262 شهيداً و39 أسيراً.. الصحفي الفلسطيني يدفع الثمن الأكبر في حرب الإبادة

0

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

26 سبتمبر 2026مـ – 15 ربيع الثاني 1448هـ

تقرير || هاني أحمد علي

في المشهد الدموي المتواصل الذي يسطره الاحتلال الصهيوني المجرم بحق قطاع غزة والضفة الغربية، يقف الصحفي الفلسطيني في خط الدفاع الأول عن الحقيقة، دافعاً دمه وروحه ثمناً باهظاً لنقل صورة المأساة إلى العالم.

في اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني، الذي يوافق السادس والعشرين من سبتمبر من كل عام، تتكشف الفاتورة الثقيلة التي تحملها أصحاب الكلمة الحرة، وسط استهداف ممنهج طال الأرواح، والعائلات، ومقار المؤسسات الإعلامية، وفي اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني تتجدد الشهادات على حجم الثمن الباهظ الذي دفعه الصحفيون الفلسطينيون خلال سنوات العدوان الإجرامي، وهم يواصلون نقل الحقيقة من قلب الميدان، في ظل القصف والاستهداف والاعتقال وتدمير المؤسسات الإعلامية ومقارها.

وعلى مدار ثلاثة أعوام، وجد الصحفي الفلسطيني نفسه في مواجهة ظروف استثنائية حوّلت العمل الصحفي إلى مهمة محفوفة بالمخاطر، بعدما باتت الكاميرا والقلم ومقار المؤسسات الإعلامية حاضرة في مشهد الاستهداف، فيما امتد الخطر إلى عائلات الصحفيين ومنازلهم ومراكز عملهم.

وأشارت الاحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية إلى ارتقاء نحو 262 صحفياً شهيداً، وإصابة أكثر من 400 آخرين بجراح متفاوتة، فيما اعتُقل قرابة 140 صحفياً، لا يزال 39 منهم في سجون الاحتلال، بينهم خمس صحفيات، في وقت يخضع 21 صحفياً للاعتقال الإداري دون محاكمة أو توجيه لائحة اتهام علنية.

وكشفت هذه الأرقام جانباً من حجم المخاطر التي واجهها الصحفيون الفلسطينيون أثناء أداء عملهم، إذ لم تقتصر التداعيات على القتل والإصابة، بعد أن شملت الاعتقال والملاحقة وتدمير البنى التحتية الإعلامية، إلى جانب الظروف الإنسانية القاسية التي فرضتها الحرب على الصحفيين وعائلاتهم.

من جانبه ذكر الصحفي والمحاضر الجامعي عماد الأفرنجي أن تجربة الصحفيين في قطاع غزة أعادت تعريف مفهوم الصحافة الحربية، بعدما وجد الصحفي نفسه شاهداً على الأحداث وجزءاً منها في الوقت ذاته، مضيفاً أن الصحفيين اضطروا إلى أداء مهام المراسل الحربي في ظروف لم تتوفر فيها متطلبات هذا النوع من العمل، من تدريبات متخصصة ومعدات حماية وتأمين للحياة.

وقال الأفرنجي، إن العدوان الصهيوني ألغى الحدود بين الحياة الشخصية والعمل الصحفي، بعدما اضطر صحفيون إلى تغطية أحداث وقعت في مناطق قريبة من منازلهم، أو اكتشفوا أن المنازل التي تعرضت للقصف تعود لهم أو لأقاربهم وجيرانهم، ومع ذلك استمروا في أداء عملهم وسط الفقد والنزوح والضغوط الإنسانية والنفسية.

وأكد أن مسؤولية المجتمع الصحفي الدولي لا ينبغي أن تتوقف عند إصدار بيانات التضامن والإدانة، وإنما يجب أن تشمل خطوات عملية لحماية الصحفيين، وتفعيل المواثيق الدولية ذات الصلة، وملاحقة المسؤولين عن استهدافهم، والعمل على إدخال الطواقم الصحفية الأجنبية وإنهاء العزل الإعلامي المفروض على القطاع.

وتشمل الاحتياجات التي يطرحها المختصون توفير وسائل الحماية للصحفيين، ومنها الخوذ والدروع الواقية وأجهزة الاتصال عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب إنشاء مراكز صحفية آمنة تتوفر فيها الكهرباء وخدمات الإنترنت، فضلاً عن تقديم الدعم المالي والإغاثي والنفسي للصحفيين وأسرهم.

