الحروب الهجينة والإدراكية.. هندسة الفوضى الأمريكية الصهيونية وتزييف الوعي
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
25 أبريل 2026مـ – 8 ذو القعدة 1447هـ
تقرير || عباس القاعدي
يثار مصطلح “الحروب الهجينة” بكثرة بعد توقف العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدخول في هدنة يصفها الكثيرون بالهشة.
ويرى باحثون أن الحرب الهجينة تأتي بعد انعدام الوضوح بين السلم والحرب؛ فكل شيء يبدو رمادياً، لا صوت رصاص واضح ولا اتفاق سلام نهائي، فقط تحركات غامضة توحي بأن المعركة جارية في الخفاء، حيث تشتعل المواجهة دون أن تُعلن.
وفي السياق يقول الخبير والمحلل العسكري العميد مجيب شمسان إنّ “الحرب الهجينة، استراتيجية عسكرية معقدة تمزج ما بين أدوات القوة الصلبة، وبين الحرب السيبرانية، والاختراقات الإلكترونية، والتضليل الإعلامي، والتشويش، والشائعات، والضغط الاقتصادي، والعمليات الاستخباراتية، وصولاً إلى توظيف التنظيمات الإرهابية”، موضحًا أن هذه الحرب تهدف إلى فض العلاقة ما بين القيادة، والحاضنة الشعبية، وزعزعة كل عناصر القوة داخل الدولة.
ويضيف شمسان، أن العدو الأمريكي والصهيوني، يستخدم الحرب الهجينة في أي عدوان يشنه على أي دوله، ويركز أولاً على خلخلة المجتمع من الداخل، والقضاء على عناصر القوة فيه، ليسهل عليهم استخدام القوة الصلبة في القضاء على هذه الدولة، وهذا ما يُشير إليه بعض الخبراء مؤكدين أن الحرب الهجينة “تستخدم لتحقيق أهداف سياسية دون خوض حرب شاملة صريحة”، وتتميز هذه الحروب بـ “الغموض” في الفضاء الرمادي بين السلم والحرب.
معركة جارية في الخفاء
ويؤكّد الخبراء أن أبرز ما يميّز الحرب الهجينة هو انعدام الوضوح بين السلم والحرب؛ فكل شيء يبدو رمادياً، وأمّا المفهوم الحديث للحرب الهجينة وبحسب مجلة “إيكونوميست”، فقد شاع بواسطة “فرانك هوفمان” -وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) وباحث في الدفاع وكتب عدة دراسات عن الصراعات الفوضوية في العراق وأفغانستان وأماكن أخرى، وكيف تغيرت التكتيكات وكان الخط الفاصل بين المدنيين والمقاتلين مشوشاً.
ووفقاً لمجلة “إيكونوميست”، فإن الحروب الهجينة تتضمن مجموعة من أنماط الحرب المختلفة، بما في ذلك حرب المعلومات والتضليل، واستهداف التماسك الاجتماعي، والقدرات التقليدية والتكتيكات والتشكيلات الإرهابية التي تشمل العنف العشوائي والإكراه والفوضى الإجرامية، التي تثيرها أمريكا والعدو الصهيوني في كل الحروب، وهذا ما يُشير إليه العميد شمسان؛ بأن العدوان على إيران، استبق بأعمال إرهابية وتخريبية في الداخل الإيراني، في محاولةٍ لزعزعة الأمن والاستقرار، وكان يجري مع ذلك التنسيق لعمليات عسكرية، مؤكّداً أن القوات الإيرانية أفشلت الخطة الأمريكية، بعد أن تمكنت من كشف المخطط الأمريكي والسيطرة على الأوضاع في الداخل.
أساليب وخصائص الحرب الهجينة
وحول أساليب وخصائص الحرب الهجينة، التي تمارسها أمريكا والعدو الصهيوني، فقد تطرق إليها السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي -يحفظه الله -في خطابه الأخير بمناسبة الذكرى السنوية للصرخة، مبيّناً أن قوى الاستكبار وعبر وسائل إعلامها وأدواتها في المنطقة، تستخدم ترسانة كبيرة لتضليل وتزييف الحقائق، بالإضافة إلى الحرب الناعمة التي تعمل على إفساد الأمة، وعلى إضلالها، وهي تترافق مع مسار المواجهة في الحرب الصُلبة التي هي جزء من الحروب الهجينة.
