“صنع في اليمن”… صناعة النسيج كسلاح سيادي لكسر التبعية الاقتصادية

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
5 يناير 2026مـ – 16 رجب 1447هـ

في قلب العاصمة صنعاء، وتحديداً حيث تضج أروقة معامل شركة “عالم النسيج” للخياطة والمنسوجات المحدودة بحركة لا تهدأ، تتكشف ملامح معركة سيادية شرسة، تتجاوز في أبعادها حدود القماش والمنسوجات لتلامس جوهر التحرر الاقتصادي اليمني. هنا، وسط هدير الماكينات، تُصاغ سردية وطنية جديدة تهدف إلى تحطيم أغلال التبعية التي فرضتها عقود من السياسات “الصهيو-أمريكية” الممنهجة، تلك التي سعت جاهدة لتحويل الإنسان اليمني إلى مجرد مستهلك سلبي مرتهن لما يلفظه الخارج من سلع، ومجرد سوق مفتوحة لطوفان المستورد الذي طالما أغرق البلاد وأنهك قواها الشرائية.

قفزات الإنتاج تحطيم قيود الارتهان
لم يكن العام 2023 مجرد تاريخ لتأسيس شركة “عالم النسيج”، بل كان إعلان حرب اقتصادية ضد الركود والارتهان؛ حيث بدأت الشركة بإنتاج متواضع ناهز 200 ألف قطعة، لتنفجر الطاقات الإنتاجية في العام التالي 2024 وتصل إلى 500 ألف قطعة، قبل أن تبلغ الذروة في 2025 بملامسة حاجز 800 ألف قطعة. هذا التصاعد الديناميكي، الذي يقوده رئيس مجلس الإدارة الأستاذ طلال القحوم، ليس مجرد أرقام صماء، بل هو تعبير عن إرادة سياسية واقتصادية صلبة يقف خلفها جيش من السواعد اليمنية قوامه 800 عامل وعاملة، حولوا المعامل إلى خلايا نحل تنتج كل ما يحتاجه المواطن من ثياب، أكوات، جواكت، كوافي، بدلات رياضية، حقائب، وملابس داخلية، في خطوة تقطع الطريق على المزاعم المشككة التي حاولت لسنواتٍ وأدَ فكرة الإنتاج المحلي تحت ذريعة عدم القدرة على الشمول والديمومة.

تسليح تقني في مواجهة الهيمنة
ولأن المعركة مع المستورد تتطلب أنياباً تقنية، لم تكتفِ الشركة بالإنتاج التقليدي، بل عمدت إلى استيراد خطوط إنتاج متطورة من جمهورية الصين الشعبية، شملت طابعات رقمية للأقمشة ومكائن ليزر وتطريز هي الأحدث عالمياً. هذا التوجه نحو التكنولوجيا الفائقة يمثل الرد العملي على محاولات وسم الصناعة الوطنية بالبدائية، حيث أصبحت المعامل اليمنية اليوم تدير دورات إنتاجية متكاملة، تضاهي، بل وتتفوق على المواصفات العالمية، ما يعزز من مفهوم “الإنتاج المقاوم” الذي يرفض الانصياع لمعايير الجودة التي يفرضها الوكلاء المرتبطون بالمنظومة الرأسمالية الخارجية، ويؤكد أن العقل اليمني يمتلك القدرة الكاملة على توطين المعرفة لخدمة معركة الكرامة.

زلزال الأسعار تعرية جشع الوكلاء
في مضمار التنافس الميداني، وجهت “عالم النسيج” ضربات موجعة لمراكز القوى التجارية المرتبطة بالخارج عبر معادلة (الجودة القصوى والسعر الأدنى). فبينما كان “الجاكت” المستورد يثقل كاهل المواطن بأسعار فاحشة تتراوح بين 9 و12 ألف ريال، اقتحم المنتج الوطني السوق بسعر لا يتجاوز 6 آلاف ريال، بل وصل في عروض خاصة إلى 3900 ريال، وهو ما يكشف حجم الأرباح غير المشروعة التي كان يجنيها سماسرة الاستيراد على حساب لقمة عيش المواطن. ولم تتوقف هذه الهزات السعرية عند الجواكت، بل امتدت لتشمل الملابس الشتوية والحقائب المدرسية، حيث يباع المنتج المحلي بنصف سعر نظيره المستورد، ما يجعل من الصناعة الوطنية صمام أمان حقيقي يحمي الجبهة الداخلية من الابتزاز الاقتصادي.

استراتيجية 2030 نحو تطهير السوق
تتجاوز طموحات هذا الصرح الصناعي مجرد البيع والشراء، لتنخرط في رؤية استراتيجية أوسع ترعاها وزارة الاقتصاد والاتحاد التعاوني للمنسوجات، تهدف إلى توطين صناعة الملابس الداخلية (سورتاك) عبر خطة طموحة لإنتاج 10 ملايين قطعة كمرحلة أولى. هذه الخطوة تأتي في سياق هجومي لمواجهة المخزون المستورد الذي يقدر بنحو 80 مليون قطعة تغرق الأسواق، حيث تؤكد المصادر المسؤولة داخل الشركة، ومنهم الأستاذ محمد جابر

أن الهدف النهائي هو الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الكامل بحلول عام 2030. إن تكدس الإنتاج في مخازن الشركة من فراش سفري وحقائب وأطقم نوم، ليس إلا مخزوناً استراتيجياً لضمان السيادة الوطنية في حال تقلبات الأسواق العالمية أو اشتداد الحصار، ما يجعل من كل “غرزة” إبرة مسماراً في نعش التبعية الاقتصادية.

إن ما يتحقق اليوم في أروقة “عالم النسيج” هو تجسيد حي لروح التحدي اليمني، ورسالة بالغة الدلالة إلى قوى الاستكبار العالمي بأن اليمن، الذي كسر شوكة العدوان عسكرياً، يمضي اليوم بخطى ثابتة لكسر هيمنته اقتصادياً، محولاً شعار “صنع في اليمن” من مجرد ملصق تجاري إلى صرخة حرية تعيد صياغة خارطة المنطقة بعيداً عن الوصاية “الصهيو-أمريكية”.