شهادات من الميدان عن ثورة 21 سبتمبر.. تحولات في الإنتاج الزراعي والسمكي والعمل التعاوني
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
29 سبتمبر 2026مـ – 18 ربيع الثاني 1448هـ
تـقـريــر || محمد صالح حاتم
تكشف شهادات مزارعين وصيادين وقيادات في الجمعيات التعاونية عن جوانب من التحولات التي شهدتها القطاعات الزراعية والسمكية والعمل التعاوني في اليمن، وما رافقها من جهود لدعم الإنتاج المحلي وتنظيم المنتجين وتطوير سلاسل الإنتاج والتسويق والتصنيع
وتستعرض هذه الشهادات واقع المزارعين والصيادين قبل ثورة 21 سبتمبر 2015م، والتحديات التي واجهوها خلال سنوات الحرب والعدوان على اليمن، إلى جانب ما تحقق من تجارب ومبادرات في إنتاج البذور محليًا، ودعم الصيادين، وتفعيل العمل التعاوني.
وفي هذا السياق، يشير الصياد علي أحمد عبده الهيبة، المرشد السمكي في جمعية ساحل تهامة التعاونية، فرع العرج بمديرية باجل، إلى أن الصيادين كانوا قبل ثورة 21 سبتمبر يعانون كثيرًا، سواء من السفن الكبيرة التابعة للنافذين، أو من انعدام المشتقات النفطية، إلى جانب استغلال التجار والوكلاء.
ويوضح أن الصيادين كانوا يواجهون أزمات متكررة في المشتقات النفطية، إلى جانب ما كان يُمارس عليهم من ضغوط، مبينًا أن أول تقسيم في الجزر كان يترافق مع ممارسات وصفها بالاعتداء على الصيادين وأخذ الأسماك منهم بالقوة، فيما كان البحر يعج بالسفن الأمريكية والفرنسية، مع انتشار الفساد المالي.
ويشير إلى أن الصياد كان يدفع نسبة 3 بالمائة من حصيلة صيده في «المحوات»، في حين كان الإرشاد السمكي غائبًا عن الصيادين، ولم يكن يؤدي الدور المطلوب في توعيتهم ومساعدتهم.
وخلال سنوات الحرب والعدوان على اليمن، يبين الهيبة أن طيران العدو السعودي الأمريكي تسبب في فقدان صيادين لقواربهم ومعداتهم وأرواحهم، كما تعرض عدد من الصيادين للاعتقال والاختطاف من قبل القوات الإريترية والسعودية.
ويؤكد أن ما بعد ثورة 21 سبتمبر شهد اهتمامًا بالثروة البحرية والصيادين، خصوصًا في مجال الإرشاد السمكي، الذي شهد تحسنًا ملحوظًا منذ عام 2020م، وإن كان الاهتمام به يتراجع خلال الفترة الأخيرة.
ويلفت إلى أن جمعية ساحل تهامة التعاونية أسهمت في توفير محطات متنقلة للمشتقات النفطية في مراكز الإنزال، ما ساعد على الحد من احتكار الوكلاء والتجار، كما وفرت «قروضًا بيضاء» للصيادين، ولا سيما الفقراء وأسر الشهداء، إلى جانب تمويل رحلات الصيد.
ويدعو إلى مزيد من الاهتمام بالثروة السمكية وتخفيف معاناة الصيادين، وتنظيم عملية التسويق، وإيصال خدمات الإرشاد السمكي إلى الصيادين بالوسائل المتاحة.
وفي الجانب الزراعي، يؤكد المزارع حسين اللسامي من محافظة ذمار، أحد مزارعي البطاط، أن الزراعة تمثل مهنة متوارثة في أسرته، موضحًا أن أسرته مارست الزراعة المطرية منذ أجيال، قبل أن تنتقل منذ عام 2000م إلى الزراعة بالري عبر الآبار، مع استمرار زراعة عدد من المحاصيل، وفي مقدمتها القمح والبطاط.
