عقود من النهب السعودي للنفط والغاز اليمني.. مرحلة التحرير تقترب

8

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 يوليو 2026مـ – 5 صفر 1448هـ

يواصل العدو السعودي التدخل في الشأن اليمني والتحكم بقراره وثرواته السيادية منذ عقود مضت، وفي المقدمة نهب الثروة النفطية والغازية التي ظلت بعيداً عن تصرف الدولة خلال أكثر من 11 سنة منذ أن بدأ العدوان السعودي على اليمن في 26 مارس 2015م.

وخلال سنوات العدوان السعودي الغاشم على بلادنا، فقدت الدولة السيطرة على جانب مهم من الحقول والمنشآت النفطية، في حين أصبحت الإيرادات من هذا القطاع خارج الدورة الاقتصادية التي يمكن أن يستفيد منها الاقتصاد اليمني، وأدى هذا الواقع إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة، تمثلت في تعثر صرف رواتب شريحة واسعة من موظفي الدولة، وتفاقم الاختلالات المالية والنقدية، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور القوة الشرائية، واتساع رقعة الفقر، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي امتدت لأكثر من عقد، في ظل اقتصاد فقد جزءاً كبيراً من أهم موارده السيادية.

وتمثل عائدات النفط والغاز المصدر الرئيس للإيرادات العامة للدولة، وتشكل الركيزة الأساسية لتمويل الموازنة العامة، وفي مقدمتها صرف رواتب موظفي القطاع العام وتمويل الخدمات الأساسية، إلا أن العدوان السعودي أفقد الدولة السيطرة على أهم مواردها السيادية، في وقت فرضت فيه السعودية قيوداً مشددة على المنافذ البرية والبحرية والجوية، الأمر الذي ضاعف من حدة الأزمة المالية والاقتصادية، وأفقد الاقتصاد اليمني معظم موارده الخارجية.

وعلى الرغم من دخول اليمن في هدنة سنة 2022، وما رافقها من تراجع للغارات العدوانية السعودية على اليمن، إلا أن الملف الاقتصادي ظل أحد أبرز أدوات الضغط السعودية، فاستمرت القيود المفروضة على الموانئ والمطارات، واستمرت السعودية في نهب الثروات النفطية والغازية دون أن يستفيد منها اليمن لمعالجة أوجاعه وهمومه الاقتصادية.

وبحسب الكثير من الخبراء والمختصين، فإن محافظة الجوف تخبئ في بطنها ذهباً أسود، غير أن هذا الأمر ظل سراً على مدى حكومات الخيانة المتعاقبة، ويعود الأمر إلى بداية الثمانينات، عندما نقبت الشركات الأجنبية في الجوف، وبدراسات علمية أكدت أن المحافظة مليئة بالنفط والغاز، ولكن السعودية اعترضت حينها على عملية الاستكشاف والتنقيب، وهذا ما أكده محافظ الجوف السابق الموالي للسعودية محمد سالم بن عبود، والذي أكد أن السعودية منعت التنقيب في الجوف، وتم الاتفاق مع حكومة الخيانة السابقة على أن يتوقف الاستكشاف جهة الشمال “أي في محافظة الجوف”، نظراً لدواعي سياسية واقتصادية، وعلى الحكومة اليمنية أن تتوجه بالاستكشاف والإنتاج إلى مأرب وشبوة وحضرموت.

البدايات الأولى للتنقيب عن النفط اليمني
تم اكتشاف النفط لأول مرة في اليمن بواسطة شركة Hunt Oil الأمريكية في حقل “ألف” في محافظة مأرب عام 1984م، وفي عام 1987م تم الإعلان عن اكتشاف النفط في محافظة شبوة من قبل شركة تكنواكسبورت السوفيتية.

ويؤكد المركز الوطني للمعلومات أن عدد الآبار النفطية المحفورة في اليمن وصلت حتى عام 2006م إلى حوالي 1824 بئراً نفطية منذ بداية الاستكشاف النفطي في اليمن، منها: 429 بئراً استكشافية، و1422 بئراً تطويرية، بالإضافة إلى أن عدد القطاعات النفطية والإنتاجية في اليمن كانت حوالي 56 قطاعاً، والآن وصل عددها إلى 87 قطاعاً.

وبحسب ما هو معلن عنه رسمياً، وبحسب الاتفاقيات مع الشركات العالمية، وبينها شركة توتال الفرنسية، فإن عدد القطاعات النفطية في اليمن تبلغ 87 قطاعاً في كل من مأرب وشبوة والجوف، وهي القطاعات المعتمدة لدى وزارة وشركة النفط.

