الغطاء النباتي في تهامة تحت وطأة المناشير الكهربائية.. نصف مليون شجرة تقطع سنوياً
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 يوليو 2026مـ – 7 صفر 1448هـ
تقريــر || أيوب أحمد هادي
تتميز سهول تهامة الخصبة ووديانها الممتدة بتنوع نباتي فريد وبيئة بكر احتضنت، على مدى قرون، أشجارًا معمرة شكّلت الهوية البصرية والبيئية للمنطقة. ومع ذلك، تواجه هذه الواحات الخضراء اليوم واحدًا من أخطر التحديات البيئية، المتمثل في “التحطيب الجائر” والعشوائي، الذي بات يهدد باجتثاث الغطاء النباتي الأصيل، نتيجة الطلب المتزايد على الفحم والحطب من قِبل الأفران والمطاعم ومعامل الحلويات، وهنا يمتد فأس الاحتطاب وأسنان المناشير الكهربائية لتعبث بأشجار السدر، والسلام، والضُبى، والضبر؛ وهي الأشجار التي تمثل الركيزة الأساسية للتوازن البيئي ومراعي النحل لإنتاج العسل اليمني الشهير.
ويطلق مدير عام الهيئة العامة لتطوير تهامة، المهندس فواز العذري، ناقوس الخطر، محذرًا من كارثة بيئية واقتصادية وشيكة، كاشفًا عن إحصائيات مرعبة لعام 1447هـ توضح حجم الاستهلاك المفرط للغطاء النباتي من قبل الأفران والمطاعم، حيث بلغت الكميات المستهلكة:
17,000 طن من الحطب سنويًا.
5,311 طنًا من الفحم سنويًا.
وهذا يعني، تدمير ما يعادل نصف مليون شجرة سنويًا، بمعدل ارتفاع مخيف وصل إلى 54% مقارنة بالأعوام الماضية.
ويحذر العذري من خطورة الوضع بقوله: «إن أشجار السدر، والسلام، والضبر تمثل أعمدة الخيمة البيئية في تهامة؛ فهي خط الدفاع الأول ضد زحف التصحر، ومأوى الحياة البرية، والغذاء الوحيد لـ “النحل التهامي”، موضحاً أن اقتلاعها عشوائيًا لا يعني خسارة شجرة فحسب، وإنما تدمير ممنهج لسلاسل إنتاجية واقتصادية كاملة.
أضرار متعددة بيئية واقتصادية وصحية
ويفصل مدير عام الهيئة الآثار التدميرية لهذه الظاهرة على ثلاثة مستويات رئيسية منها ما يلي:
أولاً: الأضرار البيئية:
وتتمثل الأضرار في تراجع مصدات الرياح الطبيعية، وارتفاع درجات الحرارة نتيجة انعدام حبس الكربون ونقص الأكسجين، إلى جانب تلوث الهواء بغبار الدخان والجسيمات الضارة. كما أدى غياب الجذور إلى إضعاف تماسك التربة وزيادة حدة الفيضانات وانجراف المغذيات، فضلًا عن تدمير التنوع البيولوجي والملاذ الآمن للحياة البرية والطيور.
ثانياً: الأضرار الاقتصادية:
حيث ضربت هذه الظاهرة قطاع إنتاج العسل التهامي الفاخر والثروة الحيوانية نتيجة تدمير المراعي الأساسية للنحل والمواشي، وتراجع إمدادات النباتات الطبية والعطرية.
ثالثاً: الأضرار الصحية والنفسية:
تمثلت في تراجع نقاء الهواء وزيادة الانبعاثات الدخانية الناجمة عن حرق الحطب في الأفران، مما يهدد الصحة العامة، بالإضافة إلى زيادة مخاطر الحرائق والتشويه البصري.
وحول الحلول البديلة لأشجار السدر والأشجار المعمرة، يوضح العذري أن الحل لا يكمن في المنع المطلق للاحتطاب، وإنما في تنظيمه بانتظام وبدون إفراط، وتوجيه بوصلة المجتمع نحو البدائل الآمنة والمستدامة.
ويدعو العذري إلى توجيه نشاط التحطيب نحو شجرة “السيسبان” (السول الخارجي)، وهي شجرة غازية تنتشر بسرعة هائلة في بطون الأودية وتنافس المحاصيل على المياه والمغذيات، مؤكداً أن تحطيبها لاستخدامها كوقود للأفران يحقق ضربة عصفورين بحجر واحد، منها توفير حطب ذي جودة احتراق ممتازة، والتخلص من شجرة غازية تضر بالزراعة، مع حماية الأشجار المعمرة.