ويشير إلى أن المزارعين تعاقدوا مع المؤسسة العامة لإكثار البذور المحسنة لإنتاج بذور القمح، وكانت البذور ذات جودة وإنتاجية جيدة حتى عام 2008م، قبل أن تتراجع نتيجة عوامل مناخية، منها تغيرات المناخ والرطوبة وظهور أمراض الصدأ، موضحًا أن المؤسسة تواصل البحث عن أصناف جديدة أكثر إنتاجية ومقاومة للأمراض، مع بقاء مستحقات مالية للمزارعين لم تُسدّد.
وفيما يتعلق ببذور البطاط، يوضح اللسامي أن المزارعين تعاقدوا مع الشركة العامة لإنتاج بذور البطاط، التي كانت تعتمد سابقًا على استيراد البذور من هولندا، إلا أن مشكلات الجودة وظهور الأمراض، إلى جانب شروط الاستيراد والفحص، زادت من التحديات التي تواجه المزارعين، ما دفع إلى التوجه نحو إنتاج البذور محليًا.
ويبين أن الشركة والمهندسين العاملين فيها تمكنوا من تطوير عملية إكثار البذور عبر زراعة الأنسجة وإنتاج درجات أعلى من البذور، بحيث أصبح المزارع قادرًا على استخدام البذور من 5 إلى 6 مرات مع الحفاظ على صفاتها الإنتاجية.
ويؤكد أن البذور المنتجة محليًا تتميز بجودة عالية ومقاومة للأمراض وإنتاجية مرتفعة، وفق تجربته، وأن التوسع في إنتاجها محليًا يسهم في الحد من الاعتماد على الاستيراد.
ويشير اللسامي إلى أن البذور المحلية للبطاط يمكن أن تحقق إنتاجية تصل إلى 45 طنًا للهكتار، مع قدرتها على مقاومة اللفحة، مؤكدًا أهمية مواصلة تطوير إنتاج البذور المحلية بما يخدم المزارعين.
ويدعو إلى زيادة الدعم المقدم للمزارعين وللشركة العامة لإنتاج بذور البطاط، بما يسهم في تطوير زراعة البطاط وتعزيز إنتاج البذور محليًا والحد من فاتورة الاستيراد.
وفي إطار العمل التعاوني، يؤكد رئيس جمعية كشوبع التعاونية، الأستاذ عبدالله كشوبع، أن العمل التعاوني في اليمن شهد تحولًا في دوره ومهامه، خصوصًا في القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، موضحًا أن الجمعيات التعاونية أصبحت تمثل أحد الأطر التي يمكن من خلالها تنظيم المنتجين وحشد جهود المجتمع وربط الإنتاج بالأسواق ومصانع التصنيع.
ويبين أن جمعية كشوبع تأسست في 28 سبتمبر 2018م، استجابة لحاجة المجتمع والمزارعين ومربي الثروة الحيوانية والألبان، في ظل ظروف صعبة فرضتها الحرب والعدوان والحصار، بهدف تنظيم المنتجين وتوحيد جهودهم.
ويشير إلى أن الجمعية عملت منذ تأسيسها على تنظيم المزارعين ومربي الثروة الحيوانية ومنتجي الألبان، وربطهم بالجهات الحكومية والقطاع الخاص، وتحويل الإنتاج الفردي المتفرق إلى عمل جماعي منظم.
ويوضح كشوبع أن العمل التعاوني كان موجودًا قبل الثورة، لكنه ظل محدودًا وواجه عددًا من التحديات، منها الحاجة إلى تفعيل المبادرات والموارد المحلية وربطها بخطط التنمية، مبينًا أن انتشار عدد من الجمعيات وتأثيرها كان محدودًا، وبعضها لم يتجاوز عدد أعضائه 30 عضوًا، فيما اقتصرت مهام بعض الجمعيات على الحصول على القروض أو الاستفادة من الدعم الحكومي دون إحداث أثر مجتمعي كافٍ.
