محللون عسكريون: العلميات الاستباقية اليمنية ردع مبكر يربك حسابات التحشيد السعودي
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
8 سبتمبر 2026مـ – 26 ربيع الأول 1448هـ
تـقـريــر || محمد ناصر حتروش
يواصل الإعلام الحربي توثيق العمليات النوعية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية عبر الطيران المسيّر والقوة الصاروخية، ضد أدوات التحشيد السعودي في المحافظات المحتلة، في مشاهد تكشف حجم الاستهداف الذي طال تجمعات العدو وألحق بها خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
ويرى خبراء ومحللون عسكريون أن استمرار هذه الضربات المتواصلة يؤسس لمعادلة استباقية الرد، وذلك بهدف كبح التحركات العسكرية للعدو قبل انتقالها إلى مراحل تنفيذية، بما يحد من قدرته على إعادة ترتيب صفوفه، ويضع مخططاته العدوانية والتآمرية أمام اختبار ميداني متواصل.
وبحسب الخبراء، فإن هذه العمليات تتجاوز نتائجها الإيجابية في تكبيد العدو خسائر مادية وبشرية مهولة لتصل إلى إرباك حساباته وتعطيل مساراته التحشيدية الهادفة إلى مواصلة احتلال الأراضي اليمنية وإبقاء البلاد تحت وطأة الحصار المفروض عليها منذ أكثر من 12 عامًا.
وتثبت المشاهد الموثقة مستوى التطور الذي حققته القوات المسلحة في قدراتها وخبراتها المحلية، إلى جانب ما أظهره الأداء الاستخباراتي من قدرة على رصد التحركات وتحديد مواقع تجمعات العدو، الأمر الذي أسهم في الوصول إلى الأهداف بدقة، وخلط أوراق العدوان، وإفشال مخططاته.
في السياق يقول الخبير العسكري اللواء خالد غراب: “مشاهد الإعلام الحربي تظهر سرعة الاستجابة في العمليات الصاروخية الناجمة عن تراكم الخبرات والاختبارات والحرفية لدى القوات الصاروخية، إلى جانب تطوير الأسلحة ومنصات الإطلاق بما يتلاءم مع طبيعة المواجهة مع العدو الأمريكي والإسرائيلي ومن معهم، وفي مقدمتهم السعودي”.
وفي حديثه لموقع أنصار الله يبيّن غراب أن منصات الإطلاق أصبحت أقل تعقيدًا وأكثر ملاءمة للتعامل مع احتمالات تعرضها للاستهداف قبل الانتشار أو أثناءه أو بعده، بما يتيح تنفيذ عملية الإطلاق بسرعة وسلاسة، وتوجيه الصواريخ وفق الإحداثيات والمعلومات المتاحة، معزياً سرعة التنفيذ إلى تعدد مصادر المعلومات الاستخباراتية والاستطلاعية، ومشدداً على أن المعلومة لا تصل إلى القيادة إلا بعد تقاطعها ومطابقتها مع معطيات واردة من مصادر مختلفة، وصولًا إلى تأكيد الهدف، قبل إحالتها إلى القوة النارية. ويرى أن ذهاب الطائرة المسيرة لتوثيق العملية يثبت مستوى الثقة بالمعلومة وأهمية الهدف، مشيرًا إلى أن تنفيذ المهمة يتم بواسطة مجموعات صغيرة ذات حرفية عالية، وأن عملية الإطلاق قد لا تتجاوز دقيقتين إلى ثلاث دقائق، وهو ما يتيح التعامل السريع مع الأهداف المتحركة. ويربط غراب نجاح الضربة باختيار نوعية السلاح بما يتناسب مع طبيعة الهدف ومساحة الاستهداف، بما يحقق إصابة نقطية دون توسيع نطاق الأضرار في محيطه.
