مأزق مضيق هرمز وسقوط الهيبة الأمريكية.. قراءة استراتيجية في تهاوي القدرات العسكرية لواشنطن

4

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
27 أغسطس 2026مـ – 14 ربيع الأول 1448هـ

في ظل تطورات متسارعة ومواجهات استراتيجية في المنطقة، تتكشف تباعاً معالم مرحلة فارقة عنوانها الأساسي تراجع النفوذ الأمريكي وانكسار هيبته العسكرية. فبين استنزاف القدرات الشامل وإخفاق الخيارات العسكرية في مواجهة صلابة محور المقاومة، تجد واشنطن نفسها محاصرة أمام حائط مسدود، وسط إخفاق اقتصادي، وممر مائي مغلق.

في هذا السياق، يؤكد الكاتب والباحث جواد سلهب أن المؤشرات والتقارير الأمريكية ذاتها تثبت وقوع استنزاف تام للقدرات العسكرية والاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، نتيجة الحرب العدوانية التي شُنت على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مشدداً على أن صمود إيران المقتدر أجبر واشنطن على الرضوخ للإرادة الإيرانية وقواتها المسلحة.

ويوضح سلهب في مداخلة له على قناة “المسيرة” أن المعتدي في الشرق الأوسط هي الولايات المتحدة التي جلبت أساطيلها وبوارجها إلى الخليج الفارسي، متجاهلة التحذيرات المبكرة التي وجهها حلفاؤها في الناتو وعلى رأسها تحذيرات مؤتمر “إيرونفال” الذي عُقد بحضور كبار قادة حلف الناتو في الثالث والرابع من فبراير، قبيل اندلاع الحرب العدوانية الأولى على إيران، حيث جرى تحذير البنتاغون الأمريكي رسمياً من خوض معركة غير متكافئة مع إيران مستندين في ذلك إلى الهزيمة الكبرى التي منيت بها الولايات المتحدة في مضيق باب المندب أمام اليمن سابقاً.

واستند الباحث في تحليله لصحيفة نيويورك تايمز وغيرها من التقارير الدولية، أبرزها استعانة واشنطن بنقل منظومات دفاعية من كوريا الجنوبية باتجاه الشرق الأوسط، وتقليص الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا لمواجهة الشح في القدرات العسكرية الأمريكية، معتبراً أن توقيع المجرم الأمريكي دونالد ترامب على مذكرة تفاهم تضم أربعة عشر بنداً رغماً عن إرادة القوات المسلحة الأمريكية يمثل انتصاراً لصالح الشعب الإيراني والقيادة الإيرانية العليا وهزيمة واضحة للولايات المتحدة التي أرغمت الدول الأوروبية وغيرها لتقف في وجه هيمنتها، بحسب تعبيره.

وفي السياق الإقليمي، يتطرق سلهب إلى الاتفاق الأخير بين طهران وسلطنة عمان، قائلاً بأن “الاتفاق الذي حصل ما بين إيران وسلطنة عمان، هو تجرؤ من سلطنة عمان للوقوف أمام هذه السطوة والهيمنة الأمريكية، والقول للأمريكي “لا، فهذا شأن إيراني عماني، ونحن نتفاهم عليه نحن والإيرانيين”، مؤكدًا أن هذا وضع الأمريكي في مأزق جعله يتراجع ويعود إلى مذكرة التفاهم التي لطالما دعت إليها الجمهورية الإسلامية عبر قياداتها، حيث قالت: “لن يحصل أي اتفاق في مضيق هرمز، ولن يفتح هذا المضيق قبل عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مذكرة التفاهم”.

ويشير إلى أن أزمة مضيق هرمز وتراجع واشنطن للعودة إلى مذكرة التفاهم بعد تعنت طويل، يؤكد أن الحجج الأمريكية حول الاتفاق المؤقت لا تعدو كونها محاولات لإرضاء الداخل الأمريكي في ظل المأزق الكبير الذي يواجهه ترامب مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر القادم، مما يعكس عجز واشنطن الفعلي أمام صمود الجمهورية الإسلامية.
أمريكا وسقوط هيبة القوة

وفي سياق متصل، يقول الكاتب والإعلامي محمد غروي إن الجمهورية الإسلامية تعرف الواقع الميداني بشكل كبير جداً، وأنه على أساس الميدان تتحدث وتتصرف وتطلق التصريحات في الإعلام بما فيها التصريحات الدبلوماسية.

