خطأ الحسابات في وهم “تغيير الوجوه”.. لماذا لا يُحدث الاختلاف بين نتنياهو وأيزنكوت أي تغيير في الميدان؟

2

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
31 أكتوبر 2026مـ – 20 جماد الاول 1448هـ

بقلم// إلناز رحمت نجاد*

التعويل على تبدّل المعادلات الأمنية والمنطقة مع تبدّل الوجوه في هرم سلطة الكيان المؤقت، هو خطأ استراتيجي ناجم عن سطحية قراءة البنية الأيديولوجية للكيان، فالصراع الدائر بين شخصيات مثل بنيامين نتنياهو وغادي أيزنكوت ليس صراعاً بين «حرب وسلام»؛ بل هو جدال محموم حول التكتيكات وأساليب الاحتواء وهندسة آلة الإجرام الصهيونية، في خدمة هدفٍ استراتيجي واحد: استهداف العمق الاستراتيجي، ووحدة الأراضي، والهوية الحضارية لإيران الإسلامية.

لقد أعادت التحولات والتشققات العميقة داخل البنية السياسية للكيان الصهيوني إحياء ذلك الوهم القديم القائل بأن (تبادل) الوجوه في الكيان المحتل قد يغير مسار التوتر والعدوان ضد محور الجهاد والمقاومة، وتحديداً ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، غير أن الواقع العاري والصلب لهذا الكيان يؤكد أن نزاع الأجنحة السياسية ليس سوى صراع بيروقراطي على إدارة الأزمات الداخلية المنهكة، لا على الاستراتيجيات الأمنية الكبرى، فالوجوه في الكيان، مهما تفاوتت انتماءاتهم الحزبية، ليسوا سوى أدوات منفذين لعقيدة صهيونية واحدة وثابتة، صيغت في أعماق الدوائر العسكرية والأيديولوجية الخفية.

إن الهدف النهائي لآلة الحرب الصهيونية وغرف الفكر الداعمة لها يتجاوز بكثير تغيير السلوكيات الدبلوماسية المؤقتة، فمخططو الأمن في الكيان وواشنطن يدركون تماماً أن الموقع الجيوسياسي لإيران، وذاكرتها التاريخية، ورصيدها السكاني، ونفوذها الإقليمي، تشكل تهديداً وجودياً لبقاء الاحتلال، ومن هنا، فإن حلمهم الأقصى لا يقف عند أقل من التآكل البنيوي وتحقيق المخطط الخطر القاضي بتجزئة هذا الفضاء التاريخي إلى كيانات هزيلة ومفتتة على أساس نعرات قومية وطائفية.

لقد استوعب الصهاينة جيداً أن مقومات قوة إيران لا تختزل في الترسانة الصاروخية ومقدرات الطائرات المسيرة فحسب؛ بقدر ما تنبع من عمق الهوية التاريخية، والثقافة العريقة، والعمق الحضاري المتجذر؛ ولهذا السبب، جاءت الضربات المركبة من الهجمات السيبرانية والعمليات الأمنية الخبيثة إلى الحصار الاقتصادي والحرب النفسية لتستهدف تفريغ هذا الجسد الحضاري من الداخل وتقويض منظومة ردعه، كي لا يبرز مجدداً قطب مستقل وبانٍ للحضارة في عمق غرب آسيا.

ثنائية نتنياهو – أيزنكوت

إن قراءة الفكر والأداء العملي لبنيامين نتنياهو وغادي أيزنكوت تضعنا أمام مقاربتين متباينتين في أسلوب التنفيذ، لكنهما تلتقيان عند نقطة النهاية للهدف الصهيوني

وترتبط حياة نتنياهو السياسية ارتباطاً وثیقاً بصناعة الأزمات المتتالية، فهو تجسيد حي للشعبوية الأمنية واليمينية الدينية المتطرفة، وهو مستعد لإشعال المنطقة برمتها هروباً من الملاحقة في قضايا الفساد واحتواءً لانهيار الجبهة الداخلية.

و تعتمد عقيدته على حروب الاستنزاف الممتدة، والعدوان السافر، واستعراض القوة الخشنة، وهو نهج دفع بالكيان نحو مستنقع الانقسام والاستقطاب الحاد.

في المقابل، يمثل رئيس الأركان السابق تيار التكنوقراط العسكريين والأمنيّين المنهجيين، و أيزنكوت شخصية باردة، حسابية، وتتجنب الضجيج الاستعراضي، لكن طبيعة نزعته العدوانية أكثر تنظيماً وفتكاً، فعقيدته لا تقوم على المواجهات الصاخبة والمكلفة، وإنما على الضربات الدقيقة الموضعية، والحروب الخفية، والشلل التدريجي للبنى التحتية، وتأسيس التحالفات الإقليمية السرية، والتنسيق الوثيق مع الإدارة الأمريكية، فهو يسعى لإعادة ضبط الحكم العسكري وتقييد جماح اليمين المتطرف لتعمل آلة الحرب بكفاءة أعلى وبأقل قدر من الاستنزاف الداخلي.

وخلاصة القول إن الصراع في الكيان المحتل ليس صراعاً بين «الحمائم والصقور» ولا بين الحرب والسلام؛ فهو نزاع بين مدرستين للعدوان: مدرسة صاخبة ومغامرة، ومدرسة هادئة ومصممة للحروب الطويلة والمركبة، ونقطة التقاء هذين الاستراتيجيين واحدة، وهي ضمان بقاء الكيان الغاصب عبر كبح القوة الإيرانية، وتقويضها بنيوياً، والوصول إلى تمزيق الحضارة الإيرانية وإضعاف محاور المقاومة.

إن الرد الحقيقي والراهن على هذه الثنائية المضللة يكمن في التحصن أمام ألاعيب “الديموقراطية” الصهيونية المزعومة، ومضاعفة التشبيك وبناء قوة الردع متعددة الأبعاد، وتعزيز التماسك الداخلي لإحباط أي حسابات خاطئة للعدو؛ في معادلة يجب أن تترسخ في عقل العدو بأن أي حلم بالمساس بوحدة وتكامل هذه الجغرافيا سيكون له ثمن باهظ يدمر أوهام كلا الجناحين في الكيان المحتل.

*كاتبة ايرانية مختصة في شؤون المقاومة