قيود تجارية ومنع دخول الوقود.. ما وراء الحصار الأمريكي على كوبا؟

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
19 فبراير 2026مـ – 2 رمضان 1447هـ

تقريــر || إبراهيم يحيى الديلمي

تعاني كوبا منذ أسابيع من حالة شلل تام نتيجة الحصار النفطي الذي تفرضه إدارة المجرم ترامب في خطوة قد تدفع البلاد نحو أزمة إنسانية بلا أفق واضح.

وبدأت الأزمة تتفاقم بشدة بعدما أصدر ترمب أمراً تنفيذياً في 29 يناير الماضي يصف كوبا بأنها “تهديد استثنائي”، ملوحاً بفرض رسوم جمركية على أي دولة تزودها بالنفط، في تصعيد يضاف إلى عقود من العقوبات الأمريكية منذ ستينيات القرن الماضي.

ويُعدّ الحصار الأمريكي الجائر الذي فرضته الإدارة الأمريكية على كوبا، من أطول أنظمة العقوبات الاقتصادية في التاريخ الحديث، حيث بدأ رسميًا عام 1960 وتكرّس بموجب القوانين الأمريكية الجائرة في 1962، ولا يزال قائمًا حتى اليوم مع تعديلات متباينة.

وارتبط الحصار الأمريكي لكوبا بشكل عام، بالصراع الأيديولوجي والسياسي بين واشنطن والنظام السياسي الكوبي الذي ساد عقب نجاح الثورة الكوبية عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو ورفاقه، وكان مناهضاً لسياسات واشنطن القائمة على السيطرة والتحكم والاستحواذ، دون مراعاة واحترام إرادات الشعوب.

لذا شرعت واشنطن في إطباق حصارها على كوبا بفرض قيود تجارية ثم بقطع العلاقات الدبلوماسية، تلاه فرض حظر تجاري شامل بقرار من الرئيس جون كينيدي عام 1962، مشترطة لإنهاء الحصار ضرورة التحول إلى نظام سياسي مغاير يخدم المصالح الأمريكية، وضرورة تحسين أوضاع حقوق الإنسان في كوبا وهذه هي الذريعة الأمريكية التي لا تنفك كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة عن التذرع بها تجاه أي نظام لا ينسجم مع طبيعتها الإجرامية، لانتزاع حق ليس لها أصلاً.

وعليه فقد عززت واشنطن حصارها الجائر على كوبا بأساس قانوني لا شرعية له وذلك عبر عدة قوانين جائرة هي:

• قانون توريسيلي (1992) الذي شدد القيود الاقتصادية على كوبا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

• قانون هيلمز– بيرتون (1996) الذي حوّل الحصار إلى قانون دائم لا يمكن للرئيس إلغاؤه دون موافقة الكونغرس، وسمح بملاحقة الشركات الأجنبية التي تستثمر في ممتلكات صودرت في كوبا.

شرعية إجرامية لا دولية

ومع أن القوانين الأمريكية التي شرعنت للحصار قوانين جائرة؛ كونها صدرت من مجرم شرعن لنفسه دون وجود إجماع دولي، إلا أنها أعطت الحصار طابعًا دوليًا بسبب آثاره على الشركات غير الأمريكية، حيث ظل الحصار بنظر المجتمع الدولي حصارًا مدانًا، فالجمعية العامة للأمم المتحدة تدين هذا الحصار سنويًا، ناهيك عن أن الغالبية الساحقة من الدول صوتت وتصوّت لصالح إنهائه، حيث تراه إجراءً أحادي الجانب، ومخالف لمبادئ حرية التجارة الدولية، ورغم ذلك مازلت واشنطن تبرر استمراره لاعتبارات سياسية وأمنية واهية وأهداف تتناقض تماما مع إرادة وحرية الشعب الكوبي.

الهدف الأمريكي من الحصار

كان الهدف الأساسي لواشنظن من حصارها لكوبا هو الاستحواذ على كوبا والتحكم في قرارها، وذلك بمحاولة إسقاط نظامها السياسي الذي تمخض عن ثورة شعبية حرة، وهو ما دفعها لضرب ومعاقبة الشعب الكوبي بأكمله بحصار اقتصادي مازال مستمراً حتى اليوم؛ بغية تجويعه وإركاعه.