وفي ختام تصريحه، يشيد المهندس فواز العذري بدور “الوثائق المجتمعية” بوصفها صمام أمان حقيقيًا لحماية البيئة في ظل صعوبة فرض الرقابة الرسمية على كل وادٍ، مشيراً إلى أن المواثيق القبلية والشعبية التي يوقعها عقال الحارات، والوجهاء، والمواطنون، برعاية السلطات المحلية والجمعيات الزراعية، تتضمن بنودًا صارمة تمنع قطع الأشجار المعمرة، وتفرض غرامات مالية وعقوبات رادعة بحق المخالفين بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية.
ويشيد العذري بتجربة مديرية “الحجيلة” كنموذج ملهم وناجح يُحتذى به، داعيًا كافة المديريات في تهامة إلى تعميم وإقرار هذه الوثائق لحماية ما تبقى من ثروة تهامة النباتية.
لسان حال المحطبين.. بين مطرقة لقمة العيش وسندان غياب الوعي
وللاقتراب أكثر من الواقع الميداني، ومعاينة تفاصيل المشهد عن قرب،يروي المحطب سالم بن سالم حسن (من مديرية المراوعة) مأساتهم اليومية قائلًا: «نحن ناس أميون، لا نقرأ ولا نكتب، ولم يدخل أحد منا المدرسة ليعرف ما معنى “بيئة” أو “احتباس حراري”.
ويواصل : “نخرج من الفجر إلى الأودية ومعنا مناشيرنا، لا نرى في الشجرة المعمرة سوى قيمتها التي ستشتري لنا كيس دقيق وعلبة زيت لإطعام أطفالنا، فلم نكن نعلم يومًا أن قطع شجرة سدر يقطع رزق نحال، كنا نظن أن الشجر ينبت من تلقاء نفسه”.
بيد أن هذا الجهل المطلق بدأ يتزحزح تدريجيًا لدى البعض ليحل محله وعي نسبي بالبدائل، وهو ما أكده المحطب عبده حسن فتيني، حيث أوضح الفارق في ممارسته قائلًا: «في السابق، وبسبب الجهل، كنا نقتلع الشجرة من عروقها دون أن ندرك أننا ننهي الغطاء النباتي تمامًا، لكننا اليوم، وبعد أن بدأ الوعي يصل إلينا من الناس المثقفين، تعلمت كيف أحتطب بانتظام؛ حيث أقوم بقص الفروع الجانبية والزائدة فقط من الأشجار غير المعمرة، وأترك الأصل لينمو مجددًا، كما عرفنا مؤخرًا أن شجرة “السيسبان” المنتشرة بالوديان هي البديل الآمن، والتركيز عليها هو الحل الأفضل».
من جانبه، يتحدث المحطب خالد صغير عوضة، عن دور الضوابط الشعبية في تعديل سلوكهم، معلقًا بالقول: «كنا نعيش في جهل تام بعواقب أفعالنا، وكان البعض منا يقطع أشجار الضبى والضبر والسدر المعمرة طمعًا في بيعها بأسعار مرتفعة للأفران، لكن “الوثيقة” التي وضعها عقال القرى والجمعيات، بما تحمله من عقوبات وغرامات صارمة، جعلتنا نتوقف فورًا ونعيد حساباتنا، متبعاً حديثه بالقول: “لقد تحولنا الآن نحو تحطيب “السيسبان”، ونطالب الجمعيات بمساعدتنا في تنظيم أسواق خاصة لبيع حطب البدائل حتى لا تضيع مصادر رزقنا».
الجمعيات الزراعية.. تنظيم المبادرات وفرض القيود
وعلى الجانب التنظيمي، يبرز دور الجمعيات الزراعية كحائط صد أساسي يعمل على ترجمة القوانين الشعبية لتغيير هذا الواقع؛ إذ يرى الشيخ حسن مزرية (رئيس جمعية الحجيلة التعاونية الزراعية متعددة الأغراض)، أن الكارثة تتطلب تدخلًا حازمًا، مفصلًا طبيعة التحرك بقوله: «نحن في مديرية الحجيلة نعاني كثيرًا من آثار التحطيب الجائر، والتوجه نحو الأشجار المعمرة، وترك المجال لأشجار السيسبان التي أصبحت منتشرة بشكل مخيف، وهذا يؤثر على رطوبة وخصوبة الأراضي الزراعية؛ لأن أشجار السيسبان لديها قدرة عالية على امتصاص الرطوبة وسحب الغذاء من الأشجار والزراعات المختلفة.
ويضيف : “لذا نبع من استشعارنا الجماعي بالمسؤولية صياغة وثيقة مجتمعية لحماية أشجار السدر والأشجار المعمرة، بالتنسيق مع السلطة المحلية، وعقال وأعيان المديرية، ولن نتهاون في تطبيق بنودها وضبط أي تجاوز يهدد بيئتنا واقتصادنا».
