استهداف القران الكريم مرآة للخوف من تأثيره
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 مايو 2026مـ – 29 ذو القعدة 1447هـ
تقرير || وديع العبسي
لم يعد الأمر يرتبط بتوقيتات تكرار الإساءة إلى القرآن الكريم؛ فالسلوك الغربي الصهيوني الهمجي مستمر، ويأتي في السياق نفسه الهادف إلى بث روح الانهزام في نفوس المسلمين، وعلى طريق الحملة العدائية الصريحة التي تستهدف الإسلام والمسلمين. غير أنه في ذات الوقت يؤكد حالة الفراغ الروحي لدى الصهاينة والغرب الداعم للحركة حين لا يكون بمقدورهم استشعار عظمة المقدّس الديني، والارتقاء بسلوكهم تجاه الآخرين.
سلوك الإساءة يؤكد -أيضاً وبشكل واضح- أن الحركة الصهيونية تعيش فعلياً حالة من الإحباط والشعور بالتيه والعجز أمام المسلمين، الذين أوقفوا نموهم وأعاقوا مشاريعهم التوسعية وكلّسوا طموحاتهم عند ذات المربع والمساحة رغم الخسائر التي بذلوها مادياً وبشرياً.
الصهاينة المخططون والغرب المنفذ —وفي ما تعنيه مثل هذه التحركات— في اغتراب واضح عن الشعارات التي ظلت تلوكوها الدول الاستعمارية ردحاً من الزمن، كالتسامح والتعددية، والانفتاح والديمقراطية، والعدالة والحرية؛ بينما تعكس مثل هذه التجاوزات والتعدي على المقدسات نزعتهم العنصرية تجاه المسلمين، فضلاً عن الاستخفاف بالإجماع الدولي الذي أكد -غير مرة- وقاحةَ تحركات من هذا النوع تزيد من توتير مناخات التعايش، والذي تَبنَّى أيضاً من خلال الأمم المتحدة في 26 يوليو/تموز 2023 قراراً بتوافق الآراء، يدين جميع أعمال العنف ضد الكتب المقدسة باعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي.
الصهيونية تدفع “الدُمى” إلى مسالك منحطة
قناعة الحركة الصهيونية بأن أذرعها الأمريكية و”الإسرائيلية” يعيشون فعلياً الهزيمة —حتى مع ما نجحوا في استهدافه قتلاً وتدميراً في المنطقة من فلسطين إلى لبنان إلى اليمن إلى إيران إلى سوريا— ليست إلا مظاهر استعراضية يُراد منها أن تكون رادعة ودافعة لمحور “لا” لأن يدخل في ركب الخضوع؛ لهذا تلجأ الحركة بين الفترة والأخرى لتحريك “دُماها” لدخول مسالك منحطة في الفكر والقيم ضد الإسلام الذي يحمل كل القيم.
يعيش هؤلاء اليوم أدنى مستويات الروح المعنوية والشعور، بعد أن استهلكوا كل أوراقهم لفرض رؤيتهم الصهيونية في تغيير المنطقة وإعادة توزيع قِطع الكعكة الجغرافية. وبقاءُ الوضع على هذا الحال من الجمود يزيد من تآكلهم؛ فهو الذي يعني انكسارهم ومواجهتهم بعجزهم عن إحداث أي اختراق استراتيجي في جدار الصد المقاوم.
زد على ذلك أن جمودهم الحاصل اليوم —رغم ما ارتكبوه خلال أكثر من عامين من أعمال بلطجة— ليس اختيارياً، وإنما إجباري بفعل الاقتدار عالي المستوى الذي ظهر به محور المقاومة، فأمسك دفة إدارة المواجهات، وحدد طبيعة النتائج.
الغالبية “خلف الستار”
هذا الوضع العصي على التغيير الذي تطمح إليه الكائنات الصهيونية هو الذي يدفعهم اليوم مرة أخرى للتنفيس عن حالة الغيظ التي يعيشونها باستهدافهم القرآن الكريم، ولا شجاعة في الأمر. وفيه استخفّ قادة الواجهة الصهيونية من أمريكان و”إسرائيليين” بكل الأنظمة التابعة، التي قبلت على نفسها البقاء خلف الستار مكتفية بالتلصص لمعرفة ما يجري، ومفرِّطة بأقدس مقدساتها (القرآن الكريم) الذي يعني الانتصارُ له انتصاراً لواقعها وتمكينها من القوة لمواجهة أعداء الدين والأمة.
لم يعد في فعل استهداف القرآن الكريم حتى قياس مستوى ردة الفعل، لعلم قادة الفوضى بأن الغالبية كما هُم.. خلف الستار، ولعلمهم أيضاً من أين سيأتي الرفض، مع الاستفادة من الفعل —بطبيعة الحال— لتكريس حالة العجز في نفوس الدول المتبلدة والمقيدة بحسابات يمكن تجاوزها بامتلاك القرار.
ولأنه -كما هو واضح- فعل متشنج لا ينم عن حكمة أو خبرة سياسية في التعاطي مع القضايا المعقدة، فإن لأعداء القرآن أن يتوقعوا أن حالة غضب كامنة وسط الشعوب العربية والإسلامية حتماً ستنفجر يوماً كالسيل الهادر، وستجرف كل الصهاينة ومندوبيهم، ولا يبدو الأمر ببعيد؛ فتراكم فعل التعدي والانتهاك لمقدسات ملياري مسلم بالتوازي مع تراكم حالة الكبت الناتج عن قمع الأنظمة لشعوبها لا يمكن إلا أن يتحول إلى بركان.
