سنن الخلاص في قصة نبي الله موسى: الإرادة الإلهية في مواجهة طغيان العصر
23 فبراير 2026مـ – 6 رمضان 1447هـ
تتخذ المحاضرة الرمضانية الرابعة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي منطلقاً مركزياً من قصة نبي الله موسى عليه السلام في سورة القصص، لتؤصل حقيقة إيمانية كبرى هي نفاذ الإرادة الإلهية وقدرتها الفائقة على صناعة المتغيرات الجذرية في واقع البشر، خصوصاً فيما يتعلق بإنقاذ المستضعفين من براثن الطغاة والمستكبرين، فالمحاضرة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي غوص عميق في استنباط السنن الإلهية الثابتة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتقدم للمستضعفين في كل عصر ومكان خريطة طريق واضحة المعالم، تستمد نورها من هدي الله وتعاليمه، وتكشف كيف يتحقق الخلاص، وكيف تتهاوى أعتى جبابرة الأرض أمام إرادة خالقها، إنها وقفة تأمل وبصيرة في معادلة الصراع الأبدي بين قوة الإيمان وضعف الطغيان المادي، وبين تدبير البشر القاصر وتدبير الله المحيط.
الإرادة الإلهية وسياسات الطغاة: صراع التدابير وحتمية الفشل
تضع المحاضرة في جوهرها آية محورية من سورة القصص: **{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}**، لتؤكد أن إرادة الله في نصرة المقهورين هي سنة ماضية وحقيقة قائمة، وليست مجرد أمنية أو حدثاً تاريخياً انتهى. هذه الإرادة الإلهية تتحرك في اتجاه معاكس تماماً لمساعي الطغاة، الذين يسعون بكل جهدهم وجبروتهم لتثبيت دعائم ظلمهم واستعبادهم للشعوب.
وتحلل المحاضرة نفسية الطاغية وسياساته، مستعرضة نموذج فرعون ووزيره هامان، فالطغاة، يعيشون في حالة قلق دائم ومخاوف مستقبلية، تدفعهم إلى بناء استراتيجياتهم على أساس “المحاذير”، فهم يستندون في حساباتهم إلى مصادر متعددة، كأقوال الكهنة والمنجمين، إلى أدوات حديثة كتقديرات المراكز الاستخباراتية ومراكز الأبحاث والدراسات، لكن القاسم المشترك بين كل هذه السياسات هو أنها تُتَرجم إلى إجراءات احترازية قائمة على البطش والظلم والإجرام، تهدف إلى وأد أي حركة تحررية في مهدها، وتصل بالاستضعاف إلى درجة يستحيل معها على الضعفاء حتى مجرد التفكير في النهوض، وكان ذبح أطفال بني إسرائيل الذكور هو القمة في وحشية هذه السياسة الفرعونية.
في مقابل هذا التدبير البشري الظالم، تبرز قدرة التدبير الإلهي الذي يسخر كل هذه الإجراءات لصالح خطته الكبرى، فالتدبير الإلهي لا يأتي من فراغ، بل يتسلل من حيث لا يحتسب الطغاة، ليخترق أعتى الحصون الأمنية وأقسى الإجراءات الاحترازية، وهنا يبرز الدرس الأهم للمستضعفين في مواجهة طغيان العصر المتمثل في المشروع الصهيوني الأمريكي وأدواته أن اليأس والقنوط من روح الله هو أخطر ما يمكن أن يقعوا فيه، فاليأس يدفع إما إلى الاستسلام والولاء للظالم، أو إلى التخلي عن المسؤولية وانتظار الفرج دون عمل، بينما يريد الله من عباده أن يثقوا بأن تراكم الظلم والإجرام ليس دليلاً على قوة الطغاة، بل هو من الأسباب التي تعجل بزوالهم وتقرب لحظة الخلاص، إذا ما اقترن ذلك بتوجه صادق نحو الله واستعداد عملي للتضحية والفداء.
آلية التنفيذ الإلهي: القيادة الربانية ودور المرأة الرسالي
تنتقل المحاضرة من الحديث عن الإرادة إلى الحديث عن آلية تنفيذها على أرض الواقع، فتؤسس لسنة إلهية بالغة الأهمية أن الفرج لا ينزل من السماء كالمطر، بل يأتي على أيدي رجال اصطفاهم الله يصنعهم الله ويعدهم إعداداً خاصاً لهذه المهمة العظيمة، تجسد هذه السنة الإلهية في قصة نبي الله موسى عليه السلام، الذي اصطفاه الله وخلقه وهيأه لمهمة الفرج والخلاص، كما قال تعالى: **{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}**. هذا الاصطفاء يؤكد أن التغيير الكبير يحتاج إلى قادة ربانيين، يتحركون وفق هدى الله، ويتمتعون بمؤهلات إيمانية وأخلاقية ونفسية عالية، تمكنهم من مقارعة طغيان الجبابرة وتحمل أعباء الأمة، إن التفاعل مع هؤلاء القادة والالتفاف حولهم هو جزء لا يتجزأ من مسيرة الخلاص ذاتها.
