واشنطن تصمت لـ”تراجع قسد” وتنسحب لـ”تَوَسُّع الجولاني”.. حسابات أمريكية مكشوفة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 يناير 2026مـ – 1 شعبان 1447هـ
تقريــر || نوح جلّاس
تشهد الساحة السورية تحولات استراتيجية بارزة في خطوط السيطرة والنفوذ، مع تراجع ما تُسمى قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في المناطق التي كانت تديرها شمال وشرق الفرات، مقابل توسع سيطرة القوات التابعة للجولاني. وتتزامن هذه التطورات مع انسحاب تدريجي للقوات الأميركية من مواقعها في سوريا والعراق، ما أثار تساؤلات حول أبعاد هذه الانسحابات وعلاقتها بما يجري بشأن الملف الإيراني.
وشهدت الأيام القليلة الماضية تغييرات ميدانية بارزة على الأرض بعد انسحاب متسارع لقسد من مواقع كانت تحت سيطرتها لسنوات، بما فيها محافظات الرقة ودير الزور، إضافة إلى حقول النفط والغاز الحيوية شرق البلاد، لصالح سلطات الجولاني.
وبحسب تقارير ومصادر متعددة، عززت سلطات الجولاني سيطرتها على المدن الاستراتيجية والمناطق المحيطة بها، بما في ذلك الحقول النفطية والمعابر الحدودية الحيوية شرق الفرات، في حين تراجع نفوذ قسد تدريجيًا، وجرى انسحابها دون مواجهة عسكرية شاملة في كثير من هذه المناطق، الأمر الذي يشير إلى وجود صفقات غير معلنة لها ارتباطاتها الخاصة.
وفي بعض المحاور يظل التوتر قائمًا، مع تقارير عن اشتباكات محدودة بين قوات الجولاني والقوات الكردية، خصوصًا حول مواقع مهمة مثل سجن الشدادي، بالتوازي مع مواجهات في حلب، ما يشير إلى أن التوترات لم تنتهِ بالكامل، على الرغم من إعلان الجولاني عن اتفاق لوقف إطلاق النار ووجود صفقة اندماج جزئي للقوات الكردية ضمن سلطاته، وهو ما يمنحه هامشًا لممارسة الضغوط على “قسد” لتجريدها من شروطها التي تفاوض وتقاتل من أجلها.
وألمح الجولاني إلى أن الاتفاق يتضمن انسحاب قسد من المحافظات ذات الغالبية العربية وتسليمها لقواته، بما في ذلك الحقول النفطية والمعابر الحدودية، بينما يتم دمج أفراد قسد في ما أسمه “الجيش السوري” بشكل فردي وليس كوحدات مستقلة.
كما يشمل الاتفاق ضمانات محدودة لتمثيل سياسي لقادة قسد داخل “السلطة” أو المؤسسات المركزية، فيما يبقى تنفيذ كامل بنود الاتفاق مرحلة لاحقة، ما يجعل المعارك والمفاوضات تجري بالتوازي، وقد تكون التغيرات الميدانية لصالح الجولاني كفيلة بتقويض دور وطموح “قسد” في المرحلة الراهنة.
أهداف أمريكية بين “الصمت” و”الانسحابات”:
وعلى الرغم من أن “قسد” تُعد أحد أهم “أذرع” الولايات المتحدة لأكثر من عقد، فقد لوحظ صمت أمريكي نسبي تجاه تراجعها العسكري والسياسي، والاكتفاء بالدعوات إلى تهدئة وتنفيذ الاتفاقات، بدل التدخل المباشر لحماية مواقعها.
وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تعمل على تعديل آليات دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك تقليص التمويل، بالتوازي مع تعزيز التعاون مع سلطات الجولاني، كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة تموضع الوجود الأمريكي، بما يتماشى مع خطط واشنطن الراهنة في المنطقة، وفي مقدمتها ما يتم التحضير له بشأن إيران.
وأكدت تقارير أن التقدمات المتسارعة لقوات الجولاني باتجاه الشدادي والمناطق المحاذية للحدود العراقية تتزامن مع قيام الولايات المتحدة بسحب عدد من قواتها ومعداتها من العراق، في خطوة تشير إلى مخطط يهدف لتمكين الجولاني من التمركز على المناطق الحدودية والحصول على موقع استراتيجي مقابل المناطق العراقية.
ويرى مراقبون أن الانسحاب الأمريكي من العراق مرتبط بالصمت على تراجع “قسد” وسيطرة الجولاني على مناطق استراتيجية غنية بالثروات في محيط الفرات، محذرين من وجود مخطط لإنشاء نقطة ضغط جديدة على إيران، عبر فتح الطريق أمام مقاتلي “سلطات التكفيريين” لتكون الجبهة العراقية مفتوحة أمامهم عند الحاجة، وفي الوقت المحدد وفقًا لحاسبات واشنطن.
وتزداد احتمالات هذه المخططات مع الحديث عن تهريب أعداد كبيرة من عناصر داعش من سجن الشدادي باتجاه الحدود العراقية، لتعود للواجهة حقيقة استخدام الولايات المتحدة لورقة “داعش” للتغطية على أي تحركات مخططة لها أهداف خاصة، خصوصًا أن السجن يضم آلاف العناصر التابعين للتنظيم، في ظل حديث يتعلق بإمكانية احتواءهم في التشكيلات الجديدة لـ”أدوات السيطرة” في سوريا.
وعلى الرغم من عدم وجود تسريبات أو تقارير دولية لهذه الاحتمالات، فإن تشابك المواقف الأمريكية منذ تصريحات “تأجيل العدوان على إيران”، وترك “قسد”، والانسحاب من قاعدة عين الأسد وتقليل الوجود في المناطق السورية قرب العراق، إضافة إلى الحديث عن آلاف عناصر داعش المهربين، يشير إلى وجود مخطط حتمي ستتكشف تفاصيله في الأيام المقبلة.
كما أن تخلي الولايات المتحدة عن قوات دربتها ومولتها لسنوات وتركها أغنى المناطق المليئة بالثروات النفطية، ليس تنازلاً بلا مقابل، فالتنازل – ولو بشكل مؤقت – عن هكذا مكاسب في العراق وسوريا، يشير إلى وجود مقابل أكثر قيمةً وأهميةً في الحسابات الأمريكية.