وتتمثل أساليب الحروب الهجينة، في الحرب السيبرانية، التي تقوم على اختراق البنى التحتية الحساسة، والتجسس الرقمي، وتعطيل الشبكات، وحرب المعلومات والتضليل، التي تمارس نشر الأخبار الكاذبة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لزعزعة الاستقرار الداخلي، والضغط الاقتصادي، المتمثل في استخدام العقوبات، والحصار، أو التلاعب بالأسواق والعملات، بالإضافة إلى استخدام الجماعات الإرهابية، والمرتزقة، والعمليات الاستخباراتية والتخريب، المتمثلة في الاغتيالات، أعمال التخريب الممنهج، واختراق الأجواء بطائرات مسيّرة.
أمّا خصائص الحرب الهجينة، فإنها تتمثل في الغموض والإسناد، واستهداف التماسك الاجتماعي، والتركيز على إضعاف نظام الدولة الداخلي وثقة المواطنين في حكومتهم، والمرونة والتكيف، والقدرة على تغيير الأساليب بسرعة لتناسب نقاط ضعف الخصم.
وفي السياق ذاته، يؤكّد الباحث الإيطالي “إيمانويل بيتروبون” في إحدى دراساته التي جاءت ضمن الملف رقم 42 يوليو 2023م، من إصدارات مركز “مكيافيللي” للدراسات السياسية والإستراتيجية بـ”فلورنسا”، الذي أتي تحت عنوان “الحرب الإدراكية.. التهديد الهجين الجديد”، أن أمريكا تُعدّ أهم الفاعلين في الحروب الهجينة حاليًّا “بمسار بدأته في 1953م، وطورت أدواتها فيه خلال العقدين الأخيرين، لا سيما في حقل العلوم العصبية، والسلوكية والاجتماعية.
استراتيجية صهيونية فاشلة
وفي قراءةٍ للاستراتيجية الأمريكية الصهيونية الجديدة التي تشهدها المنطقة، يرى العميد شمسان أن أمريكا والعدو الصهيوني، يعتمدان في الاستراتيجية الجديدة، على الأثر المتراكم لجولات متعدّدة من الحروب العدوانية والضربات العسكرية المتكرّرة التي تستخدمها أمريكا، مع تحريك الخلايا الإرهابية التي يتم توظيفها أو إدخالها إلى الداخل لتعميق حالة الجراح التي تتسبب بها الضربات الأولى، مشيراً إلى أن ما حدث في سوريا منذ 2011م، من تراكمات للأحداث وصولاً إلى إسقاط النظام وسيطرة التنظيمات الإرهابية، نموذج يؤكد حقيقة ما يحاول العدو فرضه على إيران ولبنان، بمعنى جولة من المواجهة يتبعها تهدئة، وأثناء عملية التهدئة والتفاوض، تتحرك الجماعات الإرهابية وتقوم بالسيطرة.
ويوضح شمسان، أن الأمريكي كان يتوقع من خلال تطبيق هذه الاستراتيجية على إيران، وأن يصل إلى نتيجة بعد تراكم تلك الآثار التي تؤدي إلى إسقاط النظام، على غرار سوريا، لكن هذه الاستراتيجية فقدت مفاعيلها، أمام الشعب الإيراني الذي أفشل كل مخططات العدو، وجسد نموذجًا في الوحدة والاخوة، أمام دولة ونظام يتحرك وفق مشروع إيماني ديني، يصعب على العدو التأثير عليه، كونه ينظر إلى الاستشهاد بأنه جزء من الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها؛ إمّا النصر وإمّا الشهادة.
وبالتالي؛ فإن كل المخططات أو التحركات والتكتيكات الصهيونية -بحسب شمسان- هدفها الأساسي الوصول إلى إسقاط الدولة بدءًا من القطاع المدني، ومحاولة إثارته على الدولة، لكن ما حصل في إيران أسقط هذا المخطط، حيث أن خروج الشعب الإيراني إلى الشوارع والبقاء لساعات متأخرة من الليل، شكّل الرافعة الأساسية لصمود القيادة والقوات المسلحة الإيرانية.