في هذا السياق يلفت السيد القائد إلى الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية من استضعاف أمام طغيان فرعون العصر المتمثل في الكيان الصهيوني والطغيان الأمريكي، لكن مهما امتلكوا من قوة وعتاد فإنهم ليس بمقدورهم الحيلولة دون تحقيق وعد الله في خلاص المستضعفين الذين يتحركون عمليا لرفع الظلم عنهم، كما أن الله لا يمكن أن يهمل هذه الأمة ويتركها دون رجل رباني يصطفيه ويؤهله لهذه المهمة فهذه سنة من سنن الله.
وفي سياق آخر ، تقدم المحاضرة تكريماً رفيعاً ومتميزاً للمرأة المسلمة، متجسداً في شخصية أم موسى عليها السلام، فالوحي الإلهي الذي تلقته {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}، لم يكن مجرد إلهام عابر، بل كان تكليفاً إلهياً بمهمة رسالية عظمى، هي حفظ القائد واستمرارية مشروع النبوة، إن هذا المقطع القرآني يعيد الاعتبار للمرأة ويكرمها أسمى تكريم، وذلك بمنحها دوراً محورياً في صناعة التاريخ وتغيير مجرى الأحداث، في مقابل النظرة الدونية التي تفرضها حضارات الطغيان التي تمتهن المرأة وتستخدمها في المفاسد.
وتحلل المحاضرة هذا الدور القرآني للمرأة ليؤسس لرؤية إسلامية أصيلة تختلف جذرياً عن المشاريع الغربية والتحررية الزائفة، فالكرامة الحقيقية للمرأة، كما تتجلى في قصة أم موسى عليه السلام، تتحقق من خلال انتمائها الإيماني ودورها الفاعل داخل إطار الأسرة والمجتمع، وليس في الانعزال عنهما أو السعي لعناوين سياسية منفصلة، هذا التحليل يأتي بمثابة تحذير صريح من المخططات الغربية والأمريكية التي تستهدف المجتمعات الإسلامية، وتسعى لتفكيكها عبر استهداف النساء، وإيهامهن بأن تحررهن يكمن في الخروج عن الفطرة والانسياق وراء برامج الإفساد والاستغلال، تحت عناوين براقة كالتحرر والمساواة، لتقطعهن بذلك عن دورهن الطبيعي والرسالي في بناء الأجيال والمقاومة.
العبرة والدرس لواقع الأمة: من الاستضعاف إلى التمكين
تختم المحاضرة الرابعة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بربط وثيق بين دروس الماضي وواقع الأمة الحاضر، مؤكدة أن قصة نبي الله موسى عليه السلام والطاغية فرعون تحمل في طياتها أعظم الدروس لأبناء الأمة الإسلامية اليوم، وهم يواجهون أعتى مشروع استكباري في التاريخ الحديث، ممثلاً بالطغيان الأمريكي والصهيوني، فكما أن فرعون وقومه كانوا في ذروة قوتهم بينما كان نبي الله موسى عليه السلام مجرد طفل رضيع في مهب الريح، ها هي الأمة ترى جبروت أمريكا و”إسرائيل” وإمكانياتهم الهائلة، مقابل ضعف الأمة وتشرذمها، لكن العبرة ليست في مقارنة الإمكانيات المادية، بل في فهم سنن الله التي لا تتبدل.
إن إلقاء نبي الله موسى عليه السلام في اليم وهو ضعيف لا حول له، ثم رعايته وحفظه في قلب قصر عدوه اللدود فرعون، هو المشهد الأعظم الذي يجب أن تستلهم منه الأمة روح الثقة بالله واليقين بنصرته، فهو برهان ساطع على أن مشيئة الله قاهرة فوق كل إرادة، وأنه حيث يضعف التدبير البشري ويتعقد الطريق، يتدخل التدبير الإلهي ليفتح منافذ الخلاص من حيث لا يحتسب أحد، وهذا الدرس يلقي بمسؤولية جسيمة على عاتق الأمة والمستضعفين في كل مكان، وهي مسؤولية النهوض العملي والتحرك الجاد وفق هدي الله، وليس مجرد الدعاء والتمني، فالفرج لا يأتي بالانتظار السلبي، بل بالعمل والتضحية والجهاد، والأخذ بالأسباب المادية والمعنوية، والثقة بالله أولاً وأخيراً، والالتفاف حول القيادة الربانية التي تتحرك في الساحات لتحقيق وعد الله.
أما المستضعفون الواعون فعليهم عدم اليأس والقنوط من رحمة الله مهما عظم البلاء وتفاقمت المحن، فطغيان فرعون لم يصمد أمام إرادة الله، وكذلك فإن طغيان أمريكا و”إسرائيل” مصيره إلى الزوال المحتوم، والمطلوب هو إيمان لا يتزعزع، ويقين لا يخالطه شك، وبصيرة نافذة ترى ما وراء الجبروت المادي، لترصد معية الله التي تدبر الأمر وتعد العدة لخلاص عبادها الصادقين، وتمكينهم في الأرض وإرثهم لميراث النبوة والخلافة، هذه هي سنن الله في الأمم، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