وفي الأصل، فإن عدد القطاعات النفطية 151، ما يعني أن 67 قطاعاً كان يتم تصدير إنتاجها دون أن يدخل في سجلات الدولة، وبحسب تقارير دولية ومحلية فإنه كان يتم بيعها لصالح عفاش ومحسوبيته، ومن ثم كانت تورد عائداتها لصالح المرتزقة والعدوان السعودي، قبل أن تفرض القوات المسلحة قرار الحظر على النفط، إضافة إلى أن الشركات النفطية مثل هنت كانت تحتكر النفط وتحت تصرفاتها.

وبخصوص المخزون الاحتياطي من النفط اليمني، فإن اليمن يمتلك 34% من المخزون العالمي الإضافي، حيث كشفت الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أيه) أن اليمن يمتلك أكبر بئر (مخزون) نفطي في العالم، وأمريكا وعفاش تعمدا إخفاءه وعدم كشف السر الكبير وهو عن وجود أكبر بئر نفط في العالم تحت أرض اليمن، ويوازي هذا البئر آبار النفط في السعودية وجزء من العراق، وقد وضعت واشنطن ثقلها لإخفاء الخبر.

كما كشفت أن أكبر منبع نفط في العالم يصل إلى مخزون نفطي تحت الأرض هو في اليمن، ويمتد قسم منه إلى السعودية بجزء بسيط على عمق 1800 متر في محافظة الجوف، إلا أن المخزون الكبير هو تحت أرض اليمن، ويُعتبر الأول في العالم من حيث المخزون، وإذا كانت السعودية تمتلك 34% من مخزون النفط العالمي، فإن اكتشاف هذه الآبار من النفط في اليمن يجعل اليمن يمتلك 34% من المخزون العالمي الإضافي.

وبعد الاكتشاف الكبير للمخزون النفطي في الجوف، تؤكد مصادر سياسية أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب قام بأول زيارة لرئيس أمريكي إلى اليمن واستقبله عفاش؛ من أجل أن يفتتحا أول مشروع لإنتاج النفط في اليمن عام 1986م في محافظة مأرب.

مخطط قديم لحرمان اليمن من ثروته
يمتلك اليمن موارد اقتصادية تغنيه عن أن يكون خاضعاً لأي بلد آخر، أو حتى خاضعاً للإغراء السعودي، كما يقول السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي – يحفظه الله – في محاضراته الأخيرة في العشر من ذي الحجة، مؤكداً أن العدو السعودي “منع كذلك اليمن من استخراج حقول نفطية في محافظة مأرب وفي محافظة المهرة”.

واعتبر السيد القائد أن مخطط حرمان الشعوب من ثرواتها هو مخطط ممنهج “حتى يتسنى للآخرين إحكام السيطرة عليها، ثم النهب لها بالكامل، هذا ما يحصل، وحصل خلال فترة العدوان إلى اليوم، الحرمان لشعبنا اليمني مما هو موجود من ثروته النفطية وثروته الوطنية”.

ولفت إلى أن “السفير الأمريكي بنفسه كان يقول إن اليمن لا تزال بلداً بكراً في ثرواتها، وأمريكا تريد أن تستثمر، وتستخرج كل هذه الثروات وتستغلها”، مشيراً إلى أن “من الحقائق الثابتة المؤكدة أنه حتى على مستوى التدخل السعودي في العقود الماضية، كان واضحاً ومكشوفاً لمنع استخراج كميات كبيرة من النفط في محافظة الجوف، هذا حصل، السعودي منع استخراج

النفط في محافظة الجوف، مُنع من ذلك، لأن اليمن سيستفيد، وهو لا يريد أن يتحول الشعب اليمني إلى شعب يعيش بكرامة”.

وتجمع الدراسات الجيولوجية والمستندات الرسمية على أن حوض الربع الخالي يعتبر “جوهرة التاج” في احتياطيات اليمن من الذهب الأسود، وأفضل الأحواض الرسوبية على الإطلاق، حيث يمتد هذا الحوض جغرافياً من شمال محافظة حضرموت إلى شمال محافظة الجوف، ويشترك في نفس الخصائص الجيولوجية والتركيبية المنتجة للنفط والغاز بكميات هائلة في سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية، وتحديداً “الأحواض الملحية” التي تتبع العصر الجيولوجي الباليوزوي.

ويشرح المهندس عادل الحزمي الأهمية الاستراتيجية لهذا الحوض، مؤكداً أن أي اكتشاف يتحقق فيه سينتج مخزوناً واحتياطيات ضخمة ومميزة للغاية، نظراً للمواصفات الاستثنائية والسماكات الصخرية الكبيرة في باطن الأرض اليمنية، وهو ما أكدته أجهزة قياس الزلازل، وأعمال الحفر الهيكلي، وصور الأقمار الصناعية للصدوع الجيولوجية، غير أن هذا الحوض واجه جداراً سعودياً مانعاً.

