من الوقفات إلى النفير.. القبيلة ترسم بساحاتها ملامح السيادة والاستقلال
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
17 أكتوبر 2026مـ – 6 جماد الاول 1448هـ
تقرير | وديع العبسي
على ذات إيقاع النجاحات التي تجترحها القوات المسلحة يتصاعد الزخم الميداني للقبيلة اليمنية؛ قلعة اليمن وحصنه التاريخي الذي تكسرت على أبوابه كل محاولات العصابات الاستعمارية للنيل من هذا البلد. وعلى امتداد خارطة اليمن الحر تتعاظم لقاءات القبائل المسلحة ووقفاتها الاحتجاجية والتعبوية اليومية، ليظل هذا الحضور -كما كان دائماً- الركيزة الأساسية والمعادلة الحاكمة في خط المواجهة الراهن ضد العدوان السعودي.
وكما كانت القبيلةُ صانعةَ التحولات الميدانية والضامنَ الاستراتيجي لاستقلال القرار الوطني وكسر معادلات الحصار والاستكبار، ينطلق اليوم حراكها المتدفق في مختلف المديريات والمحافظات مترجماً التفاعلَ مع التوجّه الوطني نحو التحرر والاستقلال. وتُترجِم الوقفات القبلية، التي تعجُّ بها مختلف المناطقِ الحرة بشكل شبه يومي وإعلانات النفيرِ العام المباشِرة، الرفضَ الصارم لسياسات العدوانِ السعودي الذي أراد لليمن أن يبقى رهنَ المزاجِ السعودي. كما تُسجِّل اللقاءاتُ المسلحةُ موقفَ القبيلة الهادف إلى قطع الطريقِ أمام محاولات تكريس حالة سلب السيادة، أو إدامةِ الحصارِ والخناق الاقتصادي على الشعبِ اليمني. كما تتجلى الاستجابة القبلية الواسعة والمتصاعدة لدعوات التعبئة العامة بالحضور المتعاظم في الساحات والميادين، وتحويل الوقفات إلى منصات إعلان سياسي وعسكري موحد؛ يوجه رسائل مباشرة وحازمة للرياض وداعميها بأن الاستمرار في النهب والمماطلة والسلوك العدواني ستقابله الخيارات الاستراتيجية المفتوحة والتصعيد الميداني الشامل، الذي يمتلك فيه أبناء القبائل بأسهم الشديد وقدرتهم التكتيكية والشعبية على إرباك أوراق العدو.
جاهزية عالية ونفير عام
وتتضح محوريةُ القبيلة اليوم في خطاب القيادة السياسيةِ والعسكرية، حيث يُنظَر إليها باعتبارها صمامَ أمان الجبهة الداخلية، والرافد الميداني الحاسم لمعاركِ التحرر والسيادةِ الوطنية. وفي هذا السياق يُشدِّد قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي على هذا الدورِ الجوهري، مؤكداً أن “القبيلة اليمنية تمثل عمقاً اجتماعياً وأخلاقيا، ورمزاً حقيقيا للكرامة والوفاءِ والثبات. وهي الركيزة الأساسية للصمودِ الشعبي في مواجهة العدوانِ والوصاية الخارجية”، وداعياً القبائل باستمرارٍ إلى “الحفاظِ على أصالة هويتها الإيمانية، والتصدي المباشر لمؤامرات الأعداء التي تسعى لشقِّ الصفِّ الوطنيِّ وتفكيك النسيج الاجتماعي وإذكاءِ الصراعاتِ البينية”.
هذا الخطاب القيادي لا شكّ يمنح الحراك القبلي غطاءً تعبوياً وشرعيةً نضالية، تجعل من الوقفاتِ المسلحة والتحشيد العسكريِّ عملاً استراتيجياً منظما يربط المسار الشعبي بالمسارَيْنِ العسكري والسياسي للدولة، ويجعل من صمودِ القبائلِ وثباتِها خط الدفاعِ الأول عن الثرواتِ السياديةِ والمنافذِ البرية والبحرية والكرامة الوطنية.
