خبراء ومحللون عرب يكشفون: كيف تحوّل التفوق الأمريكي إلى نقطة ضعف قاتلة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 مايو 2026مـ – 29 ذو القعدة 1447هـ
يسعى العدو الأمريكي إلى ترميم هيبته المتآكلة في المنطقة، بعد أن تعرضت لتراجع ملحوظ على وقع تحولات فرضها محور المقاومة. وفي هذا السياق، يلجأ إلى تصعيد خطاب التهديد والوعيد، مدعوماً بآلة إعلامية ضخمة تحاول تصوير مشهد انتصارٍ غير واقعي في مواجهة طهران، غير أن المعطيات على الأرض تعكس صورة مغايرة تماماً؛ إذ تمضي إيران في تكريس معادلات جديدة تعيد تشكيل موازين القوة، وتضع حداً لعقود من الغطرسة الأمريكية، لا سيما في المجال البحري.
ومع انكسار ما سُمي بـ”مشروع الحرية” العسكري في غضون 48 ساعة فقط، تثبت طهران تفوقها العسكري والسياسي والدبلوماسي في إدارة المنطقة؛ إذ لم يعد “البعبع” الأمريكي قادراً على حماية قطعه البحرية، فضلاً عن تأمين حلفائه المرتهنين، فالتطورات الميدانية في مضيق هرمز تشير إلى أن زمن الإملاءات قد ولى، ليحل محله زمن “الندية” وفرض الشروط بالصواريخ الدقيقة والمسيرات الذكية.
وتسعى واشنطن اليوم للملمة هزيمتها عبر لغة دبلوماسية “مهذبة” قسراً، تدرك أن كلفة المواجهة مع إيران تعني انهيار المنظومة الاقتصادية الغربية بالكامل.
ووفق خبراء ومحللين سياسيين وعسكريين أكدوا لموقع أنصار الله أن المنطقة تمر بمرحلة حساسة تتراجع فيها الهيمنة الأحادية لصالح محور المقاومة الذي بات الرقم الصعب في معادلة القوة والأمن العالمي، وسط ذهول أمريكي وصدمة في عواصم التبعية التي لم يعد رهانها على الحماية الخارجية سوى سراب يحسبه الظمآن ماءً.
فرض “مشروع الحرية” انتحار أمريكي
في السياق يرى الخبير العسكري اللبناني، الجنرال عمر معربوني، أن مضيق هرمز يعد عنق زجاجة استراتيجي يخضع لمبدأ “منطقة منع الدخول والوصول عبر إيران”، موضحا أن المعضلة الأمريكية لم تعد تقتصر على الصواريخ الجوالة التقليدية؛ فدخول صواريخ مثل “أبو مهدي” في الحسابات يعني أن زمن رد الفعل لدى منظومات الدفاع الجوي في القطع البحرية الأمريكية بات يقترب من الصفر.
وفي حديثه لموقع أنصارالله يقول معربوني: “واشنطن تدرك أن أي محاولة لفرض مشروع الحرية بالقوة قد تنتهي بكارثة غرق حاملة طائرات أو مدمرة بضربة واحدة لا يمكن اعتراضها، وهو ما يمثل انتحاراً سياسياً وعسكرياً”.
ويضيف: “إن تكتيك الزحام تطور من مجرد قوارب سريعة إلى مجموعات قتالية منسقة بالذكاء الاصطناعي؛ حيث تستخدم طهران أسراباً من الزوارق والمسيرات الانتحارية التي تعمل كـ “عقل واحد”، تُشغل الدفاعات الجوية بمئات الأهداف الرخيصة، بينما تتسلل الصواريخ النوعية لضرب الأهداف الحيوية، ما يجعل الاستمرارية الأمريكية مستحيلة تقنياً ومالياً.
