خبراء عرب يتحدثون عن معركة البحر الأحمر: تحوّل استراتيجي يكشف هزيمة الهيمنة الأمريكية وصعود اليمن كفاعل عسكري مؤثر
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
13 يناير 2026مـ –24 رجب 1447هـ
أظهرت المعركة في البحر الأحمر تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الصراع البحري والإقليمي، بعدما فرضت القوات المسلحة اليمنية معادلات ردع جديدة أربكت الولايات المتحدة وحلفاءها، وأخرجت أحد أهم الممرات البحرية في العالم من دائرة السيطرة الغربية.
وفي قراءات لخبراء عسكريين واستراتيجيين عرب، تتكشف أبعاد هذه المعركة بوصفها محطة مفصلية في توازنات القوة، وانعكاسًا لأزمة عميقة في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية.
معادلة الردع اليمنية ومدرسة التصنيع والابتكار:
العميد علي أبي رعد أكد للمسيرة، أن اتساع القوة لدى الدول الكبرى يؤدي بالضرورة إلى اتساع الثغرات، معتبرًا أن ما جرى في البحر الأحمر مثال واضح على ذلك، حيث تمكن اليمنيون من تغيير خارطة الملاحة البحرية الدولية وإدخال الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في معركة استنزاف غير متكافئة.
وأوضح أن القوة اليمنية، رغم كونها قوة ناشئة تعتمد على التكنولوجيا المحلية والإرادة السياسية، نجحت عبر الصواريخ والمسيرات والطائرات الدرون في صناعة معادلة ردع جديدة لم تكن في حسابات أعظم القوى، وهو ما لا تزال الولايات المتحدة وبريطانيا تحاولان تفسيره حتى اليوم.
وأشار إلى أن التهديدات الأمريكية، بما فيها ما أطلقه دونالد ترامب من وعيد، والغارات المكثفة التي بلغت مئات الضربات، فشلت فشلًا ذريعًا في تحقيق أي هدف استراتيجي أو تحييد القدرات اليمنية.
ولفت إلى أن الصواريخ الفرط صوتية اليمنية تمكنت من اختراق سبع طبقات دفاع جوي والوصول إلى أهدافها، ما أدى إلى تهديد مباشر للبحرية الأمريكية ودفع بعض قطعها إلى الانسحاب شمال البحر الأحمر.
وبيّن أن إسقاط الطائرات الأمريكية واستنزاف الذخائر بلغ حد اعتراف قادة عسكريين أمريكيين بعدم توفر مخزون كافٍ، مؤكدًا أن الاشتباك الطويل أسهم في تراكم الخبرات اليمنية وتوسع ميادين الاشتباك، ما سيظهر أثره في المستقبل.
واستشهد بتقارير إعلامية إسرائيلية، بينها تقرير في “يديعوت أحرونوت”، تحدثت عن النتائج الكارثية للإسناد اليمني على ميناء أم الرشراش، الذي ما يزال مغلقًا بعد أن كان يستقبل سنويًا نحو 150 ألف سيارة وتجاوزت إيراداته 75 مليون دولار، قبل أن يتحول إلى مرفأ يتلقى مساعدات حكومية غير كافية.
واعتبر أن اليمن بات مدرسة متكاملة في التصنيع العسكري والتخطيط والتكتيك والدفاع الجوي والبحري والصاروخي، مستندًا إلى عقيدة قائمة على الاعتماد على الله، إضافة إلى قدرة تعبئة بشرية غير مسبوقة، حيث خرج أكثر من مليون عنصر تعبوي خلال عامين رغم استمرار الحرب.
[إسقاط أسطورة البحرية الأمريكية: اليمن يفرض حرباً ضارية ويعيد تشكيل مسرح العمليات العالمي
هزيمة موصوفة وتغيير الجغرافيا السياسية:
من جهته رأى الخبير العسكري العقيد عمر معربوني أن الاعترافات الأمريكية تمثل ترجمة واضحة لهزيمة حقيقية، مشيرًا إلى أن اليمن غيّر مفهوم المعركة البحرية بشكل كامل، وأجبر الولايات المتحدة على إعادة النظر في عقيدتها البحرية.
وأوضح في مداخلةٍ على قناة المسيرة، أن اليمن بات شريكًا أساسيًا في رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة، انطلاقًا من قاعدة مفادها أن النفوذ يمتد إلى حيث تصل الصواريخ، لافتًا إلى وصول الصواريخ اليمنية إلى البحر المتوسط والمحيط الهندي.
وأكد أن اعتراف القادة العسكريين والسياسيين الأمريكيين بالهزيمة يعكس تحولًا استراتيجيًا خطيرًا، لأن الهيمنة الأمريكية قائمة على ربط القواعد العسكرية عبر الأساطيل البحرية، وأي اختراق لهذا الرابط يهدد مجمل استراتيجية الهيمنة.
