أكاديميون عرب.. الحشود المليونية في ذكرى المولد النبوي بوابة لوحدة الأمة الإسلامية
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
27 أغسطس 2026مـ – 14 ربيع الأول 1448هـ
يمثل الاحتفال بذكرى المولد النبوي وما رافقها من فعاليات وأنشطة متنوعة، وصولاً إلى الحشود المليونية في الفعاليات المركزية، مناسبة تستدعي الهوية، وتعيد طرح أسئلة الوحدة والحرية والاستقلال، وتربط الإيمان بالفعل والموقف بقضايا الأمة.
ويفتح هذا الحضور الكثيف الباب أمام قراءة أعمق لدلالات الحشود، ليس من زاوية أعداد المشاركين فقط، وإنما من حيث ما تعكسه من تصورات وقيم ومواقف، وهو ما يبرز في قراءات ثلاثة من الباحثين والكتاب، هم: الدكتور أحمد الشامي، والدكتور بلال اللقيس، والباحث والكاتب عدنان الصباح، الذين ينظرون إلى المشهد من زوايا مختلفة، لكنهم يلتقون عند فكرة أساسية هي أن الحشود اليمنية في ذكرى المولد تحولت إلى تعبير عن وعي جمعي يتجاوز حدود الاحتفال إلى قضايا الهوية والوحدة ومواجهة الظلم واستعادة الدور الحضاري للأمة.
الحشود تجسد وحدة اليمنيين ووعيهم الجمعي
وفي السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، الدكتور أحمد الشامي، أن خروج الشعب اليمني بملايينه إلى الساحات في ذكرى مولد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، يحمل دلالات قوية؛ في مقدمتها وحدة الشعب اليمني وتجمعه من مختلف القبائل والأطياف حول قضاياهم الخاصة وقضايا الأمة العربية والإسلامية.
وفي قراءة الشامي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمصدر هذه الحشود، وإنما بما تعنيه اجتماعياً وفكرياً؛ إذ يرى أن الشعب اليمني يعبر من خلالها عن صموده مستنداً إلى رسالة الرسول التي تهدف إلى توحيد الأمة.
ومن هنا يعتبر أن إحياء ذكرى المولد هو إحياء لذكرى أمة وليس لشخص فحسب، وتعبير عن الشكر لله على الانتماء إلى هذه الرسالة.
ويعتبر الدكتور الشامي اليمن أنموذجاً في رؤيته الجامعة لقضايا الأمة العربية والإسلامية، مستشهداً بما يركز عليه السيد القائد عبد الملك بدرالدين الحوثي في خطاباته ومختلف القيادات اليمنية، حتى في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها اليمن.
ومن هذه الزاوية، يرى الشامي أن الأمة تبحث اليوم عما يعبر عن ضميرها الجمعي، ولا تجد لذلك مثيلاً لما تجده في الرسول الأكرم، معتبرًا ذكرى مولده فرصة متجددة سنوياً لإعادة طرح الرسالة المحمدية باعتبارها مساحة قادرة على ردم التناقضات التي تعيشها الأمة.
ويتجاوز الدكتور الشامي في قراءته الشكل التقليدي للاحتفاء بالمناسبات الدينية، ليطرح سؤالاً حول الأثر الذي ينبغي أن تتركه العبادات في حياة الإنسان؛ فالصلاة والصوم والحجاب وغيرها، وفق رؤيته، ينبغي أن تؤدي إلى صناعة إنسان حاضر وفاعل ومتقدم في مختلف الساحات، وأن تتحول العبادات من ممارسة مجردة إلى فعل واقعي ينتج أثراً حضارياً وإنسانياً.
وهنا يرى أن الساحات اليمنية تقدم نموذجاً لهذا الفهم، إذ إن حضور الملايين فيها، بحسب تعبيره، يبعث برسالة مفادها أن الصلاة والصوم والحج والحجاب يمكن أن تصنع إنساناً حاضراً لمساندة الآخرين والوقوف معهم وممارسة ما يسميه “الدين الحركي”.
