الإعلام السعودي.. كيُّ الوعي لصالح أجندة صهيونية

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 يناير 2026مـ – 1 شعبان 1447هـ

تقريــر || علي الدرواني

لطالما برع منظرو الإعلام السعودي في ممارسة لعبة “تزييف الوعي” العربي، عبر استراتيجية تضليلية ممنهجة تقوم على الاستبدال بالعدو التاريخي الذي ينهش الأرض ويملأ مخازنه بالرؤوس النووية (إسرائيل)، عدواً متوهماً هو إيران. هذا التحويل يخدم بالدرجة الأولى مشاريع التطبيع ودمج “إسرائيل” في المنطقة، بل وأكثر من ذلك، يخدم مشروع تمكين الكيان للتحكم والهيمنة على المنطقة، من خلال تصوير إيران كخطر وحيد لا يمكن النجاة منه إلا بالتحالف مع العدو.

في هذا السياق، يبرز عبدالرحمن الراشد، المقرب من دوائر صنع القرار في الرياض، كأحد أمهر اللاعبين على أوتار تزييف الوعي، وفي مقاله الأخير بصحيفة الشرق الأوسط يقدم نموذجا فجا لازدواجية المعايير.. حيث يُسخر قلمه لتهوين الخطر (الإسرائيلي) الواقعي مقابل تعظيم (الخطر الإيراني) المتوهم، قافزا فوق حقائق التاريخ والجغرافيا.

يغض الكاتب السعودي الطرف -ببرود يحسد عليه- عن حقيقة أن “الكيان الإسرائيلي” هو الكيان الوحيد في المنطقة الذي يمتلك ترسانة نووية فعلية، تقدر بـ 90 إلى 200 رأس نووي جاثم فوق صدور الأمة، وهذا ليس مشروعا مستقبليا يحتاج للتنفيذ، بل هو واقع مادي يخل بميزان القوى فعليا، ومع ذلك لا نجد في قاموس البلاط السعودي مطالبة واحدة بتفكيك هذا السلاح كشرط للأمن الإقليمي.

أما في الحالة الإيرانية، فيستنفر الكاتب قواه ليصف مشروعا لا يزال تحت مجهر الرقابة الدولية بأنه خطر وجودي، ويدعي بكثير من الزيف أن “القاصي والداني يعرف أنه مشروع عسكري”، ضارباً عرض الحائط بتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أكدت أكثر من مرة، أنها لم تجد أي أدلة على ذلك. وهنا تبرز الخطيئة المهنية: لماذا يُبنى الخطاب السعودي على الظنون في الحالة الإيرانية، بينما يطبق صمت القبور أمام يقين مفاعل ديمونة الذي ينتج الموت المحقق للأمة منذ عقود؟

من جانب آخر -وهذا جزء من السياسة السعودية، وليس حكرا على كاتب مثل الراشد- فإنه غض الطرف عما تمارسه “إسرائيل” من توسع جغرافي علني عبر قضم الأراضي في فلسطين المحتلة، من غزة المحروقة إلى الضفة المقطعة، وصولاً إلى ضم القدس والجولان واحتلال أجزاء من الشريط الحدودي اللبناني وجزء واسع من الجنوب السوري، لنرى “إسرائيل الكبرى” ترتسم ملامحها بالدم العربي. وهذا بطبيعة الحال توسع “مادي” هو ترجمة فعلية لما سمعناه من التصريحات المعلنة عن ما يسمى “إسرائيل الكبرى”، وتغيير الشرق الأوسط. هذا كله لا يراه الإعلام السعودي.

لكنه في المقابل ينظر إلى “النفوذ” الإيراني، ويصفه بـ”التدخلات”، و”نشر المليشيات”، ويذهب لتعظيم “خطر النفوذ الإيراني”، وهذا يؤدي تلقائيا لتهوين خطر الاستيطان والاحتلال والقظم الذي يقتلع شعوباً من أرضها، ويغير ديموغرافية المنطقة بشكل نهائي.

من اللافت أيضا، وصف إيران بالأسد الجريح، بغض النظر عن صحة الوصف من عدمها، إلا أن المقال يذهب للحديث أن الأسد الجريح “سيستمر خطراً على معظم دول المنطقة متى ما تعافى، ما دام يحتفظ بسلاحه التقليدي ومؤسساته العسكرية الموجهة للنشاط العسكري الخارجي”.. فهل يعني الراشد أن الأسد الجريح أخطر من الوحش المنفلت من العقال “إسرائيل”، الذي لا يحتاج لتعافٍ ليقتل، بل يمارس القتل كفعل يومي روتيني، وهل هي كيان عاقل يمكن التنبؤ بسلوكه؟ ألا يعي هذا الكاتب المأجور أن العقيدة العسكرية الصهيونية قائمة على “التفوق الكاسح” وضرب أي مقدرات عربية وسحق أي قوة يمكن أن تهدد وجودها، وإضعاف جيوش المنطقة لصالح تفوقها؟ ألم يتابع الراشد ومن يعمل لصالحه من أمراء الرياض وحكامها ما فعله الوحش الإسرائيلي في غزة، من قتل ودمار، وسفك للدماء على مدى عامين، سحق خلالها عظام النساء والأطفال بآلته العكسرية الهائلة، وبأطنان من المتفجرات والقنابل؟ هل هذا كيان يمكن التعايش معه؟! كيف يغيب عن العرب وقادتهم مثل هذا الخطر ولا يجد مكانا للقلق منه في صدورهم.

إن هذا الإصرار من قبل أقلام البلاط الملكي في الرياض على استبدال بعبع إيراني متوهم بالعدو الوجودي الجاثم فوق جثث الأطفال في غزة ولبنان هو فعل متعمد لكيِّ الوعي العربي وتهيئة البيئة النفسية لقبول الهيمنة الصهيونية كقدر لا مفر منه. إن هذا المنطق في حقيقته يحاول -عن سبق اصرار وترصد- بيع المنطقة لوحش لا يعترف بحدود ولا يرتوي من الدماء.

في النهاية، فإن الحقيقة التي يحاول الإعلام السعودي حجبها هي أن الخطر على الأمة ومستقبلها يكمن في من يمتلك بالفعل مفاتيح الدمار الشامل، ويمارس الإبادة كسياسة رسمية، بينما يسعى المثقف المأجور لتحويل الضحية القادمة إلى حليف لجلادها.

المصدر: “موقع أنصار الله”