السعودية تعارض عمليات التنقيب بموافقة الخائن صالح
وبالعودة إلى عمليات التنقيب عن النفط اليمني منذ البداية التي لاقت معارضة سعودية وموافقة عفاشية، تشير بعض الدراسات إلى أن السعودية كانت وما زالت تقف وراء عدم الاستكشاف والتنقيب عن الثروة النفطية في بعض المحافظات اليمنية منها الجوف ومأرب، مبينة أن نظام العدوان السعودي أجبر عفاش وحكومته سابقاً على عدم الإنتاج من مناطق أكدت عمليات استكشاف أنها تحتوي على نفط، كما في محافظة الجوف، مما أدى إلى توقف عمليات التنقيب فجأة من خلال شركة “هنت” الأمريكية بمحافظة الجوف في الثمانينيات.

وتشير المصادر الدبلوماسية إلى أن العدو السعودي يقف وراء منع التنقيب، ليس فقط في محافظة الجوف، بل حتى في الحديدة، بالإضافة إلى أنه كان يعرقل أية محاولة اتفاق مع شركات أجنبية أخرى.

ويكشف الخبير الاقتصادي رشيد الحداد عن طبيعة الثروة النفطية والغازية في اليمن ومسار نهبها منذ عقود، مؤكداً أن الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية، بالتواطؤ مع الحكومات اليمنية المتعاقبة، شكلت شبكة معقدة لحرمان الشعب اليمني من موارده الطبيعية، وتحويل البلاد إلى ساحة للفقر والارتهان رغم امتلاكها مقومات تجعلها في مصاف الدول الغنية.

ويستعرض الحداد المراحل الأولى لاستخراج النفط في اليمن، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة سمحت للنظام السابق بالدخول في عمليات التنقيب والإنتاج خلال ثمانينيات القرن الماضي، وبالتحديد في فترة الحرب العراقية–الإيرانية، حين أرادت واشنطن تحويل المنطقة إلى سوق طاقة بديلة، مؤكداً أن الشركات الأمريكية لا تزال حتى اليوم تتحكم في قطاعات نفطية كبرى، بينها قطاعات يتجاوز احتياطيها 600 مليون برميل، مثل القطاع 5 وغيره.

ويبين أن السيطرة الأمريكية لم تقتصر على الإنتاج، بل شملت عملية التصدير نفسها، إذ لم يكن يُسمح حتى للكوادر اليمنية العليا بالإشراف على الشحنات أو عمليات الاعتماد، ما جعل اليمنيين مجرد متفرجين على نهب ثروتهم الوطنية، منوهاً إلى أن ما يسمى بـ”نفط الكلفة” كان الأداة الأبرز التي منحت الشركات الأجنبية النصيب الأكبر من العائدات، إذ جرى تضخيم التكاليف التشغيلية والإنتاجية بشكل مبالغ فيه، ليصبح نصيب اليمن هامشياً لا يوازي حجم موارده.

وبين أن الشركات الأجنبية، وفي مقدمتها الأمريكية، اشترطت ألا يقل ربحها عن 70% من العائدات، فيما تُركت فتات النسبة المتبقية للحكومات اليمنية، وهو ما رسخ نموذجاً للنهب الممنهج، مبيناً أن عائدات النفط والغاز لم تُترجم إلى مشاريع تنموية ملموسة، فقد جرى استبدالها بقروض خارجية أثقلت كاهل البلاد، مشيراً إلى أن حجم القروض وصل إلى نحو 6.7 مليار دولار بحلول عام 2015، وأن هذه القروض خُصصت لتمويل مشاريع يفترض أن تكون قائمة من عائدات الثروة الوطنية، لكن الواقع أثبت أنها كانت مشاريع متعثرة أو وهمية.

السعودية تدمر قطاع النفط والمعادن
أقدم تحالف العدوان الأمريكي السعودي خلال أكثر من عقد على تدمير كل مقومات الحياة في اليمن، وفي المقدمة قطاع النفط والمعادن، وبلغت الخسارة خلال 11 عاماً ما يقارب 57 مليار دولار، بحسب بيان لوزارة النفط والمعادن، والتي أكدت أن الحصار الخانق على اليمن براً وبحراً وجواً أدى إلى منع وصول المشتقات النفطية إلى المواطنين، وعانى المواطنون الأمرّين وهم يقفون لأيام في طوابير طويلة أمام محطات التعبئة للحصول على الوقود، وأدى هذا إلى تراجع الحركة التجارية بنسبة 70%، وارتفاع البطالة، وتسريح العمال من مختلف القطاعات الصناعية.

