اليمن يكسر قيود الحصار.. حرب التحرير تبدأ من مدرج مطار صنعاء

6

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
13 يوليو 2026مـ – 28 محرم 1448هـ

في مشهدٍ يختزل ملحمة الصمود اليمني، ويعبّر عن إرادةٍ لا تلين، وصلت الطائرة الإيرانية الإنسانية المحملة بالمرضى والجرحى والوفد الوطني المشارك في تشييع الشهيد السيد علي الخامنئي إلى أرض الوطن، لتكتب فصلاً جديداً من فصول كسر الحصار، ولتؤكد أن الشعب اليمني الذي صبر أحد عشر عاماً تحت وطأة العدوان والحصار والجوع والمرض، قد نفد صبره وهو متجه لكسر الحصار وانتزاع حقوقه.

طائرة تتحدى الموت وشعب يرفض الوصاية
بكل إصرار وتفانٍ، وبكل عنفوان وتحدٍّ، أقلعت الطائرة الإيرانية من طهران متجهةً إلى صنعاء، تقلّ على متنها عشرات المرضى والجرحى والعالقين وكذلك وفداً يمنياً رسمياً وشعبياً، عاد لتوّه من مراسم تشييع مهيبة لقائد ترك بصماته في موازين القوة الإقليمية. لم يكن الوفد يجهل التهديدات السعودية، ولم تكن القيادة اليمنية غافلةً عن احتمالات أن يقدم النظام السعودي على حماقةٍ جديدة، فالرياض كانت قد أعلنتها صراحةً لا طائرة تدخل صنعاء أو تخرج منها إلا بإذن سعودي، ولكنّ مثل هذا القول لا يوجه إلى شعب اليمن الذي قهر الطغاة والمستكبرين قديما وحديثا، وها هو يقول للمستكبر السعودي: كفى.

حلّقت الطائرة الإيرانية عابرةً الأجواء، ودخلت المجال الجوي اليمني وسط ترقّبٍ وحذر. كان الوفد يدرك أنه محميّ بإرادة شعبٍ وقيادةٍ قادرةٍ على تأديب كل من تسوّل له نفسه المساس بشعرةٍ من رؤوس أبناء اليمن. كانت صنعاء قد أعلنتها صريحة بالمضي لكسر الحصار، فالسعودية ليس من حقها أن تتحكم في مصير أربعين مليون يمني. لقد نفد صبر شعبٍ صبر فوق الطاقة، وها هو اليوم يتحرك بكل أطيافه لانتزاع حقوقه كاملةً غير منقوصة.

غطرسة سعودية واستهداف جبان لمطار صنعاء
غير أن النظام السعودي -الذي اعتاد التصرف بمنطق القوة والوصاية- أقدم على حماقةٍ ستكون سبباً في تكبيده خسائر كبرى لا يقوى على تحملها، ففي الوقت الذي كان فيه الوفد اليمني في طريقه إلى صنعاء، حاول سرب من الطيران السعودي اعتراض الطائرة الإيرانية ومنعها من الهبوط، قبل أن يشنّ عدواناً سافراً على مطار صنعاء الدولي، مستهدفاً مدرجي الإقلاع والهبوط بعددٍ من الغارات الجوية، في محاولةٍ يائسة لعرقلة كسر الحصار وإجبار الطائرة على التراجع مع تعريض حياة (200) مواطن يمني للخطر، لكن إرادة الله ويقظة الطواقم وغضب الشعب اليمني كانت أقوى من صواريخ المعتدي؛ إذ تمكّنت الطائرة من تغيير مسارها بسلام لتهبط في مطار الحديدة، وتعلن للعالم أن اليمن لن يركع.

هذا الاستهداف كان بمثابة إعلان حربٍ من النظام السعودي على كل الشعب اليمني، لقد أرادت الرياض أن توجّه رسالةً بأنها ما زالت تمسك بمفاتيح الحصار، وأن لا طائرة تصل إلى صنعاء دون إذنها، لكن الرد اليمني جاء سريعاً وحاسماً، ليقول إن زمن الإذعان قد ولّى إلى غير رجعة.