الحرب الادراكية وتداعيتها
وبخصوص الحرب الادراكية، يرى خبراء، أنها وريثة الحرب النفسية، مع بعض التطوير والاختلاف، وتجمع معاً بعض عناصر الحروب السيبرانية والمعلوماتية والإلكترونية، وتسعى هذه الحرب، وفق ورقة صادرة عن حلف الأطلسي وجامعة “جون هوبكنز” عام 2020م، إلى جعل الخصم يدمّر نفسه من الداخل؛ فيما يعرّفها الباحثون بأنها تسليح الرأي العام من قبل جهة خارجية، وجعله غير قادر على مقاومة أهداف الجهة المعتدية أو ردعها.
وفي هذا الصدّد، يرى الخبير العسكري العميد مجيب شمسان، أن الحرب الإدراكية تسعى إلى تغيير المعايير التي تحدّد من خلالها المجتمعات من العدو ومن الصديق؟ وما هي الأولويات؟ وهل نستطيع أن ننتصر؟ وما هي جدوى المقاومة؟ ويخلقون حالة من الإحباط، وبالتالي يكون من وجهة نظر الأعداء أن النتيجة المتوقعة هو الاستسلام للعدو.
ويوضح شمسان أن العدو يسير في عدوانه على مبدأ الحرب الإدراكية، فيما يتعلق بطبيعة المخطط الاستخباري والعمليات التخريبية، مؤكدًا أن العدو أثناء تحركه إعلاميّاً، يتحرك ميدانيّاً ويقوم بعمليات الاغتيال والتخريب، التي تعزز من صورة الرواية الإعلامية التي يريد أن يقدمها العدو، بأنه سيتم القضاء على القيادات في أي دولة، أو أن الدولة لم تعد بتلك الإمكانية، وأصبحت قدرتها على فرض السيطرة الأمنية ضعيفة؛ وبالتالي لم تعد هذه الدولة قادرة على الاستمرار ويسقط نظامها.
وتعتبر الحرب الادراكية شكلاً متطوراً من الحروب الهجينة، تُستخدم فيها التكنولوجيا والمعلومات، خاصة الفضاء السيبراني والذكاء الاصطناعي، لتغيير إدراك الأهداف البشرية “الأفراد والمجتمعات” والسيطرة على كيفية تفكيرهم، وتُعد أقوى وأعمق من الحروب المعلوماتية والنفسية، حيث تمثل الحرب الإدراكية “تسليحاً للرأي العام” وتحول العقل البشري إلى ساحة معركة رئيسية في الصراعات الدولية الحديثة.
وتنطوي الحرب الإدراكية على التضليل المعلوماتي والنفسي والهندسة الاجتماعية، وتعمل على تحفيز الأفراد على التصرّف بطرق تؤدي إلى تعطيل أو تفتيت مجتمع متماسك لديه معتقدات ومبادئ يؤمن بها، معتمدةً على أدوات وأساليب معينة، بعضها مألوف وتقليدي، مثل الحرب النفسية العسكرية “الخداع، المنشورات”، والمتحدثون الرسميون، والدبلوماسية، والتأثير عبر وسائل الإعلام، إضافة الى أدوات “الصحافة المكتوبة والتلفزيون” في حين أن البعض الآخر جديد ومستمد من العالم الرقمي، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي.
وتلعب استخبارات الأعداء دورًا رئيسيًا في الحرب الادراكية، في التأثير على الشعوب المستهدفة وعلى المواقف والسلوكيات من خلال تعديل إدراك الأفراد والجماعات، وذلك لتحقيق مزايا معينة على الطرف المستهدف، حيث تسعى عمليات المجال المعرفي إلى الاستيلاء على العقول، وتغيير أفكار وإدراكات الخصم لتشكيل قراراته وأفعاله، وهذا ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى استنزاف إدراك المجتمع وقادته.
