المفاوضات النووية بين الضغط الأمريكي والصمود الإيراني
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
23 فبراير 2026مـ – 6 رمضان 1447هـ
تقرير || أنس القاضي
تجري المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية في مناخ يتسم بتصعيد عسكري غير مسبوق منذ سنوات، دفعت واشنطن بحاملات طائرات ومجموعات بحرية إلى الخليج وشرق المتوسط، وعززت وجودها الجوي في القواعد الإقليمية، وأعلنت -بلغة عدوانية- أن أمام طهران مهلة زمنية قصيرة للتوصل إلى اتفاق، وهذا الحشد له هدف سياسي مباشر، وهو فرض معادلة تفاوضية لصالح الولايات المتحدة على حساب إيران، أي المفاوضات تحت التهديد بالعدوان.
ومع ذلك لم تنسحب إيران من طاولة التفاوض، بل واصلت اللقاءات غير المباشرة برعاية سلطنة عُمان في جنيف، وأعلنت استعدادها لتقديم مسودة اتفاق مكتوبة خلال أيام، ويشير هذا الأمر إلى أن طهران تعمل على الفصل بين مسار التفاوض الدبلوماسي ومسار التصعيد العسكري، وأنها تتعامل مع الضغوط بوصفها جزءاً من معركة سياسية طويلة النفس، لا سبباً لقطع القنوات الدبلوماسية، فهي تستمر في المفاوضات والصمود الدبلوماسي، وفي نفس الوقت تعد عسكرياً، آخذة بعين الاعتبار احتمال العدوان الأمريكي الصهيوني، وتستعد للرد على العدوان.
الضغوط الأمريكية
تطالب الولايات المتحدة بوقف التخصيب داخل إيران أو تقليصه إلى مستوى منخفض جداً لا يتيح مساراً نحو إنتاج سلاح نووي، مع نقل المخزون المخصب إلى خارج البلاد، كما تسعى إلى إدراج برنامج الصواريخ الإيراني ضمن الاتفاق، إضافة إلى دور طهران الإقليمي وعلاقاتها مع القوى الحليفة في المنطقة.
بهذا المعنى، لا يقتصر المطلب الأمريكي على منع امتلاك سلاح نووي، بل يمتد إلى إعادة صياغة موقع إيران في موازين القوى الإقليمية، فالصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء الإقليميين تُعد جزءاً من معادلة الردع الإيرانية، وبالتالي فإن إدراجها في التفاوض يعني -عملياً- تقليص عناصر القوة، من هنا ترى إيران أن الشروط المطروحة لا تتعلق -فقط- بالبرنامج النووي، بل تمس جوهر سيادتها وقدرتها الدفاعية.
الموقف الإيراني
تؤكد إيران أن برنامجها النووي سلمي، وأنها تمارس حقاً مكفولاً في تخصيب اليورانيوم ضمن الأطر القانونية الدولية، وأبدت استعداداً لقبول رقابة موسعة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتقديم ضمانات فنية تؤكد عدم توجهها نحو إنتاج سلاح نووي. في المقابل، ترفض تصفير التخصيب أو إدراج برنامجها الصاروخي في المفاوضات، معتبرة أن ذلك شأن دفاعي داخلي لا يخضع للمساومة.
عسكرياً، رفعت طهران مستوى الجهوزية، وأعلنت أنها ستستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة إذا تعرضت لهجوم، ولوّحت بإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، كما أجرت مناورات بحرية مشتركة مع روسيا في مضيق هرمز وبحر عُمان، في رسالة واضحة بأن لديها خيارات ردع، وتهدف هذه المواقف إلى تثبيت معادلة تقول إن أي اعتداء سيواجه برد مؤلم، وأن كلفة الحرب لن تكون من طرف واحد.
احتمالات العدوان العسكري
تشير التقديرات إلى أن أي ضربة أمريكية محتملة ستبدأ باستهداف الدفاعات الجوية والمنشآت النووية وبعض مواقع الحرس الثوري، مع التركيز على العمليات الجوية والبحرية من دون تدخل بري واسع، غير أن التجارب السابقة في العراق وليبيا تُظهر أن الضربات الجوية لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير سياسي حاسم، بل قد تفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.
