الشيخ: انهيار قسد أمام قوات الجولاني إعادة تدوير أمريكية للمشهد السوري

1

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

19 يناير 2026مـ –30 رجب 1447هـ

في تطور متسارع يعكس حجم التحولات العميقة في المشهد السوري، برز الانهيار السريع لقوات سوريا الديمقراطية “قسد” أمام قوات الجولاني، بوصفه نتيجة مباشرة لتفاهمات دولية وإقليمية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، ليس كحدث عسكري معزول أو مفاجئ.

وعلق مدير مركز شمس للدراسات الاستراتيجية، الدكتور محمد الشيخ، على ما يجري على الأرض السورية، موضحاً أن فهم ما يحدث يقتضي النظر بعين متأنية إلى طبيعة الجهات الفاعلة، ولحساب من تعمل كل من “قسد” وما يسمى حكومة الأمر الواقع في دمشق، فالخلاصة، وفق توصيف الشيخ، أن المشغّل واحد، وهو الولايات المتحدة الأمريكية، التي قررت رفع يدها عن “قسد” بعد أن استنفدت دورها الوظيفي في المرحلة السابقة.

وأشار الدكتور الشيخ في لقاء مع قناة المسيرة، صباح اليوم الاثنين، إلى أن واشنطن وجدت في حكومة الجولاني بديلاً قادراً على تقديم ما عجزت عنه “قسد”، ولكن هذه المرة تحت غطاء “الدولة” و”القانون”، فالجزيرة السورية، التي تمثل سلة الغذاء لسوريا، وتحتضن أهم روافع الطاقة من نفط وغاز، باتت هدفاً مباشراً للإدارة الأمريكية، التي تسعى للسيطرة على هذه الموارد بصيغة قانونية وشرعية عبر اتفاقيات دولية، وهو ما لا يمكن تحقيقه مع ميليشيا غير معترف بها دولياً.

وأكد أن دمج “قسد” ضمن ما يسمى القوات السورية في المرحلة الراهنة، يخدم مصلحة الطرفين من حيث الشكل، لكنه يحقق بالجوهر مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تضمن الوصول إلى الطاقة والموارد عبر بوابة “الدولة”، لا عبر الميليشيات.

ولفت إلى أن واشنطن وفّرت على نفسها كلفة الدعم المالي والعسكري الذي كانت تقدمه لـ”قسد”، والذي قُدّر بنحو سبعمئة وخمسين مليون دولار، مبيناً أن هذا التوفير ينسجم تماماً مع عقلية المجرم ترامب التاجر، التي تحكم قراراته السياسية، حيث يجري تقليص النفقات والتخلي عن الأدوات التي لم تعد مربحة.

وفي السياق ذاته، شكّل حل “قسد” استرضاءً مباشراً لتركيا، باعتبار أن هذه الميليشيا خرجت من رحم حزب العمال الكردستاني، وهو ما منح أنقرة مكسباً استراتيجياً يتمثل بتأمين حدودها الجنوبية، وفتح الطريق أمام طموحاتها التوسعية في الشمال السوري، وتحديداً في مناطق حلب، التي لا تزال تسميتها العثمانية حاضرة في العقل السياسي التركي.

وبحسب مدير مركز شمس للدراسات الاستراتيجية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت، عبر هذا الترتيب، في ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد؛ فمن جهة، ضمنت اتفاقيات دولية لاستثمار الغاز والطاقة، ومن جهة أخرى أرضت تركيا، ومن جهة ثالثة أعادت ترتيب أدواتها داخل الجغرافيا السورية بما يخدم مصالحها طويلة الأمد.

وعن تصريحات مظلوم عبدي، التي أشار فيها إلى أن الحرب فُرضت وخُطط لها من عدة جهات، ذكر الشيخ أن المقصود بذلك هو الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، وأن عبدي بات يدرك أن واشنطن تخلت عنه وعن الميليشيا التي يمثلها، واصفاً هذا السلوك بأنه نهج أمريكي ثابت في التعامل مع أدواتها، حيث يتم استخدامها حتى انتهاء صلاحيتها، ثم رميها عند أول مفترق مصالح.

أما المفارقة اللافتة، فهي الاستبسال والعنف الذي أبدته قوات الجولاني في مواجهتها لـ”قسد”، مقابل حالة الخضوع والسكوت أمام اعتداءات العدو الصهيوني في جنوب سوريا، هذه المقارنة، التي فرضت نفسها تلقائياً في الأيام الماضية، يفسرها الجميع بالتمييز بين سلوك القواعد وسلوك القيادات، حيث تحكم التفاهمات السياسية قرارات القادة، بينما تنفلت تصرفات القواعد أحياناً في سياق انتقامي أو تعبوي، وسط صمت القيادات حفاظاً على ولاء هذه القواعد.

وشدد مدير مركز شمس على أن ما يجري هو صراع عصابات على الأرض السورية، والخاسر الأكبر فيه هو المواطن السوري، الذي يتعرض لنزف مريع في كرامته وسيادته، بعد أن كانت الدولة السورية السابقة تشكل سداً أمام الاستباحة الصهيونية والأمريكية. هذا النزيف، وفق توصيفه، ليس عفوياً، بل مخطط له بعناية ضمن مشروع إعادة تشكيل سوريا.

وأضاف أن انهيار “قسد” السريع يكشف أن المشهد السوري يدخل مرحلة جديدة من إعادة التدوير السياسي والعسكري، تقودها الولايات المتحدة الأمريكية بأدوات مختلفة، وعناوين متغيرة، فيما تبقى السيادة السورية والحقوق الوطنية هي الضحية الأولى لهذا المسار.