لماذا لا يطيق الاقتصاد الغربي كلفة التصعيد مع الجمهورية الإسلامية؟
ذمــار نـيـوز || تقارير ||
25 أبريل 2026مـ – 8 ذو القعدة 1447هـ
تقرير || محمد ناصر حتروش
تشهد الساحة الإيرانية ثباتاً نوعياً في مواجهة العدوان “الأمريكي-الصهيوني”، حيث انتقلت طهران من مرحلة الصبر الاستراتيجي إلى مرحلة الردع والندية الذي يمزج بين الحزم الدبلوماسي والسيادة الميدانية على الممرات المائية الحيوية.
ويتجلى هذا التحول في صمود الجمهورية الإسلامية أمام محاولات الابتزاز السياسي الأمريكي، رافضةً التفاوض تحت وطأة الحصار أو المبادرات منقوصة السيادة التي لا تضمن حقوق الشعب الإيراني.
ووفق خبراء ومحللين سياسيين، تُعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية مركز ثقل يدير أزمة طاقة عالمية ويتحكم في تدفقات الاقتصاد الدولي عبر ورقة مضيق هرمز الاستراتيجية.
ومع تصاعد العدوان الأمريكي والصهيوني على طهران، تبرز وحدة الموقف الإيراني في ربط أي تهديد لأمنها القومي بتهديد مباشر لمصالح القوى الغربية، مؤكدةً أن زمن الإملاءات قد ولى؛ إذ يؤكد سياسيون أن هذه المسارات السياسية والفنية والجيوسياسية لطهران تؤسس لمرحلة جديدة من مواجهة الغطرسة الأمريكية وتثبيت نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب لا مكان فيه للهيمنة الأحادية.
في السياق، يؤكد الباحث السياسي هادي أفقهي عدم وجود رغبة لدى طهران حالياً في خوض جولة ثانية من المفاوضات مع الإدارة الأمريكية، مرجعاً ذلك إلى التعنت الصارخ لأمريكا والكيان وعدم الوفاء بعهود وقف إطلاق النار.
وفي حديثه لقناة “المسيرة”، يشدد أفقهي على أن الحصار البحري الأمريكي على طهران غير قانوني، واحتجاز السفن التجارية يمثلان “خطوطاً حمراء” تمنع أي تقارب بين طهران وواشنطن، معتبراً أن الحديث عن مفاوضات في ظل استمرار الانتهاكات هو ضرب من العبث.
ويفند أفقهي طبيعة الحراك الدبلوماسي الأخير، مؤكداً أن زيارة وزير الخارجية عباس عراقجي إلى إسلام آباد هي “استشارية بامتياز” وليست منصة لقاء مع الجانب الأمريكي، ومحذراً من الشخصيات التي يرسلها البيت الأبيض والمنحازة كلياً للطرف الصهيوني.
وتثبت طهران من خلال إصرارها على عدم التفاوض الحالي مع أمريكا إدراكاً إيرانياً عميقاً لمحاولات “الالتفاف السياسي” التي تمارسها واشنطن؛ حيث ترفض إيران الفصل بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني، ليمثل الإصرار على رفع الحصار قبل الجلوس إلى الطاولة انتصاراً لمنطق السيادة وفشلاً لسياسة -الضغط الأقصى- التي تحاول واشنطن إحياءها تحت مسميات متعددة.
وحول هذا الشأن، يوضح الكاتب والباحث السياسي الإيراني حسين رويوران أن -مضيق هرمز- يعد أداة ضغط مشروعة بيد إيران لمواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني وتحقيق تطلعات الشعب الإيراني.
وفي حديثه لقناة “المسيرة”، يؤكد رويوران أن طهران لن تفرط بهذه الورقة ما دام التهديد الأمريكي قائماً، مستندةً إلى اتفاقية البحار لعام 1958 التي ترهن العبور بكونه آمناً وغير مهدد للأمن القومي، مستهزئاً من الادعاءات الأمريكية حول إرسال كاسحات ألغام، ومعتبراً إياها -أسطوانة مشروخة- تفتقر للمصداقية الفنية، ومؤكداً أن السيادة الإيرانية على المضيق هي واقع ميداني لا يخضع للتقديرات الشخصية أو التصريحات الإعلامية الواهية التي تصدر من البيت الأبيض.
ويتناغم هذا الموقف الميداني مع الصلابة السياسية لإيران؛ فالمضيق يعد صمام أمان ليس لإيران وحسب، وإنما لكافة محور المقاومة؛ فطهران حولت التهديد الأمريكي إلى فرصة لفرض قواعد ملاحة جديدة يبرهن على قدرة إيران على تحويل ثقلها الجيوسياسي إلى قوة ردع اقتصادية قادرة على هز أركان النظام المالي العالمي.
وعن التداعيات الكلية لهذا الردع، يؤكد الخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور حسن سرور أن الأزمة الناتجة عن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران باتت أعمق وأخطر من “صدمة 1973″، مهددةً بانهيار الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وفي حديثه لقناة “المسيرة”، يؤكد سرور أن استمرار الحصار في هرمز قد يؤدي خلال أسابيع إلى -شلل عالمي- في حركة الطيران نتيجة فقدان وقود الكيروسين، لافتاً إلى الارتفاعات الجنونية في أسعار الغاز التي بلغت أرقاماً قياسية، محملاً الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عن هذا الانهيار، وموضحاً أن التباين داخل الموقف الغربي يعكس فشل واشنطن في حشد حلفائها خلف مغامرة غير محسومة النتائج تضر بمصالحهم الحيوية.
ويشير إلى أن هذه المعطيات الاقتصادية تضع العالم بأسره أمام حقيقة واحدة مفادها أن كلفة العدوان على إيران باهظة ولا يمكن احتمالها، لافتاً إلى أن ربط -أمن الوقود- العالمي بـ “أمن إيران” هو قمة الذكاء الاستراتيجي الذي تمارسه طهران، مما يجعل أي تصعيد عسكري أمريكي انتحاراً اقتصادياً للدول الغربية التي تعاني أصلاً من تضخم غير مسبوق.
وتظهر الأحداث الجارية أن إيران تدير مشهد المواجهة مع قوى الهيمنة والاستكبار العالمي باقتدار عالٍ، متجاوزةً محاولات العزل الجغرافي والسياسي؛ فرفض طهران التفاوض مع المعتدين وفق تهكماتهم السياسية وإصرارها على فرض السيادة على مضيق هرمز، يرسم ملامح استراتيجية إيرانية شاملة لا تقبل بأنصاف الحلول.
ويمكننا القول إن طهران نجحت في نقل المعركة إلى عمق المصالح الحيوية للعدو، محولةً -أوراق القوة- إلى حقائق ميدانية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية قادمة، لتوصل رسائلها النارية للعالم اليوم بأن استقرار المنطقة والازدهار العالمي يمران حتماً عبر احترام سيادة إيران وحقوق شعبها، وأن أي مغامرة عدوانية أخرى ستعني إغلاقاً شاملًا لنظام الهيمنة القديم، وفتح الباب على مصراعيه أمام فجر جديد يمتلك فيه محور المقاومة زمام المبادرة والقرار.