ويتجاوز الواقع الميداني للقبائلِ -اليوم- مجرد الحشدِ والتظاهر، ليتشكَّلَ كقوةِ ضغطٍ مؤثّرةٍ تفرض معادلات الردع في وجه الرؤية السعوديةِ التي بنت رهاناتِها على إنهاكِ الداخلِ اليمني بالحصار. كما تُؤكِّدُ بيانات اللقاءات القبلية المسلحة -باستمرار وبصوت واحد وجرأة عالية- أن “صبر القبائلِ اليمنية على الحصار والمماطلةِ وحرمان الشعبِ من ثرواته النفطية والغازية لن يدومَ طويلاً، وأنَّ الجاهزيةَ العاليةَ والنفير العام هما الخيار الأوحد لاستعادةِ الحقوقِ المنهوبة، وكسرِ العدوان، وإغلاق ملفِّ الوصاية إلى غيرِ رجعة”.
يؤكد عضو المجلس السياسي الأعلى محمد علي الحوثي أن “قبائل اليمن أثبتت للعالم أجمع أنها العصا الغليظة في وجه كل مستكبر وطامع، وأن تحالف العدوان السعودي إذا لم يجنح للسلم الجاد ويلبِ مطالب الشعب اليمني المحقة والإنسانية في إنهاء الحصار والاحتلال وتسديد المرتبات من الثروات السيادية، فإن القبيلة اليمنية جاهزة بأسلحتها وبأسها لتلقينه دروساً أشد قسوة وإيلاماً في الميدان”.
بُنية أكثر وعياً بأبعاد المعركة
يشكل الضغط الجماهيري المسلح، الذي تمارسه القبائل في الساحات، ورقة قوة في مواجهة التسويف، أو الحلول الترقيعية، أو تجزئة الحقوق الإنسانية، أو الالتفاف على الاستحقاقات المصيرية للشعب. وعلى هذا يُقرأ تأكيد القبيلة الدائم على الجهوزية لاستعادة كامل الحقوق المسلوبة، وعلى رأسها الثروات السيادية والموانئ والمطارات وإخراج القوات الأجنبية. وهو تأكيد لا يقف عند حدود التهديد الإعلامي أو الشعارات الشفهية، بل يرافقه رفد متواصل للجبهات بالمقاتلين وقوافل العطاء العينية والمالية التي تسيرها القبائل بكل سخاء وثبات. وهذا الواقع يبرهن للنظام السعودي وداعميه الدوليين أن المراهنة على شق الصف الداخلي، أو إشعال الفتن القبلية والمناطقية، قد فشلت تماماً أمام ثبات وثائق الشرف القبلية والتلاحم الشعبي العريض؛ الذي جعل من القبائل تشكيلات تعبوية ولجاناً مسلحة تساند المؤسستين العسكرية والأمنية، وتؤمّن الجبهة الداخلية بشكل كامل وحاسم.
وعلاوة على ذلك، أظهرت التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة أن البنية القبلية أصبحت أكثر وعياً بأبعاد معركة التحرر من سطوة الطواغيت؛ برؤية لا تنحصر على الجغرافية اليمنية، وإنما تمتد إلى خارطة الأمة الإسلامية، ومن هنا فإن الوقفات المسلحة والمسيرات العامة لم تكن تنفصل عن تأكيد ثباتها مع قضية الأمة المركزية المتمثلة في مظلومية الشعب الفلسطيني، وأن ذلك يقع أصلاً في قلب العرف والتحرك القبلي.
الرافد الأكبر لخيارات التحرر
وفي تصريح لرئيس حكومة التغيير والبناء الشهيد أحمد غالب الرهوي -قبل استشهاده- عن هذه الديناميكية، أكد أن “وعي القبيلة اليمنية اليوم تجاوز النطاق الجغرافي والقبلي الضيق، ليصنع نموذجاً استثنائياً وفريداً في أمة العرب والمسلمين؛ إذ تنطلق الوقفات القبلية المسلحة من إحساس عميق بالمسؤولية الإيمانية والوطنية لنصرة المستضعفين، سواء في مواجهة العدوان والحصار على اليمن، أو في مساندة الشعب الفلسطيني في غزة وكافة الأراضي المحتلة، لتؤكد أن القبيلة اليمنية هي الرافد الأكبر والأقوى لكل خيارات التحرر والأصالة، ورفض الهيمنة الاستكبارية”. هذا التصريح يبرز واقع القبيلة وهي تشكل عمقاً استراتيجياً فعلياً لليمن، يتعدى حدوده التقليدية ليصنع حضوراً فاعلاً ومؤثراً في ميزان القوى الإقليمي والدولي.
