “الصبر الاستراتيجي” الذي مارسته صنعاء خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن القيادة اليمنية لم تكن تريد استهداف العناصر التي جندتها السعودية وحشدتها داخل اليمن، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن المواجهة تستهدف مشروعاً وطنياً يجمع مختلف الفرقاء اليمنيين، بمن فيهم المتخاصمون والمتقاتلون.
ويقول إن السعودية لا تأبه بالأفراد الذين جندتهم، وإن هدفها كان إحداث قتال يمني – يمني مع بقائها خارج المواجهة المباشرة، مضيفاً أن العملية حملت رسالة واضحة للداخل اليمني وللإقليم وللخارج، مفادها أن القضية المطروحة ترتبط بمطلب يمني عام يتعلق بمعاناة نحو أربعين مليون يمني جراء الحصار البري والبحري والجوي.
وبحسب الزبيدي، فإن دفع هذه القوات في هذا التوقيت إلى مناطق المواجهة ربما جاء نتيجة حسابات سعودية غير معلومة على أساس أن صنعاء ليست جاهزة، بينما أثبتت العملية امتلاكها وسائل لجمع المعلومات والوصول إلى أهداف تقع في مناطق صحراوية وبالقرب من الحدود السعودية.
كما يرى الزبيدي أن التحشيدات التي دفعت بها السعودية إلى تلك المناطق كان من أهدافها حماية الحدود السعودية، معتبراً أن الرياض كانت تدرك إمكانية انتقال المواجهة إلى أراضيها في حال اندلاع معركة داخل اليمن.
ويلفت إلى أن صنعاء كانت ترسم معادلتها بالنار وبـ”الحصار بالحصار”، وإن لديها رؤية لمسار المعركة تقوم على أن أي مواجهة ستنتقل إلى الأراضي السعودية قبل أن تبقى محصورة داخل الأراضي اليمنية.
ويصف الزبيدي القوات التي دفعتها السعودية بأنها أدوات، ويتحدث عن وجود عناصر وقيادات مرتبطة بتنظيمات تكفيرية وإرهابية، معتبراً أن عملية تجميعهم وتجنيدهم جرت من دون معرفة حكومة الفنادق ومجلس الثمانية الخونة.
ويؤكد أن العملية حملت دلالات عسكرية تتصل بالقدرة على الحصول على المعلومات، والقدرة النارية، واستخدام السلاح بفاعلية وتأثير، معتبراً أن هذه الرسالة يفترض أن تكون قد وصلت إلى صانعي القرار في السعودية.
كما يؤكد الزبيدي أن نجاح العملية يعكس تطوراً في معادلة كانت موجودة سابقاً، لكنها تطورت مع تطور القدرات والفكر الاستراتيجي لدى القيادة في صنعاء، متابعاً بالقول: إن صنعاء كانت سباقة في التعامل مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والسعودية، وإن العمليات الاستباقية باتت تمثل تطوراً واضحاً في طريقة إدارة المواجهة.
ويشير إلى أن هذه العمليات يمكن أن تشكل نوعاً من “الصدمة والرعب”، لافتاً إلى أن السعودية أصبحت تدرك أن اليمن قادرة على الاستباق والضرب، وتمتلك رؤية وققدرات.
ويضيف أن التحركات العسكرية السعودية لم تعد تتحرك في بيئة غير مرصودة، إذ إن القوات المسلحة والأجهزة الاستخباراتية تعمل على الإعداد والرصد والتدقيق، وأن الضربة عندما يأتي موعدها ستكون مؤلمة وموجعة وقاضية، وربما مربكة للحسابات العسكرية.
ويعتبر الزبيدي أن توقيت استهداف المعسكرات كان من أبرز عناصر العملية، حيث إن صنعاء امتلكت زمام المبادرة واختارت توقيتاً مناسباً لتوجيه الضربة، مشيراً إلى أن هذه المعسكرات كانت قد أنشئت لحماية الحدود السعودية، إضافة إلى إسناد القوات التي تقاتل في جبهات متعددة داخل اليمن.
ويقول إن تلك القوات لم تكن تمتلك رؤية استراتيجية واضحة أو أهدافاً أو معلومات كافية لمواجهة خصم يختلف عن الخصم الذي واجهته السعودية خلال عامي 2015 و2022.