ويشير إلى أن كل ما يتحدث به الرئيس الأمريكي هو غير واقعي ولا يستند إلى الميدان، فهو تارة يجعل المضيق مضيقاً أمريكياً، وتارة يقول بأن المضيق مفتوح، وتارة أخرى يتكلم بكلام مناقض لما قاله سابقاً، ما يؤكد وجود فشل استخباري وعسكري وأمني أمريكي، ووصول الولايات المتحدة إلى حائط مسدود مع الجمهورية الإسلامية.

ويوضح في حديث لقناة “المسيرة”، أن واشنطن في كل الحروب التي شنتها (الحرب الأولى والثانية والثالثة على الجمهورية الإسلامية) لم تصل إلى أهدافها، مشيراً إلى وجود انسداد في العملية العسكرية الأمريكية وغياب لأي خطة بديلة في حال لم يسقط النظام، وهو المأزق الحقيقي الذي استثمرته الجهات الإيرانية عبر معرفة الثغرات الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة والمضي قدماً من خلالها، لافتاً إلى أن ورقة إغلاق مضيق هرمز كانت ورقة كافية للضغط على الاقتصاد العالمي الذي سرعان ما ترنح مع فرض طهران منع تدفق النفط عبر المضيق الاستراتيجي العالمي، وهو ما انعكس اقتصادياً وسياسياً في الداخل الأمريكي.

وكشف بأن إيران لم تنفذ حتى الآن ما خططت له منذ عشرات السنين، وأن كل ما فعلته مجرد إغلاق للمضيق الذي عجز الأمريكي وحلفاؤه في الناتو عن فتحه، بدليل وجود 6 آلاف سفينة عالقة في الخليج لا تستطيع المرور رغم الادعاءات الأمريكية المتكررة بأن المضيق مفتوح وأنه تم إزالة الألغام البحرية.

وتساءل غروي: إذا كانت البحرية والقوات الجوية الإيرانية قد دُمرت بالكامل كما يدعي الرئيس الأمريكي، فمن يُغلق المضيق إذن؟! واعتبر أن هذا التناقض يثبت عجز واشنطن عن التنازل أو التصعيد، ما يمثل انغلاقاً سياسياً وأمنياً وعسكرياً وفشلاً أمريكيا واضحًا، جازمًا بأن ما نشهده اليوم هو بداية مرحلة جديدة سقطت فيها الهيبة الأمريكية وخسرت فيها واشنطن 18 قاعدة عسكرية في المنطقة.

ولفت إلى أن إيران تتعاطى مع الميدان على أساس أن هيبة الولايات المتحدة كُسرت، وأن حاملات الطائرات لم تعد تخيف الإيرانيين، حيث تشهد هذه القطع البحرية العملاقة تسجيل لحالات انتحار بين أفراد طواقمها بسبب عمق الفاجعة، في الوقت الذي يتكتم فيه العدو الإسرائيلي والأمريكي عن الخسائر الحقيقية.

وتحدث الباحث عن حصيلة القتلى والجرحى الأمريكيين خلال الحرب على إيران، حيث أكدت طهران سقوط خمسمائة قتيل أمريكي وأكثر من ألف جريح خلال الحرب، في حين اعترفت واشنطن بثلاثة عشر أو أربعة عشر جندياً فقط، وهو ما وصفه غروي بـ”الكذب العيان” الذي ستكشفه المشاهد الموثقة والتي تصورها الصواريخ قبل انفجارها، حيث ستُعرض في وثائقيات لاحقة لتفضح زيف السردية الأمريكية والإعلام العربي الممول الذي يتماشى معها لصنع نصر وهمي.

وختم غروي حديثه بالقول إن الرئيس الأمريكي يدعي اليوم أن المضيق أصبح أمريكياً وسط صمت مخزٍ من الدول التي تعترض تاريخياً على اسم “الخليج الفارسي”، مما يثبت أنها مجرد ذيول تسير خلف الأمر الأمريكي، مشدداً على أن المنطقة تغيرت وأن ما بعد نصر الجمهورية الإسلامية وحركات المقاومة ليس كما قبله، مؤكداً أن على الجميع قراءة الميدان على أساس سقوط الهيبة الأمريكية، والنظر بجدية إلى المشاهد المليونية الحاشدة يوم أمس في كل المدن اليمنية المباركة احتفالاً بمولد الرسول الأعظم، لأن من يتجاهل هذه الجماهير في اليمن وإيران والعراق يخطئ الحسابات تماماً ويعجز عن تحليل المرحلة الاستراتيجية الجديدة.