وبحسب قراءته، فإن الوصول إلى اجتماع قيادي في منطقة نائية وبعيدة عن أعين الاستطلاع والتسريب يكشف تعدد مصادر المعلومات لدى القوات المسلحة اليمنية، بما فيها المصادر الرقمية والبشرية، وقدرتها على جمع المعلومات وتحليلها وتأكيدها. ويلفت إلى أن العدو لم يعد في وضع آمن، بعدما اضطر إلى اعتماد مراكز قيادة وعمليات متنقلة عقب استهداف غرف القيادة المركزية والثانوية، لافتًا إلى أن التجمعات القيادية باتت تتم لفترات قصيرة وفي نقاط محددة أثناء الحركة. وينوه إلى أن مشاهد الإعلام الحربي تؤكد أن عمليات الجيش اليمني تجمع بين دقة المعلومة وسرعة الاستجابة واختيار السلاح المناسب، مؤكدًا أن ذلك يمثل حصيلة تراكم خبرات القوات المسلحة اليمنية خلال سنوات طويلة من المواجهة.
وفي ما يتعلق بالتحركات السعودية، يقدّر غراب أن طبيعة مهمة قياداتها انتقلت من محاولة تحقيق أهداف هجومية إلى البحث عن النجاة وامتصاص الضربات والتمسك بالأرض، محذرًا من أن أي تصعيد سيقابل بنقل المعركة إلى الجغرافيا السعودية. وخلص إلى أن الأهداف الحيوية والاستراتيجية السعودية، بما فيها المنشآت الاقتصادية وأرامكو والموانئ، تقع ضمن خيارات الرد، مؤكدًا أن التعامل مع تحركات العدو السعودي يجري وفق خطط معدة مسبقًا، وأن ما جرى لا يمثل سوى الحد الأدنى من المواجهة.
رجوم المسيّرة تكشف تطور القدرات اليمنية
ومن أبرز ما وثقته عدسة الإعلام الحربي المشاهد النوعية لعمليات نفذتها طائرات «رجوم» المسيّرة ضد أدوات التحشيد، في عمليات وصفها خبراء عسكريون بالنوعية وغير المسبوقة، لما عكسته من تطور في مستوى أداء وحدة الطيران المسيّر. ويرى الخبراء أن هذه العمليات تمثل مؤشرًا على الارتقاء المتواصل في قدرات تصنيع الطائرات المسيّرة محليًا، وصولًا إلى مستوى يضع اليمن -بحسب تقديرهم- ضمن الدول المتقدمة في هذا المجال، رغم سنوات العدوان والحصار وما فرضاه من قيود على الإمكانات والموارد
وحول هذا الشأن يقول الخبير العسكري العميد عبدالغني الزبيدي: “إن القدرات التي وصلت إليها الطائرات المسيرة تمثل نقلة كبيرة وفائقة، وربما غير مسبوقة، في ما يتعلق بهذا النوع من الطائرات، مشيرًا إلى أن قدرتها على الطيران لمسافة تصل إلى عشرة كيلومترات وحمل أكثر من أربعين كيلوغرامًا من المتفجرات تؤكد وجود رؤية لدى القيادة في ما يتعلق بطبيعة المواجهة المباشرة.
ويوضح الزبيدي -في حديثه لموقع أنصار الله- أن هذه القدرات تتيح للطائرات المسيرة ضرب أهداف خلف خطوط العدو، واستهداف الثكنات والمواقع والتحركات، معتبرًا أن تكثيف هذا النوع من العمليات والاستهدافات من شأنه إحداث تأثير كبير في المعركة وإعاقة تحركات العدو. وفي الجانب النفسي، يرى الخبير العسكري أن تأثير هذه العمليات يكمن في تأثيرها على الأفراد الذين لم يصابوا أو نجوا من الاستهدافات، إذ يمكن أن تضعهم هذه العمليات في أزمة نفسية وتؤثر في استعدادهم لأي مواجهة مقبلة. واستنادًا إلى ذلك، يجزم الزبيدي أن استراتيجية استخدام هذه الطائرات نجحت إلى حد كبير في جانبي الرصد والمواجهة، موضحًا أن تحرك العدو في المرحلة المقبلة سيضعه أمام هذا النوع من العمليات النوعية. ويلفت إلى أن الطائرات المستخدمة حاليًا تمثل الجيل الثالث من هذه المنظومة، وأن أعدادها الكبيرة يمكن أن تمنحها دورًا مؤثرًا في المعركة، فضلًا عن امتلاكها القدرة على تنفيذ مهامها خلال الليل. ويزيد القول: “إن الكاميرات المحمولة على هذه الطائرات متقدمة وتعمل بالأشعة تحت الحمراء، ما يتيح لها الطيران ليلًا وتنفيذ عمليات نوعية، إلى جانب مهام المراقبة والاستهداف، مشددا على أن العدو السعودي وأدواته في مأزق حقيقي، خصوصًا في المواجهات المحتملة على الساحل أو في مناطق مأرب والعبر وغيرها، مرجحًا أن تكون لهذا النوع من العمليات آثار مباشرة على مستوى الأداء العسكري.