وفي القرى والأحياء والمديريات، تتحول الوقفات واللقاءات المسلحة إلى قنوات تعبوية لا تتوقف، تشحذ النفوس وتربط المواطن بمستجدات التحديات الميدانية والسياسية. وتأتي البيانات الحازمة لتؤكد أن “النفير العام المستمر ليس ترفاً ولا استعراضاً إعلامياً، وإنما استجابة واعية لضرورات المرحلة، وتلبية لنداء السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في مواجهة كل أشكال الاستكبار والعدوان”.
ويؤكد باحثون أن هذا الحراك الذاتي المستمر يضمن بقاء المجتمع القبلي في حالة استنفار قتالي ومعنوي دائم، ويحبط كافة محاولات التخدير السياسي، أو الحرب النفسية، والتضليل الإعلامي الذي يشنه الإعلام السعودي وحلفاؤه لإضعاف المعنويات أو تحييد المجتمع. ولا شك أن البأس الشديد الذي يتسم به أبناء القبائل، والمدد المتواصل الذي يقدمونه للجبهات، زادا من تأثير القبيلة كفاعل في مسيرة التحرر والبناء؛ فخيرة كوادرها ورجالها الأوفياء حاضرون دائماً في جبهات القتال وورش التصنيع العسكري. وهذه “القدرات العسكرية المتنامية والقوية ما كانت لتؤتي أكُلها وتُحدث هذا الفارق في ميدان المواجهة لولا البأس القبلي الصلب والإسناد الشعبي غير المحدود الذي يحمي ظهر القوات المسلحة ويمنحها الزخم الميداني للاستمرار في المواجهة وتوجيه الضربات المباشرة مهما بلغت التضحيات والتحديات”. وهذا التكامل الفريد بين التقدم العسكري الميداني والموروث القبلي المقاتل يشكل العقبة الكؤود التي تتحطم عليها كل المخططات العسكرية والتكتيكية لقوى الشر.
الحصار لن يكسر إرادة القبيلة اليمنية
وإلى ذلك، يكسر استمرار حضور القبيلة بهذه الفاعلية الرهان السعودي على الورقة الاقتصادية وسياسة التجويع والحصار؛ فالقبائل التي تقدم زكاة أموالها ومحاصيلِها الزراعية ورؤوس ماشيتها دعماً للمرابطين في الثغور، ترسل رسالة اقتصادية وسياسية وميدانية حاسمة للسعودية وداعميها، مفادها أن الحصار لن يكسر إرادة القبيلة اليمنية، ولن يدفعها إطلاقاً للتخلي عن سلاحها وكرامتها وسيادة أرضها.
إن إعلان النفير العام والجهوزية القصوى لاستعادة الحقوق، بما فيها ملف المرتبات ورفع الحصار الكلي عن الموانئ والمطارات واستغلال الثروات الوطنية لخدمة أبناء الشعب كافة، يجعل من تحرك القبيلة حركة مطلبية وسياسية وعسكرية متكاملة الأركان. وفي واحدة من أهم الآثار الإيجابية لاستمرار الوقفات القبلية، يبرز تعزيز دور القبيلة اليمنية في المعركة المعاصرة وحماية السلم الاجتماعي الداخلي، وإفشال محاولات الاختراق الاستخباري وتغذية الصراعات الثأرية التي يسعى الأعداء لإشعالها؛ إذ تعمل الوقفات واللقاءات المسلحة بشكل مباشر على توثيق الأخوة ورص الصفوف. كما أن إبراز وثيقة الشرف القبلية والعمل بها كمرجعية رئيسية تحرّم الاقتتال الداخلي، توجّه بوصلة السلاح والجهاد حصراً نحو المعتدي الخارجي وأدواته. وهذا الوعي القبلي يثبت أن القبيلة في اليمن استطاعت تطوير آلياتها الذاتية لتتحول من مجرد بنية اجتماعية تقليدية إلى منظومة مقاومة شعبية واعية ومتماسكة، تدرك غايات العدوان وأساليبه الخبيثة، وترد عليها بمزيد من التلاحم والتعبئة والاستنفار الشامل.