ويشير إلى أن الألغام الإيرانية الحديثة هي ألغام “قاعية” متطورة تتحسس البصمة المغناطيسية والصوتية، وزراعتها يعني شل الملاحة تماماً لشهور، ما يؤدي لقفزة في أسعار النفط تتجاوز 200 دولار للبرميل، لافتاً إلى أن “المدن الصاروخية” المحصنة تجعل العدو “غير مرئي” يمتلك قدرة تدميرية هائلة، ما ينقلنا من مرحلة الأسطول الخامس “الآمر الناهي” إلى مرحلة “السيادة العملياتية المشتركة بحكم الأمر الواقع”.
بدوره يكشف المحلل العسكري اللواء خالد غراب أن الولايات المتحدة أوقفت مشروع الحرية العسكري بعد أقل من 48 ساعة من إطلاقه في مايو الجاري ليس تفضيلاً للخيار السلمي، وإنما لعجزها عن مواجهة الرد الإيراني.
ويؤكد -في حديثه لموقع أنصارالله- أن واشنطن حاولت صناعة “نصر مزيف” مستغلة أجواء المفاوضات في باكستان، فأرسلت المدمرتين (USS Truxtun) و(USS Mason) لجس النبض، فاعتدتا على سفينة نفط إيرانية قبل مضيق هرمز. موضحاً أن القوات المسلحة الإيرانية ردت بشكل مباشر وفوري بالطائرات والصواريخ والزوارق السريعة قبل وصول المدمرات للخط الأحمر، ما ألحق بها أضراراً كبيرة، خاصة (USS Truxtun).
ويشير اللواء غراب إلى أن أمريكا عجزت عن تمرير حتى سفينة واحدة، ولم تستجب أي شركة ملاحية لنداءاتها الإيميلية واللاسلكية خوفاً من القوة الإيرانية، مستدلاً بذوهول ترامب الذي صرح بأنه لم يتوقع قيام أي دولة بعمل عسكري ضد مدمراته كما فعلت إيران.
ويشدد على أن هذه المعادلة تبلورت خلال 48 ساعة ووضعت العالم على رجل واحدة، لتثبت أن إيران جاهزة للسلام كما هي جاهزة للحرب، وأن القوة النارية الإيرانية عجزت أمريكا عن التصدي لها.
انحسار الهيمنة الأمريكية في المنطقة
سياسياً، يعكس الانكسار الميداني الأمريكي في مضيق هرمز تحولاً استراتيجياً يتجاوز العمليات العسكرية؛ فهو يُعلن رسمياً سقوط “الوصاية الأمنية” التي فرضتها واشنطن على المنطقة منذ عقود.
ويعبر لجوء الإدارة الأمريكية لسياسة “الضغط المنضبط” عن حالة انكفاء قسري أمام تنامي قدرات محور المقاومة، حيث باتت الجغرافيا والتقنية العسكرية المحلية تتفوق على الأساطيل العابرة للمحيطات. ويدفع هذا التحول دول المنطقة المعتمدة على “الحماية المستوردة” إلى مراجعة حساباتها، بعدما ثبت بالدليل القاطع أن المظلة الأمريكية عاجزة عن حماية نفسها، فكيف بحماية وكلائها؟ إننا أمام ولادة نظام إقليمي تقوده القوى الصاعدة الرافضة للهيمنة.
وحول هذا الشأن يوضح الباحث السياسي المصري إيهاب شوقي أن هناك تحولاً في المقاربة الأمريكية؛ فبدلاً من لغة الإملاء والتهديد، تحولت أمريكا للغة أكثر تهذيباً تقوم على التفاهم والتوصل لصفقات، بعدما اكتشفت متأخرة أن التهديد لا يجدي نفعاً مع إيران وقوى المقاومة، وله مردود عكسي يزيدها صلابة.
