السيد القائد يضع الأمة أمام مرآة الواقع.. حتمية الوعد الإلهي وسراب التطبيع

4

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
26 فبراير 2026مـ – 9 رمضان 1447هـ

تقريــر || عبدالقوي السباعي

المتأمل للمحاضرة الرمضانية الثامنة للسيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- يرى أنّها كسابقاتها، جاءت لتضع الأمة أمام مرآة الواقع؛ لتلحظ تيهها الناتج عن تقصيرها، لا عن عجزها، وحقيقة عدوٍ يتجاوز بفكره وسلوكه حدود الطغيان البشري المعهود، نحو استكبارٍ يستبيح الإنسانية ذاتها.

وحين يعيد السيد القائد بناء الوعي الجمعي على ركائز السنن الإلهية، يضع وعد الآخرة، كحتميةٍ تاريخية تقابلها غفلة الحاضر كخطيئةٍ وجودية بكل آثامها وتبعاتها، وتبرز أمامنا أعظم محطات التبيين والوعي.

المبتدأ الذي انطلق منه السيد القائد “حتمية السقوط”، هي رؤية لا تستند إلى موازين القوى المادية القاصرة التي تعتمد عليها مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية، وإنّما إلى ناموسٍ إلهي يرتبط بعدل الله وحكمته وقدرته، والذي يأبى أنّ يظل الطغيان سقفًا أبديًّا للبشرية، خاصة حين يبلغ “العلو الكبير” الذي فاق عتو الفراعنة وتجاوز حدود التوصيف البشري للإجرام.

حين يغوص المحلل في ثنايا المحاضرة، يجد أنّ السيد القائد يضع إصبعه على الجرح الغائر في جسد الأمة: “حالة التيه”، إنّه توصيف دقيق لملياري مسلم يمتلكون الجغرافيا والثروة والقوة، لكنهم يعيشون الاستضعاف كخيارٍ ناتج عن التقصير والتخاذل، لا كقدرٍ مفروض.

وهُنا تبرز الرسالة الجوهرية؛ فالأزمة تكمن في غياب “الارتباط الإيماني” الذي يحول هذه الإمكانات إلى فعل مجاهد للكفر والطغيان مقاوم للظلم والجبروت، لقد شخّص السيد الحالة بأنها “تيه وضياع مرير”؛ إذ تهرول أنظمة برمتها نحو “التطبيع”، وهو المصطلح الذي فككه القائد ببراعة ليظهره على حقيقته: “ولاء مطلق للعدو” وإذعان مهين لسياساته، وقبول بموقع “الدونية” الذي وضعه الصهاينة للعرب والمسلمين في الأدبيات “التلمودية” العنصرية.

المقارنة القرآنية التي استدعاها السيد القائد بين عتو فرعون و “العلو الكبير” لبني إسرائيل في هذا العصر، تفتح آفاقًا واسعة لفهم طبيعة الصراع؛ فالعدو الحالي هو ذروة الإفساد في الأرض، ليس مجرد كيان احتلالي مؤقت، وهو ما يستدعي بالضرورة وعد الآخرة الذي وعد به الله عباده “أولي البأس الشديد”.

وفي هذا السياق، يبرز التبيين القرآني كأداة للوعي؛ فالمطبعون الذين ينظرون للمقاومين كـ “حمقى” يفتقرون للخبرة السياسية، هم في الحقيقة الغارقون في الجهل والسطحية والحماقة، من باب التحليل العلمي للنتائج، لأنهم يراهنون على كيان “لا يبتني على أسس صحيحة قابلة للبقاء”، كيان يقتل الأطفال ويتباهى مجندوه بإبادة الحياة، ويمارس سادية مطلقة نابعة من ثقافة ترى الآخر “حيوانات في أشكال آدمية”، وهذه الرؤية التأملية للسيد القائد تكشف أنّ الصراع هو صراع وجودي وقيمي، وليس مجرد خلاف حدودي أو سياسي يمكن تسويته في أروقة الدبلوماسية.

ومن منظور الوعي الاستراتيجي، ربط السيد القائد بين “الجهل بالله” وبين الولاءات الخاطئة؛ فمن يجهل سنن الله في نصرة المستضعفين، ومن يغيب عن ذهنه أسماء الله الحسنى كـ “العزيز، الجبّار، والقهار”، سيسقط حتمًا في فخ الخوف من أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي.

المنطق الذي قدّمه السيد القائد يضع الأمة أمام مسؤوليتها المقدسة؛ إمّا العودة إلى الله وتنفيذ الالتزامات الإيمانية والعملية لتكون في ركب “التدبير الإلهي”، أو الاستمرار في اللهث وراء أمريكا التي وصفها بأنها “شريك مطلق” في الجريمة، مؤكّدًا أنّ “وعد الله الصريح” بالاستخلاف والتمكين والنصر هو مشروط بـ “تنصروا الله” و “عملوا الصالحات”، وهي الحركة الواعية التي تصحح وضعية الأمة وتخرجها من دائرة الاستباحة إلى دائرة العزة والكرامة.

والرسالة الأعمق التي تضمنتها المحاضرة هي دعوة لكسر هيبة الزيف؛ فالعدو الذي يمنع دخول المصاحف إلى غزة، ويستبيح الدماء في لبنان وفلسطين، هو في الحقيقة يعيش حالة رعب من الوعي المستيقظ؛ فالسيد القائد، ومن خلال قراءته للآيات الكريمة، يؤكّد أنّ سنة الله لا تتبدل، وأنّ هذا الطغيان ليس سوى مقدمة لانهيار هائل سيتبره الله “تتبيرًا”.

وبناءً عليه؛ فإن التحرك الشعبي والمواقف العملية التي تنطلق من ثقة مطلقة بوعد الله، هي الكفيلة بتغيير واقع الأمة، ونقلها من حالة الشعور بالاستضعاف إلى حالة الشعور بالقدرة على صناعة التاريخ، وهذا ما يتجلى لنا في محاضرة السيد القائد كخارطة طريق للتحرر من العبودية المعاصرة للقوى الاستكبارية، وكنداء للعودة إلى الذات الإيمانية، وتحذير من مغبة الركون إلى الأعداء الذين لا يرون في الشعوب العربية والإسلامية سوى أدوات للخدمة أو أهدافًا للقتل.

بالمحصلة؛ فالوعي الذي يبثه السيد القائد هو السلاح الأمضى والأقدس في مواجهة الترسانة الصهيونية؛ لأنه وعي يربط الأرض بالسماء، والسياسة بالقيم، والواقع بالوعد الإلهي الحق؛ فالمعركة اليوم، هي في ميادين الوعي، حيث يسقط الوهن وتولد إرادة النصر من رحم التمسك بهدي الله، ليكون الفتح القريب ليس مجرد أمل، وإنّما يقينًا يراه المؤمنون رأي العين.