واشنطن والرياض بين ضغط الميدان الإيراني واستنزاف الجبهة اليمنية
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
8 سبتمبر 2026مـ – 26 ربيع الأول 1448هـ
تؤكد المعطيات الميدانية أن الولايات المتحدة وحليفتها السعودية تخوضان أقسى اختبار استراتيجي وجودي مع تجاوز حالة “الغرق” في تداعيات قراراتهما السياسية والعسكرية الخاطئة؛ حيث تجاوزت ساحات المواجهة المباشرة لتصيب التفاصيل اليومية للهياكل الاقتصادية والمالية في واشنطن والرياض. فالمعركة لم تعد تلتهم الترسانة التسليحية فحسب، وإنما أصبحت استنزافاً مالياً حاداً يهدد الاستقرار المالي والموازنات المباشرة لكلا البلدين، وسط حالة من المكابرة السياسية في انتظار معجزة لا تأتي.
وتُظهر التحليلات العسكرية أن ستة أشهر من العمليات المطولة ضد الجمهورية الإسلامية أحدثت انتكاسة حادّة للحضور الأمريكي في الذهنية الدولية؛ ولم تعد المشكلة مجرد إحراج سياسي للإدارة الأمريكية، وإنما باتت تضرب جوهر التفوق المزعوم للولايات المتحدة والمتمثل في الاقتدار التسليحي، إذ تشكلت خلال هذه الفترة أزمة استنزاف الذخائر والقدرات المباشرة، خصوصاً صواريخ باتريوت الاعتراضية، وأنظمة ثاد، وصواريخ توماهوك الهجومية. الأمر الذي انعكس سلباً على حالة الإمداد، والحفاظ على انسيابية العمل اللوجستي للقواعد الأمريكية خلال المواجهة المهلِكة مع إيران.
أصاب الشلل القواعد العسكرية وحوّل النشاط اللوجستي إلى كابوس حقيقي ذي كلفة مالية وتشغيلية باهظة. فبعد تدمير القاعدة اللوجستية البحرية في البحرين، “أصبحت السفن الحربية والأطقم البحرية المنتشرة في بحر العرب وخليج عمان تضطر لتلقي التموين بالوقود والغذاء في عرض البحر كل خمسة أيام، وأُجبرت سفن الإمداد على قطع مسافات شاقة تصل إلى 2200 ميل نحو جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، أو 3700 ميل نحو سنغافورة عبر مضيق ملقا المزدحم، ما يستهلك كميات ضخمة من الوقت والوقود، ويضع القوات في حالة إنهاك”.
تآكل الهيكل القيادي الأمريكي المحترف
وعلى صعيد المواجهة التقنية والميدانية، صدم جيل الصواريخ الإيرانية المتطورة (مثل صاروخ “خيبر شكن” كاسر القلاع) أجهزة الاستخبارات الغربية؛ فبفضل قدرة هذا الصاروخ على المناورة في المرحلة النهائية وتغيير مساره لضرب الأهداف القاتلة، جرى اختراق المنظومات الدفاعية المتقدمة واستهداف قواعد محورية مثل قاعدة “موفق السلطي” في الأردن، وقواعد أخرى في البحرين والسعودية، ما جعل شبكة الانتشار العسكري الأمريكي عبئاً أمنياً بعد أن كانت مصدر فرض نفوذ.
ولم يقف التداعي عند حدود الميدان اللوجستي والمواجهة التقنية، وإنما تسلل إلى العمق المؤسسي لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، التي وجدت نفسها في حالة غير مسبوقة من الشك والتخبط. وتذكر صحيفة “البناء” اللبنانية، أن “الذعر من تسريبات نقص الذخيرة وتحفظات القيادات العسكرية على إطالة الحرب دفع التحقيقات الفيدرالية إلى إخضاع نحو 50 ضابطاً من هيئة الأركان المشتركة والموظفين الكبار لاختبارات كشف الكذب، وشملت الإجراءات مصادرة الأجهزة الإلكترونية وتفتيش منازل الصحفيين، ما وصفه مسؤولون سابقون بحالة من الارتياب السام وتعميق انعدام الثقة بقيادة الوزير بيت هيغسيث”.
كما تسبب هذا النهج الصارم وإقالة نحو 24 جنرالاً وأميرالاً في تآكل الهيكل القيادي المحترف، والذي تُوّج باستقالة وزير الجيش “دان دريسكول” على خلفية خلافات حادة حول ملفات التحديث التكنولوجي لشبكات المسيرات والدفاع الصاروخي، ما أوجد فراغاً قيادياً حرجاً يعرقل إقرار الميزانيات الدفاعية ويدفع بأعضاء “الكابيتول هيل” لإبداء مخاوفهم الجدية حول جاهزية الجيش. وترافقت هذه الأزمات الإدارية مع ظهور آثار الإرهاق النفسي والميداني على القوات المجهدة، والتي تم دفعها إلى الترفيه لبث الروح في معنوياتهم المنهارة بعد أشهر طويلة من الحصار والترقب الشديد أمام الشواطئ الإيرانية. كما أظهرت المشاهد المتداولة لحاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” عند وصولها إلى تايلاند وضعَها السيئ المتآكل.