ويدرج الزبيدي التأثير النفسي ضمن النتائج المحتملة لاستخدام الطائرات المسيرة، موضحًا أن أثرها يمكن أن يطال القدرات والإمكانات العسكرية، فضلًا عن صانعي القرار وقادة غرف العمليات والقيادة والسيطرة والضباط والأفراد. وبحسب الخبير العسكري، فإن حالة عدم اليقين التي قد ترافق تحرك أفراد العدو نحو المواجهة، وعدم معرفتهم بما يمكن أن يلاقوه من خلال هذه الطائرات وما تستطيع تنفيذه ضدهم، يمكن أن تشكل عاملًا ضاغطًا على القرار العسكري والاستعداد الميداني في أي مواجهة قادمة.
بدوره يرى الخبير العسكري العميد عابد الثور أن مشاهد الإعلام الحربي الأخيرة حملت رسائل ميدانية وسياسية متعددة إلى قوى العدوان، وتؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة، في ظل ما أظهرته العمليات العسكرية من قدرات متقدمة في التخطيط والتنفيذ واتخاذ القرار على المستويات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية.
ويوضح -في حديثه لموقع أنصار الله- أن العمليات التي تنفذها القوات المسلحة، بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وغيرها من الأسلحة، ترسخ قدرتها على اختيار الأهداف بدقة في مختلف الجغرافيا، من الصحراء والساحل إلى المناطق الجبلية والوديان، وإصابة أهداف العدو وإسكات أسلحته وإفشال تحركاته العسكرية. ويتناول الخبير العسكري محاولات العدو تجميع قواته لتنفيذ عمليات هجومية في المخا ومأرب والمناطق التي تنتشر فيها القوات التابعة للعدو السعودي، معتبرًا أن الضربات الأخيرة أكدت قدرة القوات المسلحة على رصد تلك التحركات والتعامل معها قبل تحقيق أهدافها. ويضع الثور هذه العمليات في سياق تطور كفاءة الاستخبارات العسكرية اليمنية التابعة لوزارة الدفاع في صنعاء، لافتًا إلى أن توثيق الضربات بالطيران المسير يعكس دقة المعلومات وصحة الأهداف التي بُني عليها الاستهداف، باعتبار أن المعلومة الدقيقة تمثل أساسًا لنجاح العملية العسكرية.
وعلى صعيد المعركة البرية يؤكد الخبير العسكري أن ما جرى يؤسس لمرحلة جديدة من العمليات البرية، في ظل امتلاك القوات المسلحة إمكانيات تؤهلها للعمل على المستويات التكتيكية والتعبوية والعملياتية والاستراتيجية، سواء في مواجهة العدو السعودي أو غيره. ويفيد بأن القوات المسلحة باتت مهيأة لتنفيذ مختلف العمليات وعلى أكثر من جبهة، مشيرًا إلى انتشارها في الساحل الغربي والاتجاهات المواجهة للعدو السعودي، إلى جانب تعز والبيضاء وشبوة ومأرب والجوف. ويستعيد الثور تجربة القوات المسلحة اليمنية خلال المعارك السابقة؛ موضحًا أن القوات المسلحة خاضت قرابة مئة جبهة، بينها نحو خمسين رئيسية ومثلها فرعية، مؤكدًا أن قوات العام 2026 تختلف بصورة كبيرة عن أعوام 2015–2018، بعد استكمال جوانب العتاد والسلاح والقوى البشرية والتأهيل والتدريب. ويشدد على أن قوات التعبئة العامة تمثل قوة احتياطية تقارب المليون، ويمكنها الالتحاق بالجبهات خلال الساعات الأولى من المواجهة، فيما تتيح الهيكلة والتنسيق والتدريب وصولها إلى القوى المقاتلة خلال نحو 15 ساعة. وخلص إلى أن مستوى الجاهزية بلغ درجة عالية على صعيد السلاح والمعدات والقوى البشرية، مع جاهزية المخازن والإدارة للتعامل مع المعركة حتى في أصعب ظروفها.