ويؤكد شوقي -في حديثه لموقع أنصارالله- أن هذه المقاربة تبقى في إطار شكلي ولا تنفذ للمضمون بتقديم تنازلات جوهرية بسبب الغطرسة الأمريكية وصعوبة ابتلاع هزيمتها استراتيجياً، ما يفسر التخبط والمراوحة بين التهدئة والتصعيد كدليل على “العجز” وليس “التلاعب”.
وبخصوص دول المنطقة يرى شوقي أن التحول الأمريكي يعد إدراكياً وليس سلوكياً كما يضن البعض؛ حيث أدركت دول المنطقة قوة إيران وفساد الرهان على أمريكا، لكنها تبقى في الفلك الأمريكي بدافع الخوف من الانتقام الإيراني، دون أن تصل لدرجة التحول الجذري لأنها رهنت أوراقها لدى واشنطن والكيان الصهيوني.
بدورها تؤكد مدير تحرير موقع صدى الولاية الإخباري، الإعلامية اللبنانية ماجدة الموسوي، أن واشنطن بإدارتها الحربية الحالية بقيادة ترامب و”حاشيته المقاولين والمقامرين” بدأوا يعيدون حساباتهم الربحية، لتبدو لهم الحرب خاسرة اقتصادياً وتكلفتها مرتفعة جداً قياساً بالمراهنات.
وفي حديثها لموقع أنصارالله تؤكد الموسوي أن فتح مواجهة جديدة سيطال دول الجوار ويسبب انهيارات اقتصادية في أسواق الطاقة، ما يدفع واشنطن لسياسة “الضغط المنضبط” وفتح قنوات تفاوض لتجنب الانفجار.
وتشير إلى أن حلفاء واشنطن الخليجيين لم يعودوا يرغبون في تحويل أراضيهم لساحات مواجهة بعد التحذيرات الإيرانية، ولمسوا أنهم مجرد “أدوات” لحماية الكيان الإسرائيلي بلا قيمة لدولهم، فاتجهوا لتنويع الشراكات مع الصين وروسيا وإيران.
وحول “النظام الأمني المشترك”، ترى الموسوي أن الأزمة عززت القناعة بضرورته، رغم عقبات ارتهان بعض الدول لأنظمة عميلة، إلا أن هناك شعوراً متزايداً بأن الأمن لا يُستورد، مؤكدة أن المنطقة تعيش مرحلة انتقالية: لا حرب شاملة ولا سلام مستقر، وإنما إدارة توازنات عبر وساطات إقليمية ناضجة.
من جهته يؤكد الكاتب والباحث السياسي العراقي منتظر الكناني أن التحول الأمريكي من الخيار العسكري إلى مذكرات التفاهم يدل على “سذاجة العقل الأمريكي”؛ فواشنطن هي من يجب أن تقدم التنازلات لإرضاء إيران، واصفاً ترمب بالساذج الذي يتخيل نفسه “إلهاً للعالم”، لكن شوكته كُسرت وأُذل، بدليل محاولته استرضاء إيران اقتصادياً.
وفي حديثه لموقع أنصارالله يشدد الكناني على ضربة اقتصادية قاتلة؛ إذ إن تطبيق شروط إيران على مضيق هرمز سيجعل “الريال الإيراني” عملة صعبة مناكفة للدولار عبر اشتراط الدفع به مقابل النفط. ويرى أن دول المنطقة أدركت ضعف “البالون الأمريكي”، بعدما أثبتت قوى المقاومة في اليمن والعراق ولبنان انتصارها الدائم وعدم قدرة أمريكا على زعزعتها.
ويجزم الكناني بأن الإمارات “ستدمَّر عاجلاً أم آجلاً” على سواعد الإيرانيين أو اليمنيين كقصاص لدورها القذر في تنفيذ المشاريع الصهيونية، مؤكداً أن إيران والمقاومة لن يقبلوا بالإمارات كشريك استراتيجي أو اقتصادي بعدما تجاوزت قذارتها كل الحدود في التآمر على شعوب المنطقة والجمهورية الإسلامية.