ويؤكد أن مفهوم الجمعية بعد ثورة 21 سبتمبر اتجه نحو اعتبارها كيانًا تنمويًا واقتصاديًا ومجتمعيًا، مع زيادة الاهتمام بتنظيم المزارعين، وحشد المبادرات المجتمعية، وتنفيذ المشاريع، وبناء سلاسل الإنتاج والتسويق، وربط المنتج المحلي بالجهات الرسمية والمصانع والأسواق.
ويشير إلى أن المزارع أصبح شريكًا في العملية الإنتاجية، من خلال تنظيم عملية الإنتاج والتجميع والتسويق والتصنيع، وليس مجرد بائع لمحصوله.
ويبين أن العمل التعاوني في قطاع الألبان انتقل من التعامل مع إنتاج متفرق وسريع التلف إلى تنظيم عمليات جمع الحليب ونقله مبردًا وتسويقه وربط المنتجين بمصانع الألبان.
ويؤكد أن مهام الجمعيات توسعت لتشمل تنظيم المنتجين، وحشد الموارد، وتوفير المدخلات، والإرشاد والتدريب، وتنفيذ المبادرات والمشاريع، وجمع المنتجات وتسويقها وربطها بالأسواق والمصانع، وتحسين جودة المنتج المحلي.
وفي قطاع الثروة الحيوانية والألبان، يوضح أن الجمعية تعمل على تنظيم مربي الأبقار، وجمع الحليب وحفظه ونقله، والتنسيق مع المصانع، وضمان وجود سوق للمنتج، بما يسهم في الحد من الفاقد.
ويشير إلى أن الجمعية تمثل حلقة أساسية في سلسلة القيمة، تبدأ من المربي والمزارع، مرورًا بعمليات الجمع والنقل، وصولًا إلى التصنيع والتسويق والمستهلك.
ويؤكد أن الخدمات التي كانت تقدم سابقًا بصورة محدودة تطورت إلى منظومة اقتصادية أوسع تتمحور حول المزارع والمنتج والمجتمع، مبينًا أن جمعية كشوبع تركز على جمع الحليب وفحص جودته ونقله مبردًا وربطه بالمصانع، إلى جانب رفع الإنتاج والتوعية والإرشاد وتشكيل المجموعات الإنتاجية.
ويشير كشوبع إلى أن توطين صناعة الألبان يمثل مسارًا مهمًا لدعم الثروة الحيوانية وتحسين دخل المنتجين، مؤكدًا أن التوجه نحو الاعتماد على الحليب المحلي كأساس لصناعة الألبان يعزز الاقتصاد المحلي ويحد من الاعتماد على المنتجات والمدخلات المستوردة.
ويوضح أن توطين صناعة الألبان لا يقتصر على إنشاء المصانع، لأن المصنع يحتاج إلى مربي الأبقار، والمربي يحتاج إلى سوق، والسوق يحتاج إلى منظومة منظمة للجمع والنقل والتصنيع.
ويبين أن العمل في هذا المجال يتطلب رفع إنتاجية المربي، وتطوير سلاسل الإمداد، ودعم الصناعات القائمة على الحليب المحلي، وتعزيز الشراكة بين المنتج والمصنع، مؤكدًا أن نجاح التوطين يبدأ من المربي والجمعية التعاونية، بالتوازي مع استجابة الجهات الحكومية لمتطلبات التوسع
ويؤكد أن جمعية كشوبع تجمع نحو 50 ألف لتر من الحليب يوميًا، من خلال تنظيم عمليات الجمع والفحص والنقل والتسويق، مبينًا أن هذا الرقم يعكس مصدر دخل لمئات الأسر ونشاطًا اقتصاديًا متناميًا.
ويشير إلى أن الجمعية تسعى إلى مضاعفة الكمية من خلال زيادة عدد الموردين، ورفع إنتاجية الأبقار، وتحسين التغذية والرعاية البيطرية، وتطوير عمليات الجمع والنقل والتبريد، بما يسهم في تغطية حصة أكبر من احتياجات السوق اليمنية.