وتسبب العدوان الغاشم في تدمير ما يلي:

930 محطة وقود.

163 ألف أسطوانة غاز.

فقدان عائدات 90 مليون برميل من النفط سنوياً.

توقف 13 قطاعاً إنتاجياً و32 قطاعاً استكشافياً.

توقف أكثر من 795 منشأة من منشآت الاتصالات.

تعطل الملاحة في 15 مطاراً، وتوقف 25 شركة طيران أجنبية.

فقدان 5 آلاف عامل وظائفهم في مطار صنعاء والشركات اليمنية.

وخلال السنوات العشر الماضية، كانت حكومة المرتزقة ترفض أي مساعي دولية وإقليمية لوقف النهب المنظم لهذه الثروة السيادية التي تغطي رواتب موظفي الدولة وفاتورة احتياجات اليمن من الغذاء والدواء والوقود.

وتحجج مرتزقة العدوان عن أية مساعٍ هادفة إلى ضبط إيرادات مبيعات النفط الخام اليمني وتحويله إلى حساب خاص برواتب الموظفين، كما تعمدوا كذلك إفشال أية مساعٍ إقليمية ودولية في هذا الجانب، رافضين تنفيذ الشق الاقتصادي من اتفاق ستوكهولم الذي يلزم المرتزقة على تغطية العجز في حساب رواتب الموظفين من عائدات النفط الخام.

ولجأ مرتزقة العدوان إلى بيع ملايين البراميل من النفط عن طريق سفن عملاقة تأتي بشكل شبه شهري إلى موانئ “الشحر” و”النشيمة” و”بير علي” وغيرها، وكانت السفن العملاقة تغادر ميناء الشحر بحضرموت، بعد أن تقوم بتحميل ما يزيد عن مليوني برميل، دون أن يستفيد منها الشعب، وهو ما أدى إلى قيام صنعاء باتخاذ قرار يمنع تهريب النفط اليمني، واستهداف أي سفينة تعمل على نهب هذه الثروة.

مرحلة جديدة لاستعادة الثروة المنهوبة
تبدأ الآن مرحلة جديدة من المواجهة مع العدو السعودي، فالعبث السعودي لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وحقوق اليمن من النفط والغاز يجب أن تعود إلى أصحابها الحقيقيين، مع التعويض الكامل لما خسره الشعب طيلة سنوات العدوان، وهو حق مشروع تكفله كل القوانين والمبادئ الإنسانية والدينية.

وإذا لم يستوعب العدو السعودي الدرس، فإن ذلك سيؤدي إلى خسائر كبيرة جداً في اقتصاده، وربما يخسر موانئ “ينبع” وغيرها من الموانئ المهمة والاستراتيجية التي يتم عبرها تصدير النفط السعودي إلى الأسواق الدولية، بحسب محللين وخبراء اقتصاديين.

ويرى الخبراء أن إيقاف صادرات النفط السعودي سيتسبب بخسائر كبيرة للسعودية، وبارتفاع أسعار النفط على مستوى العالم، خاصة وأن السعودية إحدى الدول المصدرة للنفط الخام للعالم، وهو ما سيشكل قلقاً للعالم الذي يعاني من إغلاق مضيق هرمز، فماذا لو حدث إغلاق مضيق باب المندب، وتم استهداف المنشآت النفطية السعودية وإعاقة تصديرها؟

ويؤكد الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي أن المشاريع الحيوية التي أطلقتها رؤية 2030 لابن سلمان، والمتمثلة في مشاريع تصل تكلفتها إلى مئات المليارات من الدولارات، وبالذات مشروع “نيوم” الذي يصل إلى حوالي ترليون وخمسمئة مليون دولار، فإن كل هذه المشاريع ستتأثر في حال واصل السعودي عناده ورفض رفع الحصار عن اليمن، مشيراً إلى أن معادلة الردع الاقتصادي: (البنوك بالبنوك، والموانئ بالموانئ، والمطارات بالمطارات) تعتبر نهاية الاقتصاد السعودي المتمثل في (سوق مالية حجمها 2.7 ترليون دولار، واقتصاد يعتمد في هيكلته على 90% من النفط والبتروكيماويات، وموانئ نفطية تصدر 6 ملايين برميل يومياً، ومخزون نفطي يقارب 400 مليون برميل، وحركة مطارات تبلغ 112 مليون مسافر سنوياً، وشحن جوي يبلغ 918 ألف طن من البضائع سنوياً، وحركة حاويات تصل إلى 12 مليون حاوية سنوياً).