ويربط الزبيدي ذلك بتحول الأولويات اليمنية، قائلاً إن صنعاء كانت في مراحل سابقة لا تريد أن يكون هناك دم يمني، بينما أصبحت أولويتها اليوم مواجهة “الخطورة السعودية”، الأمر الذي أدى إلى دفع الرياض بخط ناري أول إلى معسكرات متاخمة لحدودها.
ويجزم الزبيدي بأن العملية وضعت السعودية في مأزق أشد مما كانت عليه قبل الضربة، وأن الأدوات الموجودة في الجبهات الداخلية أصبحت في وضع أسوأ، لافتاً إلى أن السعودية قامت بنقل قتلاها وجرحاها عبر طائرات مجهزة طبياً إلى داخل المملكة، بينما بقيت العناصر التي جرى دفعها إلى الخطوط الأمامية بحاجة إلى وسائل نقل أخرى، معتبراً أن ذلك يعكس تبايناً في طريقة تعامل السعودية مع أدواتها.
ويشدّد على أن الحسابات السعودية ستكون أمام مأزق أشد، وأن المرتزقة سيكونون في وضع مزرٍ، خصوصاً أن صنعاء كانت تفضل الضغط على السعودية مباشرة للحصول على الحقوق اليمنية، ولم تكن تريد الاقتتال بين اليمنيين.
ويشير إلى أن القوات المسلحة اليمنية وجهت في بياناتها دعوة إلى هذه العناصر لمغادرة المعركة، باعتبارها ليست معركتهم، معتبراً أن المطالب اليمنية تستهدف رفع الحصار وإنهاء التدخل السعودي.
ويتطرق إلى أن مسارات المعركة الجوية والبحرية والبرية أصبحت تُرسم في صنعاء، مستنداً إلى إثبات وجود قوة على الأرض تمتلك الثقة بالله، وقوة الحق، والقدرات العسكرية والاستعداد القتالي، معتبراً أن ما كان يجهله العدو هو مستوى الجاهزية والتخطيط الاستراتيجي اليمني في إعداد القدرات البشرية والمادية وفي اختيار الأهداف.
ويذكّر بأن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني سبق أن تدخلتا عسكرياً ضد اليمن، وأن الرهان على تأثير هذه الضربات في قرارات صنعاء لم يحقق النتيجة التي كان يتوقعها خصومها.
ويرى أن صنعاء، عندما وصلت إلى المواجهة، استطاعت فرض معادلة أخرى من خلال ما تمتلكه من إمكانيات وقدرة على التدمير والمواجهة، مجدداً التأكيد على أن السعودية أصبحت اليوم في مأزق أشد، وأن الأدوات التي كانت تروج إعلامياً لقدرتها على خوض المعركة فقدت المبادأة والمبادرة.
ويعتبر الزبيدي أن العملية تحمل دلالات سياسية وجيوسياسية تتجاوز الميدان العسكري، وأن صنعاء أصبحت تمتلك قدرة تأثير في المواجهة الإقليمية الأوسع بين محور المقاومة من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني وأدواتهما في المنطقة من جهة أخرى.
وفي حديثه عن استهداف السفينة السعودية قبالة ينبع، يستند الزبيدي إلى ما نقلته شركة “ويندوارد” البريطانية المتخصصة في الاستخبارات البحرية من أن استهداف الناقلة السعودية “وفاء” يثبت امتداد التهديد اليمني إلى المياه السعودية، وأن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح أصبح الخيار المتبقي أمام السفن المرتبطة بالسعودية الساعية للابتعاد جغرافياً عن نطاق الاستهداف.
ويقول إن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بالمياه الإقليمية السعودية، مشيراً إلى أن القوات المسلحة اليمنية وصلت إلى استهداف الكيان الصهيوني وحاملات الطائرات في أقصى شمال البحر الأحمر.
ويحدد موقع ينبع بوصفه آخر نقطة بحرية مهمة بالنسبة إلى الموانئ الضخمة وموانئ تصدير النفط السعودية، ويشير إلى المسافة التي تفصلها عن اليمن.