كما تبرز الحاجة إلى مساندة الصحفيين المعتقلين قانونياً ومالياً، وتأمين العلاج للجرحى والمرضى، ودعم المؤسسات الإعلامية الفلسطينية، إضافة إلى تشجيع شبكات الإعلام العربية والدولية على إعادة نشر التقارير الفلسطينية وتوسيع حضور الرواية الفلسطينية في التغطية الإعلامية الدولية.

وفي ملف الاعتقال، يشير المختص في شؤون الأسرى حسن عبد ربه إلى أن الصحفيين الفلسطينيين ظلوا ضمن دائرة الاعتقال والملاحقة، بسبب نشاطهم المهني والمجتمعي، موضحاً أن الاستهداف لم يتوقف عند الميدان، بل امتد إلى الاعتقال الإداري والعزل، مبيناً أن عدد الصحفيين والصحفيات المعتقلين في سجون الاحتلال 39، بينهم خمس صحفيات، فيما يخضع 21 منهم للاعتقال الإداري دون محاكمة أو توجيه لائحة اتهام علنية.

ووثقت مؤسسات الأسرى أكثر من 250 حالة اعتقال واحتجاز في صفوف الصحفيين منذ بدء العدوان الصهيوني الإجرامي في أكتوبر 2023، في مؤشر على اتساع نطاق الملاحقة التي طالت العاملين في المجال الإعلامي.

ومن بين أحدث الحالات التي أشار إليها عبد ربه اعتقال الصحفي علاء الريماوي فجر 17 سبتمبر الجاري، وذلك بعد أقل من عام على الإفراج عنه، وقبل فترة قصيرة من إطلاقه مبادرة اجتماعية في الرابع من الشهر ذاته.

ولفت المختص في شؤون الأسرى إلى أن ظروف احتجاز الصحفيين تتقاطع مع الظروف التي يعيشها آلاف المعتقلين الفلسطينيين، من حرمان من الرعاية الصحية ونقص الغذاء وسوء المعاملة والعنف، وفق شهادات وتقارير حقوقية.

من جانبه، أفاد رئيس مجلس جنيف للديمقراطية وحقوق الإنسان أنور الغربي أن حماية الصحفيين الفلسطينيين تستند إلى قواعد واضحة في القانون الدولي الإنساني، مشيراً إلى أن المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تقرر حماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين ما داموا لا يشاركون في الأعمال العدائية.

ونوه إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2222 الصادر عام 2015، والذي تناول حماية الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام في النزاعات المسلحة، ودعا إلى مكافحة الإفلات من العقاب على الانتهاكات المرتكبة بحقهم، مضيفاً أن المسؤولية لا تتوقف عند المؤسسات الدولية، بل تشمل النقابات والاتحادات الصحفية الدولية، التي يمكنها المساهمة في بناء مسار قانوني متكامل يتابع جرائم قتل الصحفيين واعتقالهم واستهداف المؤسسات الإعلامية، ويعمل على جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات، مشيراً إلى أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يجرّم تعمد توجيه الهجمات ضد المدنيين في سياقات محددة باعتبارها من جرائم الحرب، في إطار الاختصاص القضائي للمحكمة، بما يفتح مسارات قانونية أمام توثيق الانتهاكات وملاحقة المسؤولين عنها وفق الإجراءات والاختصاصات المعمول بها.

وبين القتل والإصابة والاعتقال والنزوح، يواصل الصحفي الفلسطيني أداء مهمته في واحدة من أكثر البيئات خطورة للعمل الإعلامي، فيما تكشف الحصيلة المتراكمة أن الصحافة دفعت ثمناً إنسانياً ومهنياً ثقيلاً خلال الحرب.

وفي اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني، تضع هذه الوقائع المؤسسات الإعلامية والحقوقية والنقابية الدولية أمام مسؤولية تتجاوز البيانات، باتجاه التوثيق والحماية والمساءلة، بما يضمن للصحفيين ممارسة مهنتهم وتأدية دورهم في نقل الأحداث، ويمنح عائلات الضحايا والمعتقلين مسارات واضحة للعدالة والإنصاف.