الوعي بجشع الأطماع الخارجية
ويؤكد وجهاء ومشايخ اليمن في لقاءاتهم التعبوية المشتركة أن “السلوك العدواني المستمر والحصار الخانق من قبل السعودية لم يزد القبائل إلا تلاحماً وصلابة ورغبة في المواجهة”، موضحين أن “القبيلة اليمنية تعي جشع الأطماع الخارجية في موقع اليمن وثرواته وجزره، ولن تسمح بمرور أي مخطط يهدف إلى وضع البلاد تحت الوصاية أو سلب قرارها السياسي والميداني”.
وتضع هذه التصريحات القبلية قوى العدوان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستجابة الصريحة لمطالب الشعب اليمني المشروعة وإنهاء كافة أشكال العدوان والحصار والاحتلال، وإما تحمل تبعات المواجهة المفتوحة والتصعيد الشامل الذي سيطال مصالح العدوان الحيوية والاستراتيجية. وتؤكد البيانات المتلاحقة الصادرة عن القبائل اليمنية أن “الجهوزية الميدانية للقبائل هي الضامن الأكيد لتحقيق أهداف الاستقلال ومنع العدو من اقتطاع أي جزء من الأرض أو الاستئثار بفرص الحلول السلمية على حساب الحقوق السيادية”.
هذه البيانات والمواقف الميدانية لا تعكس مجرد حماس لحظي، وإنما تعبر عن رؤية استراتيجية تعتبر أن أي تراجع أو مهادنة أمام الضغوط الخارجية سيكون ثمنه ضياع المستقبل والأصالة القبلية والكرامة الوطنية التي صانها الأجداد عبر التاريخ.
خيارات العزة والكرامة والتضحية
وفي الوقت الذي تراهن فيه السعودية على كسر هذه الإرادة بالحصار والتضييق الاقتصادي، تثبت القبيلة -في كل وقفة ومسيرة- أن خيارات العزة والكرامة والتضحية هي ثابت لا يمكن التفاوض عليه أو شطبه من المعادلات الميدانية. فيما أضحت هذه الوقفات المسلحة بمثابة المولّد الرئيس للطاقة المعنوية والتعبوية التي تجعل المجتمع ككل في حالة استنفار قتالي دائم.
وبهذا الإيقاع المؤثر والمباشر، تنجح القبائل أيضاً في الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية ضد كافة محاولات التفكيك الاجتماعي الشامل والحروب الناعمة والنفسية التي يشنها الإعلام الخارجي وأبواقه، حيث تحرص القبائل في بياناتها على تأكيد أن “وحدة الصف الداخلي وتحريم أشكال الاختلاف والتنازع هي الواجب الشرعي والوطني الأول في هذه المرحلة الحساسة”، معتبرة أن أي محاولة لإثارة النزاعات القبلية أو المناطقية تصب مباشرة في مصلحة قوى العدوان السعودي ورعاته الدوليين. وبذلك تضمن القبيلة حماية العمق الوطني وتحصين المجتمعات المحلية من أي اختراقات استخبارية، محولة النسيج القبلي إلى حصن حصين يتعاظم أثره وتتأكد فاعليته مع مرور الأيام والسنوات.
كما أن مواكبة القبائل اليمنية للتطورات الإقليمية، ومساندتها العارمة للشعب الفلسطيني المظلوم تظهر الصورة الحقيقية للقبيلة كفاعل سياسي وأخلاقي وإيماني على مستوى الأمة ككل. فالوقفات المسلحة تربط في كل مرة بين الدفاع عن سيادة اليمن وثرواته وبين رفض المشاريع الصهيونية والأمريكية في المنطقة، معتبرة أن المعركة واحدة، وأن التحرر من الوصاية الخارجية في اليمن هو الخطوة الأولى والأساسية لنصرة كافة قضايا الأمة العادلة. وهذا التوجه يحظى بتأييد وإشادة متواصلة من القيادة الثورية، التي ترى في القبائل الرصيد الحي والدرع المنيع الذي يحمي المكتسبات السيادية، ويتصدى بكل بأس لأية محاولات إخضاع أو استسلام.