كما أن استهداف قيادات عليا أو منشآت حساسة قد يدفع إلى رد إيراني مباشر أو غير مباشر، سواء عبر استهداف قواعد أمريكية أو عبر حلفاء طهران في المنطقة، وهذا يعني أن الضربة المحدودة قد تتحول سريعاً إلى مواجهة متعددة الجبهات، لذلك تعبر دول أوروبية وخليجية عن قلقها من أن يكون بدء الحرب أسهل بكثير من ضبط نتائجها، وأن أي خطأ في الحسابات قد يقود إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
الحسابات الإقليمية
تتهيأ “إسرائيل” لاحتمال عمل عسكري مشترك مع واشنطن، وتعتقد أن الجمود الحالي قد لا يُكسر إلا بضغط عسكري مباشر، وفي المقابل تخشى دول الخليج من أن تؤدي الحرب إلى اضطراب أسواق الطاقة وتعطّل الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، بما ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي.
تؤكد روسيا دعمها لحق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية، لكنها تحرص على تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، أما سلطنة عُمان وقطر فتواصلان جهود الوساطة وتدفعان نحو استمرار المسار التفاوضي وخفض التوتر، يعكس هذا التوازن أن أي صدام لن يبقى محصوراً بين واشنطن وطهران، بل سيؤثر في أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي.
السيناريوهات والخلاصة الاستراتيجية
يفتح المشهد الحالي ثلاث مسارات رئيسة، ويتوقف ترجيح أحدها على طبيعة القرار السياسي في واشنطن، ومدى صلابة الموقف الإيراني، وقدرة الوسطاء على إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة ومنع الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.
المسار الأول يتمثل في تفاهم مرحلي قابل للحياة، قد يتجه الطرفان فيه إلى صيغة مؤقتة تسمح لإيران بمستوى تخصيب محدود وتحت رقابة فنية مشددة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل تخفيف تدريجي ومدروس للعقوبات، هذا السيناريو يحفظ لإيران حقها المبدئي في التخصيب بوصفه حقاً سيادياً، ويمنح الولايات المتحدة ضمانات عملية تحول دون أي استخدام عسكري للبرنامج النووي، غير أن هذا الحل -حتى لو تحقق- سيبقى مرحلياً يؤجل الصدام ولا يحسم الخلافات الأوسع المتعلقة بالصواريخ والحضور الإقليمي.
المسار الثاني هو عدوان عسكري محدودة بهدف الضغط، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربة مركزة تستهدف منشآت نووية أو دفاعات جوية، بهدف رفع كلفة الرفض الإيراني وإجبار طهران على العودة إلى التفاوض بشروط أشد، غير أن هذا الخيار يحمل مخاطرة واضحة، لأن الرد الإيراني قد لا يبقى محصوراً في الداخل، بل قد يمتد إلى القواعد الأمريكية في المنطقة، أو إلى مسارات الملاحة الحيوية، خصوصاً في الخليج، عندها قد يتحول الضغط المحدود إلى اشتباك أوسع يتجاوز الحسابات الأصلية.
المسار الثالث يتمثل في مواجهة إقليمية واسعة، فإذا تجاوزت الضربة إطارها المحدود، أو استهدفت قيادات عليا أو بنى استراتيجية حساسة، فقد تتجه الأمور نحو ردود متبادلة تتسع جغرافياً، في هذه الحالة لن يبقى الصراع ثنائياً بين واشنطن وطهران، بل قد يشمل ساحات متعددة في الخليج، وربما جبهات أخرى، هذا السيناريو هو الأكثر خطورة، لأنه يضع المنطقة أمام حرب مفتوحة يصعب ضبط إيقاعها أو التنبؤ بمآلاتها الاقتصادية والسياسية.
في ضوء هذه المسارات، يبدو أن هامش المناورة ما زال قائماً، لكن استمرار التصعيد السياسي والعسكري يقلّص مساحة الخطأ المسموح به، وكلما ارتفع مستوى التهديد المتبادل زادت احتمالات أن يتحول الضغط التكتيكي إلى صدام استراتيجي تتجاوز آثاره حدود الطرفين.
الخلاصة
تحاول الولايات المتحدة فرض اتفاق يعيد رسم موازين القوة في المنطقة ويحد من عناصر القوة الإيرانية، بينما تتمسك إيران بحقوقها السيادية وتسعى إلى إدارة الضغوط من دون تقديم تنازلات تمس جوهر قدراتها الدفاعية.
المؤشرات الراهنة توحي بأن طهران تراهن على الصمود الدبلوماسي ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية، في حين تستخدم واشنطن الحشد العسكري كورقة ضغط لتحسين شروطها التفاوضية، لذلك يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو تفاهم مؤقت يحفظ ماء الوجه للطرفين ويؤجل الصدام، لكن بقاء الخيار العسكري مطروحاً واستمرار لغة التهديد يجعلان المسار الثاني أو الثالث احتمالاً قائماً إذا فشلت الوساطات أو أخطأ أحد الطرفين في تقدير حدود القوة والردع.