وأشار إلى أن إسقاط 22 طائرة مسيّرة أمريكية حرم الولايات المتحدة من الاستطلاع التقني القريب والدائم، ما أفقدها القدرة على تحديد بنك أهداف دقيق، وهي ثغرة خطيرة يمكن أن تستفيد منها أطراف أخرى في مواجهات مستقبلية.
ولفت إلى انسحاب الأساطيل الأمريكية نحو شمال البحر الأحمر وبقائها في مرمى الصواريخ اليمنية، مستشهدًا بتوصيف قائد بريطاني لتحول باب المندب إلى “بوابة الدموع”، في اعتراف بانتهاء السيطرة الغربية على هذا الممر.
واعتبر أن البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي باتت خارج السيطرة الأمريكية والبريطانية، وأن اليمن رسّخ نفسه قوة وطنية ذات بعد قومي وعالمي، ليصبح “حارس البوابة الجنوبية للأمة”.
ولفت إلى أن دخول اليمن على خط الإسناد شكّل المفاجأة الاستراتيجية الثالثة في الصراع العربي بعد حرب أكتوبر وطوفان الأقصى، مؤكّدًا أن هذا الدخول غيّر مسار المعركة وفرض اليمن شريكًا قسريًا في رسم الجغرافيا السياسية المقبلة، وأن تجربته ستُدرّس في المعاهد الاستراتيجية والكليات العسكرية.
[نهاية عصر الهيمنة: اختبار اليمن يكسر رابط الأساطيل الأمريكية ويعرض نموذجًا لقوى التمرد العالمية
فشل أمريكي وغربي شامل أمام إرادةحقيقية:
بدوره أكد الخبير في الشؤون العسكرية، العقيد أكرم كمال سيروي أن ما تحاول الولايات المتحدة تقديمه هو خطاب دعائي، في حين أن الواقع يثبت تكبدها هزيمة واضحة في البحر الأحمر على المستويات الميدانية والعسكرية والاستخباراتية.
وأوضح في حديثه للمسيرة، أن واشنطن فشلت في تحديد أهداف عسكرية حقيقية داخل اليمن، وكان بنك أهدافها ضعيفًا، ما أدى إلى استهداف مواقع مدنية ومراكز معروفة دون تحقيق إنجاز عسكري، كما فشلت في حماية قطعها البحرية من الصواريخ والمسيرات اليمنية، وخسرت أكثر من عشرين طائرة استطلاع متطورة وثلاث طائرات “إف 18”.
وأشار إلى أن ترامب نفسه أقر بهذه الهزيمة حين أشاد بالقوات اليمنية ووصفها بالشجاعة، في سابقة نادرة بعد حرب مباشرة.
وبيّن أن الخسارة الأكبر تمثلت في فقدان السيطرة على مضيق باب المندب، الذي يمر عبره أكثر من 40 بالمئة من التجارة البحرية العالمية، مؤكدًا أن الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على البحر الأحمر وباب المندب أصيبت في مقتل.
ورأى أن المعركة تجاوزت الخسائر المادية إلى ضرب هيبة الولايات المتحدة وقدرتها على فرض الردع، معتبرًا أن اليمن سجّل نموذجًا أسطوريًا في مواجهة القوة الأمريكية.
وأوضح أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن دعم “إسرائيل” طوعًا، بل أُجبرت على الانسحاب من معركة البحر الأحمر بعدما وجدت أن الاستمرار سيكلفها خسائر أكبر، رغم استمرار دعمها العسكري والمالي والاستخباراتي لتل أبيب.
وأكد أن ترامب لم يجرؤ على خرق الاتفاق مع صنعاء؛ لأنه يدرك العواقب وقد عرف ماذا تعرّضت له القوات البحرية الأمريكية وعلى رأسها حاملات الطائرات.
وشدد على أن المعركة كانت معركة إرادة وصمود، حيث فشلت واشنطن في كسر الإرادة اليمنية رغم استخدام حاملات الطائرات والبوارج والقاذفات، مقابل مشهد شعبي يمني نادر خرج فيه الملايين بعد كل عدوان، داعمين قواتهم المسلحة.
وأشار إلى أن إصابة حاملات طائرات أمريكية واضطرارها إلى الانسحاب شكل تحولًا استراتيجيًا في قدرة الولايات المتحدة على حماية بحريتها، وأن قطعها البحرية تحولت إلى أهداف مكشوفة في مواجهة الصواريخ والمسيرات اليمنية، ما أجبرها على تغيير استراتيجيتها والانسحاب من المعركة.
وبهذه المداخلات والتصريحات، تكشف قراءات الخبراء الثلاثة أن معركة البحر الأحمر محطة استراتيجية أنهت وهم السيطرة البحرية المطلقة، ورسخت اليمن لاعبًا عسكريًا فاعلًا، وألحقت بالاستراتيجية الأمريكية هزيمة موصوفة أعادت رسم معادلات الردع والجغرافيا السياسية في المنطقة.