ويذهب الشامي أبعد من ذلك حين يعتبر أن الحشد والحضور اليمني في مختلف الساحات والمناسبات والتحديات يجسد حقيقة الدين وقيمة العبادات في صناعة الحياة، لا العيش على هامشها، رغم الحصار والأوجاع. كما يرى أن اليمن يقدم نموذجاً عملياً لأطروحة الرسول الأكرم في توحيد القبائل، وتحويل المجتمعات من حالة التوحش إلى الحضارة، وإخاء المهاجرين والأنصار، وإزالة الفروقات الطبقية خلال فترة زمنية محدودة.
وبذلك، تصبح الحشود، في قراءة الشامي، تعبيراً عن محاولة إعادة إنتاج هذا النموذج المحمدي بصورة عملية، وليس باعتباره فكرة نظرية فقط.
وينتقل الدكتور الشامي إلى شعار «الموت لأمريكا»، معتبرًا أنه يمثل، في رؤيته، ترجمة فعلية لفكرة الكفر بالطاغوت، وأن جوهر ما يقلق القوى الغربية ليس مجرد الإيمان القلبي أو ممارسة العبادات، وإنما انتقال الإنسان من الإيمان إلى رفض الطغيان ومقاومته عملياً.
وفي السياق ذاته، يربط بين الحضور في الساحات وبين ما يعتبره اختباراً عملياً لصدق الموقف، مستحضراً ما واجهه الرسول الأكرم من حصار واعتداء وصبر في سبيل هدفه.
ويضع الشامي هذا المشهد ضمن سياق عالمي أوسع، مشيراً إلى حالة التأزم الفكري والأيديولوجي والصراع والفوضى الاقتصادية التي يعيشها العالم، معتبراً أن انهيار النموذج الذي حكم العقل البشري لعقود يفرض البحث عن بديل، وفي هذا الإطار، يرى أن الحركة اليمنية تقدم أطروحتها من خلال الربط بين تحركاتها والمناسبات والقرآن.
وتكمن، بالنسبة إليه، أهمية المشهدية المليونية في أبعادها الأيديولوجية والثقافية والحضارية، وليس في بعدها الجماهيري وحده. كما يعتبر أن أهم رسالة بعثها الشعب اليمني للمجتمعات العربية والإسلامية تتمثل في امتلاك الجرأة على طرح الأسئلة وإحداث التغيير رغم قساوة المشهد وضخامته، مؤكداً أن محدودية الإمكانيات لا تعني بالضرورة العجز عن إحداث الفارق.
بذور لتحول حضاري
من زاوية أخرى، ينظر الباحث السياسي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور بلال اللقيس، إلى الحشود باعتبارها مؤشراً على وجود طاقة كامنة يمكن أن تتطور إلى تحول أوسع في شبه الجزيرة العربية؛ فهو يرى أن هذا الكم الهائل من الحضور، في ظل الظروف والتحديات الراهنة، يمثل إشارة فعلية وحقيقية إلى وجود بذور وأرضية يمكن أن تنبت على هدي الإسلام المحمدي الأصيل.
ولا يتعامل اللقيس مع المشهد باعتباره ظاهرة يمنية معزولة، وإنما يضعه في إطار قراءة لمستقبل المنطقة، وهو يرى أن طبيعة هذه الجموع وخروجها في هذا الحجم تمثل، من وجهة نظره، مؤشراً على إمكانية انتقال المنطقة من حالة يصفها بالجاهلية الجديدة إلى واقع مختلف، معتبراً أن اليمن يلعب دوراً كبيراً في هذا المسار على هدي الرسول.
ويذهب اللقيس إلى أن هذه الجموع تمثل نقلة نوعية وسابقة تسبق، وفق رؤيته، الوعي العربي والإسلامي في مسألة العودة إلى الرسول الأعظم والانطلاق منه نحو رسم المستقبل. ومن ثم، فإنه يقرأ المشهد باعتباره معطى حضارياً يمكن أن يؤشر إلى مرحلة جديدة تدخلها المنطقة وشبه الجزيرة العربية.