القوات المسلحة: انتهاء التهدئة، والرد شامل
لم تنتظر القوات المسلحة اليمنية كثيراً، فمنذ اللحظة الأولى أصدر المتحدث الرسمي العميد يحيى سريع تحذيراً شديد اللهجة بعد استهداف الطيران السعودي لمطار صنعاء، قائلاً: ” في عدوان ظالم وسافر أقدم العدو السعودي المجرم على استهداف مطار صنعاء الدولي بعدد من الغارات الجوية منهياً بذلك مرحلة خفض التصعيد وعليه تحمل عواقب عدوانه. نؤكد أن هذا العدوان لن يمر دون رد وعقاب”.

وكرد أولي نفذت القوات المسلحة عملية عسكرية استهدفت مطار أبها الدولي بالعديد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، كما حذرت شركات جميع شركات الطيران من العبور في أجواءِ المملكةِ السعوديةِ وعليها أخذ التحذيرات على محملِ الجدِّ حتى رفع الحصارِ عنْ مطارِ صنعاءَ الدوليِّ.

بدورها أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين بياناً نارياً حمّلت فيه النظام السعودي المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد، وجاء في البيان: “في خطوة غير مسبوقة، أقدم النظام السعودي المجرم على ضرب مطار صنعاء الدولي، وبذلك يكون قد أنهى مرحلة خفض التصعيد ووقف إطلاق النار، وأعلن بداية الحرب، وعليه أن يتحمل المسؤولية الكاملة عن ذلك وعن أي تبعات لهذه الخطوة الإجرامية”.

وأوضحت الخارجية أن النظام السعودي عمل طوال سنوات التهدئة المعلنة على تضييق الخناق وتشديد الحصار والحرب الاقتصادية الشاملة، في محاولة لإخضاع اليمنيين وتركيعهم خدمةً للصهاينة. وأكد أن اليمن يبدأ بهذه الخطوة “مرحلة جديدة بالاستعانة بالله لانتزاع حقوقنا كاملةً غير منقوصة، وسيكتشف النظام السعودي أنه أوقع نفسه في مأزق استراتيجي كبير، وسيدفع أثماناً باهظة نتيجةً لذلك”. كما أشادت بموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي كسرت الحصار ونقلت المرضى والعالقين والوفد، داعيةً المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى إدانة العدوان وإلزام الرياض بإنهاء حصارها الجائر.

سياسي أنصار الله: منطق الوصاية إلى زوال
من جانبه، أكد المكتب السياسي لأنصار الله أن للشعب اليمني كامل الحق في الرد على هذا العدوان الغاشم، وأن عصر الوصاية قد ولّى. مضيفا أن الاستهداف حماقة خطيرة تعكس مستوى الحقد والإجرام الذي يحمله النظام السعودي ومن خلفه الأمريكي تجاه الشعب اليمني. وأكد أن هذه الجريمة تأتي في سياق تنفيذ الرغبة الأمريكية بإبقاء حالة الحصار الهادفة إلى خنق اليمنيين وتجويعهم وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية، سعياً لتركيعهم وإعادة الوصاية عليهم. لكن الشعب اليمني -كما قال البيان- أفشل كل هذه المخططات بفضل الله وبصبره ووعيه وثباته.

وشدد المكتب السياسي على أن منطق الاستقواء والاستعلاء والتكبر الذي ينتهجه النظام السعودي لن يحقق أي نتيجة، ومصيره الهزيمة والفشل والخسران، ودعا الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه الحصار الخانق، والتعامل مع جميع حالات العدوان بمعيار واحد بعيداً عن الازدواجية والانتقائية.

البادئ أظلم والدفاع عن النفس حق مشروع
أما رئيس الوفد الوطني محمد عبدالسلام فقد كان بيانه حاسماً ومقتضباً، معبّراً عن روح المرحلة: “دون أي وجه حق، أقدم النظام السعودي على قصف مطار صنعاء الدولي في انتهاك فاضح للسيادة اليمنية وخرق كبير لهدنة 2022″. وأشار إلى أن هذا العدوان يكشف حقيقة نوايا النظام السعودي، وأنه نظام عدواني لا يؤمن بأي سلام مع الجوار اليمني، بل يريده جواراً تابعاً لا يملك قراراً ولا استقلالاً ولا سيادة”.