ويربط الزبيدي ذلك بتطور القدرات الصاروخية اليمنية القادرة على استهداف أهداف متحركة وبعيدة، إضافة إلى القدرة على الحصول على المعلومات الاستخباراتية من داخل السعودية وعمقها، وربما من غرف القيادة والسيطرة، بحسب تعبيره، مؤكداً أن هذه المعطيات تفسر حالة الارتباك السعودية.
ويشير الزبيدي إلى أن ما يجري لا يراه مبالغة، لافتاً إلى أن مراكز دراسات وأبحاث أمريكية وبريطانية وإقليمية تتحدث عن الإمكانيات اليمنية.
ويؤكد أن محاولات ربط القدرات اليمنية بإيران تهدف إلى التقليل من طبيعة التطور اليمني، بينما يعتبر أن هذه القدرات نتاج تجربة وممارسة وعقل عسكري يمني يتميز بالإبداع والابتكار والقدرة على تطوير أدوات المواجهة في الظروف الصعبة.
وفي ختام مداخلته، يستعيد الخبير العسكري، العميد عبدالغني الزبيدي، مسار الحرب منذ بدايتها، قائلاً إن اليمن بدأ المواجهة من مستوى محدود من القدرات، مع وجود انشقاقات وأوضاع داخلية صعبة، قبل أن تتحول إدارة المعركة إلى مسار قائم على الاستفادة من القدرات وتطويرها، معتبراً أن هذا التحوّل تجربة غير مسبوقة لجهة الانتقال من نقطة البداية إلى امتلاك قدرات كبيرة خلال سنوات الحرب.
زهوي: التحالف السعودي الجديد فاشل تكتيكياً
من جهته، يتحدث الخبير اللبناني في الشؤون العسكرية العميد نضال زهوي عن التحالف السعودي الجديد مع تركيا وباكستان، موضحاً أن لكل دولة مشاركة في التحالف السعودي حساباتها وخصوصيتها، وأن هذه الحسابات لا تتطابق بالضرورة مع الحسابات السعودية.
ويتحدث زهوي عن تركيا تحديداً، معتبراً أن لديها حساباتها الخاصة، وأن وجودها في تحالف يوصف بأنه سني يخدم أهدافاً تركية تتعلق بمصالحها في المنطقة وبملف الأكراد في العراق وسوريا.
ويعتبرا أن التحالف، من الناحية التكتيكية، فاشل، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة نفسها لم تتمكن من توفير الأمن الكامل للملاحة الصهيونية في البحر الأحمر وباب المندب والبحر العربي.
ويشير زهوي إلى أن امتلاك صنعاء قدرة على الاستهداف الاستباقي يجعل من الصعب منعها من تحقيق أهدافها، مستدلاً على ذلك بقدرة الصواريخ اليمنية على الوصول إلى عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبإبداع اليمنيين في استخدام المسيرات واختراق الأجواء واختيار المسارات.
ويقول إن بعض المسارات التي استخدمتها القوات المسلحة اليمنية كانت أكثر ذكاءً من مسارات استخدمتها المسيرات الإيرانية، موضحاً أن المسيرات الإيرانية كانت تستهدف استنزاف منظومات الدفاع، بينما كانت المسيرات اليمنية تتجه نحو أهداف محددة.
ويؤكد زهوي أن التجربة اليمنية تثبت امتلاك قدرات عسكرية متقدمة، خصوصاً في الجانب البري، مشيراً إلى مشاهد أظهرت هروب بعض التحشيدات والقوات التابعة للسعودية من ساحات الميدان إلى مناطق أخرى.
ويرى أن تلك القوات تدرك تفوق القدرات اليمنية، وأن العمل الاستباقي يمكن أن يمنع تنفيذ تحركات سعودية جديدة ضد اليمن، مشيراً إلى التعبئة العامة التي جرت لدى الشعب اليمني وقواته المسلحة وقواته التعبوية، معتبراً أنها كانت ذات فاعلية، ويربطها بمرحلة المواجهة الأخيرة وبالاستعدادات التي سبقت التطورات الميدانية.
وفي ختام مداخلته، يؤكد الخبير اللبناني في الشؤون العسكرية العميد نضال زهوي أن هذه التعبئة ساهمت في توفير حالة من الجاهزية التي تجعل التعامل مع التحركات السعودية أكثر صعوبة.