مردّ قوة المسلمين وعزتهم
في الشق الآخر مما يشير إليه فعل التعدي على القرآن، نجد القناعة تترسخ لدى الملايين -إن لم نقل المليارات- حول العالم بأن الغرب عموماً، والحركة الصهيونية خصوصاً، يدركون أن الحالة الإيمانية التي ولدت هذه القوة المؤثرة لدى قوى محور المقاومة —قليل العدة والعدد— مردها هذا الكتاب العظيم الذي يأبى عليهم الخنوع والاستسلام، ويأبى عليهم القبول بوضعية الاستباحة وتكرار صناعة الأزمات والتوترات وإشعال الفتن والحرائق في الوسط العربي والإسلامي، كما يأبى عليهم التماهي مع المخططات الهادفة لتحويلهم إلى أتباع وحاشية لخدمة أعداء الإسلام والقرآن الكريم.
وعليه تبدو محاولة استهداف صمام أمان الأمة، والداعم لها بالقوة والتمكين، أمراً ساذجاً؛ فإنه إنما يولد نتيجة عكسية تزيد من حالة الاستنكار والاستنفار لتأديب هذه القوى “التافهة” التي تقف خلف مثل هذه الأفعال، ولا يمكن لهذه القوى إطلاقاً تطبيع تلقّي المسلمين لمثل هذه المشاهد المتكررة.
ويبقى عليهم مواجهة حقيقة ما يسببه القرآن الكريم لهم من حالة خوف وفزع؛ ليس فقط “لأنه قذف باطلهم، وقطع حججهم، ونسف ثوابتهم، وأبان عن مكنونات صدورهم، وحال بينهم وبين غاياتهم، بآياته البينات، وحججه الدامغات القاطعات”، وإنما ليقينهم بأنه موطن عز الأمة ونهضتها، وأنه الأساس الذي من خلاله يمكن أن تتحقق لهذه الأمة الرفعة والتقدم إن هم أخذوا به.
سيأتيهم نبأ الجماهير
أما محور المقاومة —على قلة إمكاناته— فإنه -مع ثباته في مواجهة الغطرسة الإمبريالية- ثابت في الرفض لهذا السلوك الهمجي الذي يقوده الكيان الإسرائيلي وتوفر له الحماية الولايات المتحدة. وسترى شرذمة الصهيونية الجموعَ الشعبية وهي تخرج يومياً، سيرى الفئات والطبقات أفراداً وجماعات وهم يرفعون عبارات الثبات والتأكيد على الجهوزية للجم المنفلتين من القيم والأخلاق، والساقطين إلى مستوى الحيوان الذي لا يدرك عواقب تحركه ولا يستشعر مسؤولية أفعاله. يقول السيد القائد: “شعبنا العزيز بهويته الإيمانية، كان ولا يزال حاضراً في ميدان الجهاد، وحاملاً لراية الإسلام، وسبَّاقاً في المواقف المناصرة للقرآن، والرسول، والإسلام، كما كان أسلافه وآباؤه الأنصار”. ويقول: “شعبنا العزيز كان ولا يزال مستجيباً لنداء الحق والمسؤولية الإيمانية، حاضراً بكل قوة؛ ولهذا فإنَّه لن يسكت تجاه هذه الإساءات المتجددة، والحملات الصهيونية المستمرة بكل أشكالها”.
وستُبرِز الجموع عظمة تمسك المسلمين بكتابهم الكريم وعدم التنازل عنه أو التفريط به مهما كانت التحديات والمؤامرات. والشعب اليمني —السبّاق دائماً بتوفيق من الله للتعبير عن غيرته على المقدسات ورفضه منهج البلطجة الذي يُمارس ضد الأمة— بدأ فعلاً الجُمعةَ الماضية وقفاتِه ومسيراتِه الهادرة، للتأكيد بأن الحالة الجهادية دفاعاً عن الإسلام والكتاب الشريف لا تزال قائمة بفعل استمرار أعداء الإسلام في استهدافه.
الحرية بالرؤية الإبستينية
يظهر في فعل الإساءة الجديد مسعى الحقد الصهيوني لإطفاء جذوة الإسلام، وتحويله إلى مجرد ثقافة لا تتجاوز حدود خزن المعلومات التاريخية للحديث عنها في مناسبات معينة وانتهى الأمر، فيما تبقى أقصى مظاهره وطقوسه في الصوم والصلاة والحج لمن استطاع إليه سبيلاً دون أن يكون لهذه العبادات أي تأثير على صعيد التحرك لرفع راية الإسلام، ورد الظلم عن المظلومين، ونشر السلام وقيم المحبة والإخاء.
كما لا تغيب عن هذا الفعل ثقافة إبستين وإن بأشكال مختلفة؛ فيأتي تداول هذا السلوك باعتباره انتصاراً للحرية، وما هو إلا تعبير عن ارتهان للثقافة الإبستينية من عبدة الشيطان والذين مثّلوا قوام الفضائح؛ فهؤلاء الشواذ لهم فلسفتهم الخاصة في تعريف الحرية، وإنما يرون الحياة في عالم منفلت تغلب فيه لغة المصالح والرغبات بغض النظر عن وسائل تحقيقها؛ لهذا لم يشهد العالم ضجة في المساءلة والمواجهة لأبطال الفضائح، أو موجة استقالات، أو اعتذارات، أو أي فعل ينتصر للقيم مساوٍ لوزن الحدث.