وامتدادًا لهذا التوجه الحمائي والتنظيمي، يشدد الأستاذ يحيى جماعي (المدير التنفيذي لجمعية الاكتفاء التعاونية الزراعية متعددة الأغراض)، على أن الحل لا يتوقف عند المنع، بل بابتكار خطوط إنتاج بديلة، حيث صرح قائلًا: «دورنا في الجمعيات يتعدى التوعية إلى التنفيذ العملي؛ فنحن نعمل حاليًا على تشكيل مجاميع إنتاجية من المحطبين أنفسهم لتنظيم عملية قطع شجر السيسبان الضار بالزراعة، وتسويقه بشكل منظم للأفران. هدفنا إيجاد توازن اقتصادي يحمي المزارع، والنحال، والمحطب، ونرى أن تعميم المراقيم المجتمعية على كافة مديريات تهامة هو الخطوة الأولى».
وأمام هذه الجهود، يبقى النحالون هم المتضررون الأكبر من استمرار المناشير في العبث بالمراعي، وعبر النحالون عن ترحيبهم الشديد بتلك القيود الشعبية الحازمة.
وفي هذا الصدد، يطلق النحال علي بن علي جماعي صرخة ألم تلخص واقعهم المرير: «في كل مرة نرى فيها أشجار السدر والسلام تُباد أمام أعيننا بالمناشير الكهربائية لتتحول إلى فحم، فإننا نموت قهرًا. قطع هذه الأشجار المعمرة يعني تدمير مواطن النحل ومراعيه، وتراجعًا حادًا في إنتاج العسل التهامي الذي نعتمد عليه مصدرَ دخلٍ وحيدًا».
وفي ذات السياق، يؤكد النحال محمد داوود شوعي على القيمة الاستراتيجية للغطاء النباتي الأصيل، مطالبًا بإجراءات أكثر صرامة، قائلاً: «الشجر المعمر، كالسدر والضبر والضبى، هو ثروة قومية، والنحل لا يجد غذاءه إلا في زهورها. أصبحنا نسافر ونقطع مسافات بعيدة للبحث عن مواطن هذه الأشجار؛ لأنها بدأت تقل بسبب المحطبين. لماذا لا يتوجهون نحو حطب السيسبان كبديل، ويتقوا الله في أنفسهم؟ نطالب الأجهزة الأمنية والمجتمع بالتحرك بصرامة وحزم، واعتبار قطع شجرة السدر جريمة لا تُغتفر؛ لأنها تقطع رزق مئات النحالين».
أصحاب الأفران.. شركاء في التغيير والالتزام بالبديل
وعلى المقلب الآخر من المعادلة، يقف أصحاب الأفران والمخابز بصفتهم المستهلك الأساسي لهذا الحطب، والذين أبدوا من جانبهم تفهمًا كبيرًا للمسؤولية المشتركة شريطة توفر البديل الاقتصادي؛ إذ يعترف الحاج سعيد مسعودي (صاحب فرن تقليدي)، بالدوافع التي قادتهم للاعتماد على الحطب، قائلًا: «نحن نستهلك كميات كبيرة من الحطب يوميًا لإنتاج الخبز والروتي، وما دفعنا إلى ذلك هو ارتفاع أسعار الديزل والغاز؛ فأصبحنا نعتمد على الحطب بشكل كلي.
ويواصل: “وللحقيقة، كنا نشتري أي حطب يصل إلينا دون معرفة مصدره لوجود مخرج مالي فيه، ولكننا مستعدون تمامًا للالتزام بالبدائل التنظيمية لحماية المنطقة”.
ومن منطلق هذه المسؤولية التضامنية، يربط سعيد الوصابي (صاحب مخبز ومعجنات) بين الحلول البيئية وتخفيف أعباء الطاقة، معقبًا بالقول: «أتمنى أن تعود أسعار المشتقات النفطية كما كانت في السابق حتى نتوقف تمامًا عن استخدام الحطب، فمسؤولية الحفاظ على الأشجار هي مسؤولية مشتركة. إذا توفرت لنا مادة الديزل أو الغاز بسعر مخفض، فإننا سنرفض بشكل قاطع استقبال أي شاحنة محملة بأخشاب الأشجار المعمرة.
ويبين أن التوسع في استغلال شجرة “السيسبان” كبديل استراتيجي وآمن، وتطبيقه بانتظام وبدون إفراط، يمثل الحل المثالي لمعادلة لقمة العيش وحماية الطبيعة.
ويبقى الرهان اليوم على تعميم هذه الوثائق والمراقيم في كل قرية، وعزلة، ووادٍ في تهامة، لتظل السهول خضراء، ومراعي النحل عامرة، وأشجارنا المعمرة شاهدة على هوية أصيلة تحمي أرضها للأجيال القادمة.