وفي صلب هذه القراءة، يضع اللقيس علاقة الأمة بدينها ونبيها في مقدمة القضايا، معتبراً أن مشكلة الأمة لا تكمن فقط في التحديات الخارجية، وإنما في حالة الابتعاد عن الدين والرسالة المحمدية، مستشهداً في ذلك بما أورده الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، في نهج البلاغة، ليدعو إلى إعادة نظر الأمة في ذاتها وعلاقتها بالرسول الأعظم والقرآن.
أما الرسالة الأخرى التي يستخلصها من الحشود، فتتجه إلى الخارج؛ إذ يرى أن هذه المشاهد تقول إن التغيير في الواقع العربي والإسلامي لا يمكن النظر إليه فقط من خلال المنظومات السياسية الحاكمة، وإنما يجب الالتفات إلى التحولات التي تحدث في المجتمع نفسه، وإلى القوى الصاعدة فيه.
ومن هنا تصبح الحشود المليونية، وفق قراءة اللقيس، مؤشراً على تغير عميق في البنية الاجتماعية والثقافية، وعلى ضرورة بناء علاقة جديدة مع المجتمع والقوى التي تتشكل داخله.
فلسطين هي البوصلة
أما الباحث والكاتب الفلسطيني عدنان الصباح، فيضع الوحدة في قلب قراءته للمشهد، معتبراً أن ذكرى المولد النبوي يفترض أن تشكل بوابة لوحدة الأمة؛ لأن عنوانها الرسول العظيم الذي جاء برسالة تقوم، في جوهرها، على الوحدة والإيمان ورفض الظلم.
ويرى الصباح أن المناسبة تأتي في لحظة تعاني فيها الأمة من حالة من الخضوع لأعدائها، الأمر الذي يجعل استحضار الرسالة المحمدية، بحسب رؤيته، ضرورة للنهوض والاستنهاض.
ومن هذا المنطلق، يربط بين الحشود وبين فكرة استعادة البوصلة الجامعة للأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ويقرأ الصباح كلمة السيد القائد في الذكرى من خلال أربعة محددات: “البعد الإيماني الحقيقي القائم على العمل والوحدة والنظام والمقاومة”، و”وضع القضية الفلسطينية على رأس الأولويات”، و”مواجهة الاحتلال الصهيوني والعدو الأمريكي والعدوان على الأمة”، ثم “التأكيد على الوطن وضرورة عدم انتصار الأمة بجزئياتها أو بالتآمر على بعضها البعض، وإنما بوحدتها واتجاهها نحو النهوض ومقاومة الأعداء”.
وبالنسبة إلى الصباح، فإن الملايين التي خرجت لإحياء ذكرى المولد لم تخرج فقط لتصلي وتهتف، وإنما لتؤكد أن المسيرة والبوصلة واحدة، وحين تكون فلسطين هي البوصلة، فإن المقصود، وفق رؤيته، هو القدس والقدسية وأولى القبلتين، باعتبارها قضية جامعة للأمة.
ويمكن أن تكون مناسبة ذكرى المولد النبوي مدخلاً لإعادة بناء الوعي والهوية، وتحويل القيم الدينية إلى حضور اجتماعي وموقف عملي؛ فالحشود لا تتحدث فقط عن حجم المشاركة، وإنما عن المعاني التي تحملها بالنسبة إلى المشاركين، وعن تصورهم لعلاقة الإيمان بالهوية، والهوية بالموقف، والموقف بقضايا الأمة. ومن هذه الزاوية، تتحول الساحات المليونية إلى مساحة للتعبير عن وعي جمعي يسعى إلى استعادة المبادرة، والتمسك بالهوية، وربط المناسبة النبوية بقضايا الحاضر وآفاق المستقبل.
