الخبر وما وراء الخبر

عاصمةُ الإسلام .. وأنصارُ الرسالة

8

بقلم// سارا الهلّاني

اعتاد الناسُ الاعتماد على ماترويه الأحداث السابقة ويحكيه التاريخ على مر العصور، كأن التاريخ هو آلة ذاتية لحفظ القصص ورواية المواقف وتخليد العظماء، وبجهلٍ ناتج عن الغفلة فقدنا اليقين بأن المضمون التاريخي لكل الشعوب ولُب الدروس والعبر منهم هو سنة إلهية لمصداق القول القرآني: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ)، فأخلد الله كل عظيم الإيمان مُصدق به بالعمل قدوة وأسوة ووثق عواقب كل عدو لرسائله السماوية عِبرة وعِظة.

إنه لمن دواعي الفخر وموجبات الشكر العملي الدائم، اختيار الله للمجتمع اليمني أن يكون الساعد الذي آزر الرسالة المحمدية، والحاضن للمنهج الإلهي والمجتمع السابق في الإيمان بالرسل في قادم التاريخ وحاضره، دون أن يرضخه السيف عنوة أو تقتادته الاتفاقيات صاغراً، بل كان إيمانه بحبٍ عميق، واستقباله للرسالات الإلهية نابع من وجدانه، ويقين ثابت بأن رسل الله هم المصححين للمسار والهادين للناس بفضل الله ورحمته .

إن من المنح الإلهية للمجتمع اليمني هجرة قبيلة جرهم اليمنية إلى مكة والعيش فيها ونشر تعاليم صحف إبراهيم لقبيلة جرهم فكانت حاضنة لرسالته التي جاء بها يدين لله معهم بدين التوحيد، وكسوة التبع اليماني للكعبة ليكون أول من كسى الكعبة هم اليمانيون، فكأن تعطشهم لدين الله القويم، لم يرويه إلا انتظار النبي الخاتم في يثرب، تمهيداً من الله وإعدادا إلهياً لإن يكونوا هم مرة أخرى، إنها حاضنة الرسالة الإلهية والأمة التي هي إحدى ركائز مشروع الدين الإسلامي الهامة، فالآية القرآنية: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ) هي شهادة عُليا ممن يصطفي ويختار بأنها حديث عن استبدال الله أهل مكة الذي جحدوا برسالة محمد، وحاربوا منهجيته، وتنكروا لتعاليمه، “بالأوس والخزرج” حين أمر الله رسوله بالهجرة إليهم ليكمل بينهم نشر دعوة الدين الواحد ومبادئ الصراط المستقيم، فاستقبلوه بحبٍ وحفاوة لا مثيل لها..

لم يكتفِ اليمانيون بأن آمنوا بمحمد نطقًا بالشهادتين وأن يكون مجتمعًا حاضناً للإسلام، بل عمّدوه بالدم سبقاً لكل المؤمنين فكانت أول شهيدة في سبيل دين الله يمانية وهي سمية بنت خباط زوجة ياسر العنسي المذحجي، وأما ابنهم عمار فقد كان شاهدا للحق وأهله، ومجابهاً على الباطل وأدواته، حين قال عنه رسول الله صلوات الله عليه وآله وسلم “ياعمار تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم الى الجنة ويدعوك الى النار ”

بعد أن أتى محمداً _صلوات الله عليه وآله وسلم _ كان اليمانيون ذو مبدأ ثابت وهوية عريقة الانتماء لدين الله وأولياءه، توارثوا وسام الإيمان والجهاد مناصرين به محمد وآل محمد، حقبة تلو حقبة، مثلوا الأنصار بجدارة وعن استحقاق لرتبة أنصار الله، حتى عصرنا الحالي ووقتنا الحاضر سطعوا نجوماً لامعة وبدور متميزة، نعم هي اليمن عاصمة الإسلام وشعبه أنصارًا للرسالة، وبالرغم من كل الجهود التي بذلها الأعداء في فصل المجتمع اليمني عن المنهجية الصحيحة والمبدأ الحق، وتعدد الأساليب والطرق التي سلكها المضللون لطمس التاريخ اليمني الأصيل الممتد بأصالة الدين الحنيف، بيد أن دعوة رسول الله “اللهم بارك في يمننا وشامنا” و الحقيقة الخالدة الذي وثقها المصطفى حين قال “الإيمان يمان”، جعلت من اليمانيون أهلا للفضل العظيم عليهم والتوفيق الإلهي لهم.

إن ذكرى مولد رسول الأمة الذي يحيه اليمن شعباً ودولةً وقيادةً إلا دلالة واضحة وعلامة فارقة بينه وبين الشعوب الأخرى، ونتاج مثمر لتسلسل المواقف العظيمة التي سطروها في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي وتبليغ الرسالة الربانية، خاصةً ونحن نعاصر عدواً يصب جم قواه لحرب الإسلام وتغييب شخص الرسول صلوات الله عليه وآله، وسيرته، وأُسس عقيدته القرآنية، ليصنع ساحة مهيئة لفكره ورموزه الضاله الطاغوتية، ولله الفضل أننا نتبوء الإيمان عبر حبنا وولائنا لمن جاء بالإيمان وصدق به (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ)..