سحب احتياطيات وتأجيل مشاريع
بالتزامن مع هذا النزيف الأمريكي العسكري والمالي، تجد السعودية نفسها في مواجهة معضلة اقتصادية ولوجستية غير مسبوقة تضرب شريان وجودها المالي المتمثل في توقف صادرات النفط الخام والتدفقات النقدية، عقب فرض القوات المسلحة اليمنية الحصار الصارم على ملاحتها البحرية في البحر الأحمر وباب المندب بسبب تعنتها وإصرارها على استمرار الحصار المفروض على الشعب اليمني منذ 12 عاماً.
انكمش الإنتاج النفطي السعودي بشكل كبير مع انعدام فرص تصديره، وقد حاولت شركة “أرامكو” تجاوز الحظر الملاحي عبر رفع معدلات الضخ في خط أنابيب شرق-غرب متجهة نحو ميناء ينبع على البحر الأحمر لنقل نحو 5 ملايين برميل يومياً، غير أن امتداد الضغوط والضربات المباشرة إلى الملاحة بالقرب من ينبع أجبر الشركة على التراجع والتخفيض. وحتى الحلول البديلة بنقل الخام إلى خط أنابيب “سوميد” في مصر بدت كتحرك إسعافي لم يسلم من الكلفة الزائدة وطول فترة الوصول.
هذا الانكماش الحاد في الصادرات أنتج -بطبيعة الحال- تبعات مالية خطيرة؛ حيث توقفت الإيرادات التي كانت تغذي الموازنة العامة للدولة والمشاريع الاستثمارية الكبرى في “رؤية 2030″، ما أجبر الحكومة السعودية على توجيه الإنفاق المالي نحو القروض، وسحب الاحتياطيات المباشرة، وإرجاء بعض مشاريع التحول الاقتصادي لتمويل العجز الجاري والفواتير التشغيلية المرتفعة. كما تزايدت الخسائر المباشرة بفعل تصاعد أرقام التأمين المالي البحري وعزوف الشركات الدولية عن العمل في بيئة غير آمنة.
الخيار الواقعي الوحيد أمام الرياض
في التقييم العسكري والميداني، أثبتت القوات اليمنية والإيرانية امتلاكها لأوراق ضغط في التأثير على القرار الأمريكي والسعودي معاً. وتؤكد التحليلات الاستراتيجية أن قدرة الجيشين على الإغلاق المباشر أو التهديد الشامل لباب المندب ومضيق هرمز أصابت أسواق الطاقة العالمية بضرر بالغ؛ وأثرت في ميزانيات الأسر الأمريكية مع ارتفاع أسعار البنزين والديزل في الداخل الأمريكي، ما بات يشكل تهديداً سياسياً ومالياً مباشراً للإدارة الأمريكية والكتلة الحاكمة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وفي هذا السياق المعقد، تجد القيادة السعودية نفسها أمام انكشاف استراتيجي؛ إذ تدرك أن الاستمرار في الحرب دون غطاء عسكري مباشر بات أمراً مكلفاً للغاية ومحفوفاً بالمخاطر الاقتصادية. وفي حين تسعى الرياض لجر واشنطن لقيادة حملة عسكرية جديدة ضد اليمن، ترسم الإدارة الأمريكية خطوطاً حمراء بليغة وحدوداً لأي إسهام في معركة اليمن. فردّاً على طلب بن سلمان تدخلاً أمريكياً وحرباً مباشرة ضد اليمن، حصرت واشنطن قدرتها بتوفير الدعم الاستخباراتي واللوجستي فقط، رافضةً الدفع بقواتها أو حمايتها للغرق في الطين اليمني تجنباً لفتح جبهة مواجهة استنزافية جديدة، وهو ما يضع واشنطن والرياض أمام حقيقة واضحة مفادها أن الاستمرار في المكابرة ومحاولة جر اليمنيين إلى الاقتتال الداخلي، أو التعويل على استمرار الحصار، أمر لن يغير من الحقيقة الميدانية، و”بات الخيار الواقعي الوحيد المتبقي أمام الرياض لضمان سلامة بنيتها التحتية وتدفق صادراتها النفطية هو الذهاب مباشرة نحو اتفاق شامل مع صنعاء لرفع الحصار وإنهاء الحرب”.
حين يتساوى عجز الاستمرار مع مرارة الانسحاب
وتتجاوز القراءة الشاملة للواقع الميداني المفهوم التقليدي لحرب “دولة ضد دولة”، لتؤكد أن الإستراتيجية المتبعة من محور الجهاد والمقاومة قد نجحت في “تفكيك شبكة الوجود الإقليمي” للقوات الأمريكية، وجردت قواعدها من وظيفتها الهجومية، كما كثفت الخسائر المادية المباشرة على داعميها، وصار الانتشار العسكري الأمريكي المتوزع عبر الخليج والشرق الأوسط أهدافاً مكشوفة.
تلخص دراسة للكاتب شاهر الشاهر (نُشرت في صحيفة “البناء” اللبنانية) المشهد النهائي للنزيف المزدوج قائلة: “في ظل فشل سياسات الضغط الأقصى، وإصرار الجبهات المناهضة لوجود واشنطن على مواصلة معركة قطع الشرايين اللوجستية والاقتصادية، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يقتربون بخطى حثيثة من نقطة الانهيار الاستراتيجي؛ حيث يتساوى عجز الاستمرار في خوض حرب بلا أفق مع مرارة الانسحاب الإجباري والتنازل عن جغرافيا النفوذ”.
