حاملة الطائرات الأمريكية.. من أداة حسم شبه مطلقة إلى منصة عالية المخاطر

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
23 فبراير 2026مـ – 6 رمضان 1447هـ

منذ دخول يو إس إس لانغلي الخدمة عام 1922م كأول حاملة طائرات في تاريخ البحرية الأمريكية، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول “المدرج العائم” إلى الأداة التي تطيح بالبارجة التقليدية وتفرض نفسها سيدةً للبحار.

ذلك التحول لم يتكرّس إلا مع الحرب العالمية الثانية، ولا سيما بعد معركة ميدواي عام 1942م، حين ثبت عملياً أن حاملة الطائرات أصبحت سلاح الحسم الحقيقي في الحروب البحرية.

ومع الانتقال من فئة إس6 عام 1943م، إلى أول حاملة نووية يو إس إس إنتر برايز CVN-65 التي دخلت الخدمة عام 1961م، ثم فئة نيميتز ابتداءً من عام 1975م، ترسخ مفهوم الدولة المنقولة، أي مطار عائم قادر على فرض الإرادة العسكرية والسياسية من دون الحاجة إلى قواعد برية ثابتة.

وخلال الحرب الباردة، وفي حروب كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان، عملت حاملات الطائرات الأمريكية في بيئة كان فيها الوصول إليها محدوداً بطيران مماثل أو غواصات تقليدية، ما جعل التفوق الجوي كافياً لتأمينها، وأبقى التهديد المباشر لها نادراً، وحتى الجيل الأحدث، فئة جيرالد آر فورد التي دخلت الخدمة عام 2017م، بقي امتداداً لمفهوم صُمّم في سبعينيات القرن الماضي، وإن بتقنيات أكثر تطوراً.

غير أن التحول الجذري، بحسب القراءة العسكرية، لم يكن في شكل الحاملة أو بنيتها، بل في وسائل الوصول إليها، فاليوم، ظهرت صواريخ مضادة للسفن بعيدة المدى، وصواريخ فرط صوتية تقلّص زمن الإنذار، إلى جانب مسيّرات إشباعية منخفضة الكلفة، ولم يعد الوصول إلى الحاملة يتطلب أسطولاً موازياً، بل يكفي نظام استهداف دقيق وصواريخ فعّالة، وهو ما جاءت تطورات البحر الأحمر لتختبره عملياً.

في هذا السياق، شاركت حاملة الطائرات يو إس إس دوايت دي أيزنهاور CVN-69 إلى جانب الحاملة يو إس إس هاري إس ترومان في عمليات بحرية ضد اليمن خلال عامي 2023 و2024، لكن التجربة أثبتت فشلها مع اليمن الذي استخدم أسلحة المسيرات والصواريخ الباليستية والمجنحة ضد الحاملات التي ولت هاربة ومهزومة.

وإذا كانت البحرية الأمريكية قد تلقت هزيمة قاسية في البحر الأحمر، فكيف يمكن التعويل على الحشد ذاته، أو حتى أقل منه، لحسم حرب مع دولة بحجم إيران خصوصاً أن الجمهورية الإسلامية تمتلك عمقاً جغرافياً أكبر، ومخزوناً صاروخياً أوسع، وقدرة على تهديد السفن والمنشآت الإقليمية.

وفي بيئة كهذه، تصبح أي إصابة قاصمة لحاملة طائرات، وهي منصة تضم آلاف الأفراد، حدثاً استراتيجياً لا تكتيكياً، قادراً على إعادة تعريف مسار الحرب برمته، فالمقارنة التاريخية تكشف أن الحاملة كانت عام 1942م أداة حسم شبه مطلقة، بينما باتت في عام 2025م منصة عالية القيمة وعالية المخاطر، ففي الماضي كان الوصول إليها شديد الصعوبة، أما اليوم فقد بات أسهل بفعل التطور التكنولوجي، ولم يعد التفوق الجوي وحده كافياً لمنع الإشباع الصاروخي بالكامل.

ولا يعني هذا أن حاملات الطائرات فقدت دورها العسكري، لكنها فقدت حصانتها المطلقة، وبناءً عليه، يبدو الرهان على الحشد البحري الأمريكي الحالي كأداة حسم سريع موضع تساؤل جدي، فوجود الحاملات قد يكون أقرب إلى رسالة ردع وضغط تفاوضي منه إلى استعداد فعلي لحرب شاملة، في عصر قد تعيد فيه ضربة دقيقة واحدة رسم قواعد الحرب بأكمله.

ومن معركة ميدواي إلى البحر الأحمر، تغيّرت قواعد اللعبة البحرية، والسؤال المطروح اليوم لم يعد: كم حاملة طائرات يمكن حشدها؟ بل: هل تستطيع أي قوة كبرى تحمّل ما بعد الضربة الأولى في زمن الصواريخ الدقيقة والحروب عالية الكلفة؟