الهندسة الصهيونية لابتلاع فلسطين تبدأ من إدارة الصراع إلى محو الوجود والجغرافيا
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
3 أعسطس 2026مـ – 20 صفر 1448هـ
تجاوزت عصابات الاحتلال الصهيوني حدود الذرائع الأمنية التقليدية لتبدأ مرحلة جديدة من التحول الاستراتيجي الشامل، أصلها الذهاب مباشرة نحو حسم الصراع وتفكيك المقومات المادية والمعنوية للوجود الفلسطيني عبر ثلاث جبهات متداخلة ديناميكيًّا متمثلة في حرب الإبادة الجماعية، واجتثاث الحياة في قطاع غزة، والتهجير القسري وتحويل الجغرافيا إلى كانتونات معزولة في الضفة الغربية، وتجريد القدس والمسجد الأقصى من هويتهما التاريخية والدينية.
هذا المسار الذي أصبحت تقوده حكومة الإجرام والتطرف الصهيونية بقيادة المجرم نتنياهو بشكّلٍ علني ورسمي يعكس انتقالة خطيرة من سياسة إدارة الصراع إلى خطة محو الذاكرة وتثبيت الرواية الصهيونية قسرًا، وسط حالة من الصمت الدولي الشديد التي توفر غطاءً سياسيًا وقانونيًا لمواصلة هذا المشروع، ما يضع المنطقة بأسرها على شفا انفجار إقليمي شامل ويضع الأمة الإسلامية أمام اختبار مباشر ومفصلي لحماية مقدساتها ووجودها.
وفي قلب هذه الاستراتيجية الشاملة، يتسارع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة بدعمٍ حكومي مباشر، تحول بموجبه الإرهاب الاستيطاني إلى سياسة رسمية تؤكدها التقارير العبرية والتسريبات الميدانية، من خلال تمويل واسع للبؤر الاستيطانية، وشق الطرق الالتفافية، وتوفير الحماية العسكرية المباشرة للمغتصبين الصهاينة.
الضغط الديمغرافي والميداني يهدف إلى فرض واقع جديد يمزق الوحدة الجغرافية الفلسطينية عبر تدمير البنية التحتية، وتوسيع الاستيطان، وتقسيم القرى والمخيمات إلى كانتونات سكنية مغلقة تشبه معازل الفصل العنصري، وهو ما يحول التهجير القسري إلى أداة أساسية في الهندسة الديمغرافية التي تتبناها حكومة الاحتلال، بما يمهد الطريق حتمًا نحو انتفاضة شعبية عارمة لا يمكن احتواؤها.
ولا تتوقف هذه الهندسة عند حدود الأرض والتضاريس، وإنّما تمتد لتستهدف الرمزية الدينية والتاريخية التي تمثل قلب الصراع، وفي هذا السياق، كشف تقرير تفصيلي صادر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في القدس عن تصاعد غير مسبوق في حجم ونوعية الانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية خلال شهر يوليو الماضي؛ حيث أظهر التقرير تسجيل 27 اقتحاماً للمسجد الأقصى المبارك عبر باب المغاربة بحماية أمنية مشددة، تقدمها قادة التطرف وفي مقدمتهم المجرم بن غفير، وأعضاء في الكنيست، ورؤساء منظمة الهيكل الإرهابية.
وتُعـد هذه الاقتحامات بمثابة خطوات عمل إجرائية لتقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا، وضمن سلوكيات غير مسبوقة سعت لفرض واقع جديد وإلغاء الوضع التاريخي القائم (الاستاتيكو) والمساس بالوصاية الهاشمية؛ إذ وثق التقرير أداء صلوات تلمودية و”سجود ملحمي”، وارتداء “التفلين”، ورفع الأعلام الإسرائيلية، بل وصل الأمر إلى أدوات إضافية تشمل إدخال حجارة إلى الساحات ونصب مظلة ثابتة في المنطقة الشرقية لخدمة المقتحمين في سابقة هي الأولى منذ عام 1967، بالإضافة إلى أداء أحد المستوطنين مراسم خطوبة وسط طقوس عبرية في باحات المسجد، وسط تضييق صارم على المصلين واحتجاز للرموز الدينية كخطيب الأقصى ومفتي الديار المقدسة الشيخ محمد حسين.
ووفقًا لمراقبين؛ فإنّ أبعاد هذا المخطط لا تقتصر على حدود العاصمة المحتلة، بل تتمدد لتشمل كافة المدن والمقدسات في الأرض الفلسطينية المحتلة ضمن رؤية عقائدية إلغائية؛ ففي مدينة الخليل واصلت سلطات الاحتلال تقييد الحركة داخل المسجد الإبراهيمي الشريف ومنع رفع الأذان فيه 155 وقتًا خلال الشهر ذاته تحت حجج أمنية واهية، مع استمرار إغلاق الباب الشرقي واقتحام “زاوية الأشراف” المتواصل منذ مطلع عام 2025م.
وتزامن هذا التضييق العبادي مع اعتداءات منهجية مباشرة طالت دور العبادة من خلال إحراق ثلاثة مساجد رئيسية في الضفة الغربية: “مسجد التقوى في مسافر يطا، ومسجد الكور القديم في طولكرم، ومسجد قصرة في نابلس”، إلى جانب اقتحام وتخريب مرافق مسجد عمر بن الخطاب في بيت أمر.
وبالنتيجة؛ فإن التلاحم الميداني بين قتل الإنسان، واقتلاع الأرض، وتدنيس المقدسات، يبرهن على أن ما يجري هو اعتداء وجودي يتجاوز الحدود الديمغرافية لضرب الذاكرة والهوية الوطنية والدينية، وتجريد الأمة من مقدساتها، وهو ما تحذّر منه المؤسسات الدينية والحقوقية باعتباره نذيرًا بكارثة إقليمية وصراع ديني مفتوح لن تتوقف شرارته عند حدود المنطقة، في ظل تخلي المؤسسات الدولية عن مسؤولياتها القانونية والأخلاقية.