وترك الحصار الأمريكي لكوبا أثرًا سلبيًا على الاقتصاد والشعب الكوبي تمثل في تفاقم المعاناة الإنسانية للشعب الكوبي.

ووفق التقديرات الكوبية فإن الحصار تسبب في خسائر بمئات المليارات من الدولارات، وخلق صعوبات في استيراد الأدوية والمعدات الطبية، وحال دون حصول الحكومة على تمويل دولي وجذب الاستثمارات الأجنبية.

ولم تكتفي واشنطن عند هذا الحد بل إنها عادت مؤخرًا إلى فرض قيود أشد مما سبق على كوبا، ففي 29يناير2026 الماضي أصدر ترمب أمراً تنفيذياً يصف فيه كوبا بأنها “تهديد استثنائي”، ملوحاً بفرض رسوم جمركية عقابية على الدول والشركات المصدرة للوقود إليها، وهو ما حذّر من خطورته وزير الخارجية الكوبي “برونو رودريغيز”، واصفًا هذه الخطوة بأنها تمثل “تحديًّا سياديًّا خطيرًا” يتجاوز الشأن الكوبي ليمس استقلالية القرار الوطني لجميع الدول.

وأكّد “رودريغيز” أنّ هذه الإجراءات تهدف لتقييد حق الدول في تصدير منتجاتها الاستراتيجية بحرية، محذّرًا من أنّها تُعد “سابقة خطيرة” قد تمتد مستقبلاً لتشمل سلعًا وقطاعات اقتصادية أخرى، ومنتقدًا استخدام واشنطن لمصطلح “الأمن القومي” كذريعةٍ وصفها بـ “الواهية”، معتبرًا أنها غطاء لفرض صلاحيات عدائية تهدف بالدرجة الأولى إلى ضرب المنافسين في السوق العالمية وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية غير عادلة.

ولعل هذه الخطوة الترمبية قد ساهمت في تصاعد حدة الحصار وبالتالي تضاعفت معاناة الشعب الكوبي حيث تمثل ذلك في نقص حاد في الوقود، وانقطاع متكرر للكهرباء، وتراجع في الإنتاج الغذائي ومستوى المعيشة، ونقص في السلع الأساسية، وهو ما يعد انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان التي عادة ما تتبجح أمريكا بحمايتها.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال الأمريكية” فإن حالة الشلل التام في كوبا هي نتيجة لحصار النفطي الذي فرضته إدارة ترمب، في خطوة أثارت انتقادات وتحذيرات أممية من دفع البلاد نحو أزمة إنسانية بلا أفق واضح.

وأكدت مراسلة الصحيفة فيرا بيرغنغروين أن “الشوارع في هافانا أصبحت شبه فارغة، وأن وسائل النقل العام تقلصت إلى حد كبير، مما جعل الذهاب إلى العمل أو المدرسة مهمة شبه مستحيلة.

ويبقى القول بأن هذا الحصار رغم أنه كان في بدايته جزءًا من صراع الحرب الباردة ويُفترض أن ينتهي بنهايتها، إلا أنه استمر حتى بعد انتهائها، مما يعكس اعتبارات داخلية أمريكية بقدر ما يعكس اعتبارات خارجية، وهذه الاعتبارات تحمل في طياتها نية أمريكية خبيثة تسعى إلى الاستيلاء على كوبا بعد إيصالها إلى حافة الانهيار.

ولكن باستمرار الصمود الكوبي شعبًا وحكومةً كونه العقيدة الصلبة التي يعتمد عليها الكوبيون في مواجهة هذا الحصار الذي أصبح بمثابة عقوبة جماعية غير فعالة، بات من الواضح أن الولايات المتحدة قد أخفقت في تحقيق أهدافها من هذا الحصار المدان من غالبية المجتمع الدولي، حيث فشلت أولًا في السيطرة والاستحواذ على كوبا، كما فشلت في إسقاط النظام.

وبطبيعة الحال فإن هذا الفشل الأمريكي لم يكن الوحيد إذ كثيرًا ما لمسناه في بلدان أخرى حتى أصبح ديدن أمريكا عندما تقرر مواجهة الشعوب الحرة التي تأبى الخضوع لها، فلا تحظى في النهاية سوى بالهزيمة والعار.