تواطؤ بغداد المكلف مع الحصار الجوي الأمريكي.. خطر تحول «التراجعات التكتيكية» إلى «هزيمة استراتيجية»

0

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

26 سبتمبر 2026مـ – 15 ربيع الثاني 1448هـ

تقرير || إلناز رحمت نجاد

يتجاوز التعليق المتسلسل لرحلات شركات الطيران الإيرانية في مطارات بغداد والنجف وأربيل والسليمانية خلال الأيام الأخيرة كونه مجرد عقبة فنية أو إدارية في قطاع الطيران المدني؛ وإنما يمثل إماطة اللثام وبشكل سافر عن مرحلة جديدة من استراتيجية واشنطن لفرض «حصار جوي» على الجمهورية الإسلامية في إيران، وذلك عقب إخفاقها في إحكام الإغلاق التام بحرا وبرا.

غير أن ما يجعل هذا القرار يبعث على الصدمة والذهول لدى الرأي العام والمراقبين الإقليميين هو سرعة استجابة الحكومة العراقية لهذه الإملاءات العقابية وتنفيذها؛ وهو قرار يطرح تفكيك أبعاده وتداعياته جملة من النقاط الجوهرية أمام غرف الحسابات السياسية في طهران والقوى الفاعلة الحاكمة في بغداد:

وتمنح الروابط الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية الوثيقة بين إيران والعراق مكانة متمايزة تماماً لهذا البلد مقارنة ببقية دول الجوار، فالدعم الشامل والاستراتيجي وبذل الدماء والسلاح من قبل طهران دفاعاً عن بغداد وأربيل في المنعطفات التاريخية المصيرية، ولا سيما في معركة الوجود ضد إرهاب «داعش» عام۲۰۱۴، قد رسخ ذاكرة تاريخية مشتركة يستحيل القفز عليها.

وانطلاقا من ذلك، فإن التوقع البديهي لطهران من قادة العراق هو اتخاذ مواقف أكثر استقلالاً وجرأة من الآخرين، فالذرائع من قبيل زيارات المسؤولين العراقيين إلى واشنطن و«اضطرار بغداد» لمواجهة ضغوط العقوبات الثانوية، تفتقر إلى أي وجاهة سياسية أو قانونية؛ وخير شاهد على ذلك أن أطرافاً كتركيا، ورغم ما تردد عن حظر جوي، حافظت على انتظام رحلات الخطوط الإيرانية إلى مطار إسطنبول دون انقطاع، في حين سارعت المطارات العراقية الرئيسية إلى الانصياع لهذا القرار بريبة تدعو للتساؤل.

الصمت المريب لـ «الإطار التنسيقي» واختبار المسؤولية السياسية

لعل الجانب الأكثر إثارة للاستغراب في هذا المشهد هو الصمت المطبق، حتى كتابة هذه السطور، من قبل «الإطار التنسيقي الشيعي» إزاء الحصار الجوي المفروض على الجار والحليف الاستراتيجي، فهذا الكيان، الذي يعد خلاصة القوى والتيارات المتبنية لنهج المقاومة والركيزة الأساسية الصانعة لقرارات الحكومة الحالية في بغداد والضامنة لبقائها، لا يمكنه التزام مقاعد المتفرجين بسلبية تامة، فكيف لبنية سياسية أسست دعائم الحكم الراهن ألا تمنع صدور هكذا قرار؟ أو على الأقل، ألم يكن بمقدورها استخدام ثقلها التفاوضي وقوتها الشعبية والسياسية لردع الحكومة وثنيها عن الركوع أمام الضغوط الأمريكية؟ فالتمادي في هذا الانكفاء يضع فاعلية وجدوى أدوات التأثير لدى هذه القوى الحليفة في مهب شكوك حقيقية.

ولطالما كان العراق إحدى الوجهات الثلاث الأولى للصادرات الإيرانية غير النفطية، محتلاً موقعاً حيوياً في الخارطة التجارية للبلاد، ومن هنا، فإن قطع الممرات الجوية لا يكبد قطاع السياحة الدينية، والتبادل التجاري لرجال الأعمال، والخدمات العلاجية، وحركة عشرات الآلاف من الطلاب خسائر فادحة فحسب، بقدر ما يبعث بإشارات خطيرة تمهد للمراحل اللاحقة من المخطط العقابي لواشنطن.

إن مسايرة مطارات إقليم كردستان جنباً إلى جنب مع مطارات الوسط والجنوب العراقي تعزز المخاوف المشروعة من أن يغري السكوت على الحظر الجوي أطراف الغرب لتصعيد الضغوط مستقبلاً نحو إغلاق المنافذ والمعابر البرية وشل شريان التواصل بين البلدين.

ويبقى السؤال الاستراتيجي والملح قائماً: إلى أي مدى ستستمر متوالية التنازلات وتقديم الهبات التكتيكية للطرف الغربي من قبل الدوائر الحاكمة في العراق؟ إذا كان منطق إدارة المشهد في طهران وبغداد قائماً على التهدئة المفرطة لصون الهيكل السياسي الهش وتجاوز الأزمات المرحلية، فإنه ينبغي الحذر الشديد من أن تكرار «التراجعات التكتيكية» وفق متوالية «أحجار الدومينو» سيقود حتماً إلى «هزيمة استراتيجية» مدوية.

وفي هذه اللحظات الحرجة، يتعين على العلاقات الاستراتيجية التي تجمع طهران بالقوى العراقية أن تترجم أثرها الميداني والرادع على القرارات السيادية، لا أن تذوب في دوامة السلبية والامتثال الأحادي للإملاءات المعادية لإيران، فالإجراء الأخير للمطارات العراقية يطلق جرس إنذار حاداً أمام السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، كما أن التعاطي بمهادنة غير مجدية مع قرارات تخرق التعهدات المشتركة لن يؤدي إلا إلى فتح شهية واشنطن وجرأتها لتوسيع نطاق الطوق والحصار.

لقد بات لزاماً على طهران إعادة تقييم واقعية لنمط تفاعلها ومحددات علاقتها مع السلطة القائمة في بغداد؛ وهو تحول يتطلب في خطوته الأولى مبادرة حازمة ومسؤولة من التيارات الشيعية الأصيلة و«الإطار التنسيقي» لإثبات أن السيادة الوطنية للعراق ومصالحه الجوهرية لن تقدم قرابين على مذبح المشاريع التوسعية للبيت الأبيض.