وأكد عبدالسلام أن الرياض طالما ماطلت في تنفيذ خارطة الطريق وفي إعادة تشغيل مطار صنعاء، رافضةً كل الحلول. وشدّد على أن العدوان الجديد لن يكون دون رد، إيماناً بأن الدفاع عن النفس والوطن والشعب واجب ديني ووطني وأخلاقي وإنساني، وحق مشروع تقره الشريعة والقوانين الدولية. والبادئ أظلم.

معادلات جديدة.. عندما يمتلك المظلوم سلاح الردع
لقد تغيرت المعادلات كلياً عما كانت عليه في مارس 2015، حين بدأ العدوان السعودي الأمريكي على اليمن، وراهن المعتدي على حسم المعركة خلال أسابيع. حينها، لم يكن الشعب اليمني يمتلك سوى أسلحة تقليدية، لكنه امتلك الإيمان الذي به صمد أحد عشر عاماً وأفشل كل أهداف العدوان، وأما اليوم، فإن القوات المسلحة اليمنية تتسلح بالإيمان وباتت تمتلك ترسانةً متطورةً تشمل الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة القادرة على قطع مسافات تتجاوز الألفي كيلومتر، والتي أثبتت فاعليتها في اختراق أعتى منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية خلال معركة إسناد غزة، فكيف ستعترضها الدفاعات السعودية الأضعف؟

لقد جرّب الأمريكي المواجهة مع اليمن وخسر، واضطر للخروج من المعركة تاركاً حليفه الإسرائيلي وحيداً تحت النيران، وإذا كانت واشنطن لم تستطع حماية “إسرائيل” –جبهتها المتقدمة– فكيف ستدافع عن السعودية، خصوصاً والمنطقة تشتعل، والقواعد الأمريكية في الخليج تتعرض لضربات منكّلة في سياق التصعيد مع إيران؟ لقد وضع النظام السعودي نفسه في مأزق استراتيجي خانق، حيث باتت كل منشآته الحيوية، من مطارات وموانئ، وصولاً إلى آبار النفط ومصافيه ومشاريع “رؤية 2030” ومدينة “نيوم” الوهمية، في مرمى النيران اليمنية. والأهم، أن أي سفينة نفطية سعودية لن تمر في البحر بعد اليوم بسلام، إذ أعلنت القوات المسلحة أن الاستهداف سيكون مباشراً وشاملاً في البر والبحر.

لا تراجع عن الحق، والنصرُ آتٍ
إن ما حدث اليوم ليس مجرد عودة وفد، ولا مجرد طائرة نجت من قصفٍ غادر، إنه إعلان ميلاد مرحلة جديدة من الصراع، اختار فيها الشعب اليمني أن ينتقل من موقع الصمود والدفاع إلى موقع المبادرة وكسر القيود. حصار أحد عشر عاماً كان كافياً ليُفجّر بركان الغضب، وليوحّد كل اليمنيين خلف هدفٍ واحد: انتزاع الحقوق، وكسر الحصار، وإنهاء العدوان، ودحر الاحتلال من كل شبرٍ من أرض الوطن.

السعودية -التي راهنت على إخضاع اليمن، وصرّحت بأن تسيير رحلة جوية لمطار صنعاء يحتاج إذنها- تكتشف اليوم أنها تواجه شعباً مختلفاً، يمتلك إرادةً لا تقهر، وسلاحاً يزلزل العروش. لقد أنهكت الرياض نفسها بحربٍ عبثية، وها هي اليوم تدفع ثمن غطرستها، والأيام القادمة ستشهد فصولاً من الردع لم تخطر لها ببال.

إن اليمن، الذي وقف الله معه لأنه مظلوم مورس بحقه أشد أنواع الظلم والجبروت، فقُتل أبناؤه ودُمرت أرضه ونُهبت ثرواته وحوصر لعقدٍ من الزمن، لن يسكت بعد اليوم، ستكون يده هي العليا، وصوته هو المسموع، وإرادته هي المنتصرة. وتلك قصة يكتبها اليمنيون اليوم بالدم والنار والعنفوان. فلتسمع الرياض، وليرتجف كل ظالم، فشعب الإيمان والحكمة قد هبّ بأكمله، وأعلنها حرباً مقدسة حتى النصر أو الشهادة.