بعشرات الصواريخ والمسيرات.. عملية استباقية يمنية نوعية تفرض معادلة الردع في العمق السعودي

4

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
24 سبتمبر 2026مـ – 13 ربيع الثاني 1448هـ

تقرير || هاشم أبوطالب

اليمن يقف اليوم على أرضية صلبة من الجهوزية والوعي والاقتدار، يقرأ التهديدات قبل وقوعها، ويتعامل مع التحديات بكل صورها، ويملك من القدرات ما يؤهله لحسم المعركة في الميادين كافة، يعرف خصمه حق المعرفة ويدرك مفاتيح قوته ومواطن هشاشته، ويتفنن في انتقاء أهدافه، ويحدد زمان الضربة ومكانها وفق إرادته ومصلحة معركته. وهذه القدرة تعبير عن جهوزية عسكرية واستخباراتية ولوجستية متكاملة، وعن إرادة صلبة لا تتردد.

القوات المسلحة اليمنية تتحرك بمنطق المبادرة، وترسم لخططها الكبيرة أهدافًا واضحة تتمثل في ردع العدوان، وإنهاء الحصار، وتحرير البلد. وكل عملية نوعية تنفذها تحمل رسالة إلى العدو بأن اليمن يملك القدرة على الردع، ويعرف كيف يصعّد، ويحاصر مَن يحاصره، ويستهدف تحشيداته أينما كانت، والضربات الاستباقية، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، والعمليات الواسعة، كلها دلائل على جهوزية فائقة، وقدرة على فرض المعادلة في البر والبحر والجو، وفي الحدود والعمق.

اليمن جاهز للتعامل مع مختلف التهديدات والتحديات، جاهز لحسم المعركة عندما يحين وقت الحسم، جاهز ليفرض معادلته على العدو في الوقت الذي يريد، ومن المكان الذي يريد، وبالأسلوب الذي يريد. يختار بدقة، ويضرب في الصميم، ويمضي في خطته الكبرى بثبات، حتى يتحقق الردع، وينكسر الحصار، وتتحرر الأرض والإنسان.

تفاصل العملية الاستباقية في جيزان
في إطارِ العدوان الذي يشنُّه العدوُّ السعوديُّ على بلدِنا، ومع تصاعد العدوان الصاروخيِّ على المناطق الحدودية في محافظتي صعدةَ وحجةَ، بأكثر من 200 صاروخٍ أُطلِقَت من جيزانَ، ومع رصدِ القواتِ المسلحةِ اليمنيةِ لتحشيداتٍ كبيرةٍ تابعةٍ للعدوِّ السعوديِّ تهدفُ إلى التصعيدِ على مناطقِ الحدودِ، نفذت القوات المسلحة اليمنية -بعونِ اللهِ تعالى- عملية عسكرية استباقيةً نوعيةً وواسعةً، بعشراتِ الصواريخِ الباليستيةِ والطائراتِ المسيرةِ. عملية جاءت في وقتِها، واختارت أهدافَها بدقة وضربت في الصميمِ، استهدفت غرفَ العملياتِ والقيادةِ والسيطرةِ، ومخازنَ الأسلحةِ، ومواقعَ مهمةً أخرى تابعةً لتحشيداتِ العدوِّ السعوديِّ في منطقةِ الطوالِ بجيزانَ، التابعةِ لما يُسمَى الفرقةَ السادسةَ طوارئَ.

وفي السياقِ ذاته، تمَّ استهدافُ مواقعَ ومنصاتِ إطلاقِ الصواريخِ في معسكرِ الدغاريرِ في منطقةِ جيزانَ، واستهدافُ عددٍ من معسكراتِ العدوِّ السعوديِّ في المنطقةِ.

ونتجَ عن هذه العمليةِ: مصرعُ وإصابةُ المئاتِ من تحشيداتِ العدوِّ السعوديِّ من اليمنيينَ والسودانيينَ، مع العشراتِ من أفرادِ وضباطِ العدوِّ السعوديِّ، وتدميرُ وإحراقُ عددٍ من مخازنِ أسلحةِ العدوِّ السعوديِّ.

من تطهير الساحل الغربي إلى الاستباق في العمق
قبل هذا التطور، سحقت القوات المسلحة تحشيدات العدو السعودي بالصواريخ والطائرات المسيرة في المخا ومأرب والوديعة، وفتكت بالعدو في ضربات استباقية، لكن جهوزية القوات المسلحة كانت أكبر من كل تقديرات العدو، فلم تتوقف عند حدود الضربة، بل باشرت في استهداف تلك التحشيدات، ثم تحركت في عملية عسكرية واسعة جدًا، وفي غضون أيام، تمكنت من السيطرة على ست مديريات بمساحة 5400 كيلومتر مربع، وصولًا إلى باب المندب. وهذه دلالة على أن العملية كانت استراتيجية متكاملة، فبعد الفتك بمجاميع العدو ومخازن الأسلحة وغرف العمليات والتحشيدات، وضرب معنوياتهم بسبب دقة الصواريخ وقدرتها التدميرية الكبيرة، وجد العدو نفسه أمام انهيار مزدوج: انهيار في القدرات، وانهيار في الإرادة. وهكذا، فإن تطهير الساحل الغربي بقدر ما كان مكسبا جغرافيا، كان ضربة قاصمة لخطوط العدو، ورسالة أن اليمن قادر على تحرير كل أرضه.

اتساع خارطة النار
في بيان القوات المسلحة عن عملية جيزان، تبدأ الحكاية برصد القوات المسلحة اليمنية لتحشيدات كبيرة تابعة للعدو السعودي بهدف التصعيد على مناطق الحدود، ونفذت القوات المسلحة عملية عسكرية استباقية نوعية وواسعة، بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

وهنا يجب التوقف، فاستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة في عملية واحدة مؤشر على زخم ناري هائل، وجهوزية عالية، وقدرة على إطلاق كم كبير من الأسلحة في وقت متزامن، وهذا من الناحية العملية شديد التعقيد؛ لأنه يتطلب اختيار الصواريخ، وتجهيزها، وتجهيز منصات الإطلاق، وتحديد الأهداف، والتنسيق بين أكثر من منظومة، كل ذلك في ظل تحليق طيران العدو الاستطلاعي. ومع ذلك، نجحت القوات المسلحة في إطلاق هذا الكم الهائل من الأسلحة في وقت محدد، ومن مناطق عدة، مع تجهيز سريع لمنصات الإطلاق، واختيار دقيق لنوعية الصواريخ التي تتناسب مع الأهداف.

فاستهداف غرف العمليات والقيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة يحتاج إلى صواريخ دقيقة للغاية، وذات قدرة تدميرية فائقة الدقة، أما استهداف التحشيدات يحتاج إلى صواريخ ذات قدرة انشطارية، قادرة على الانفجار فوق أهدافها وتوزيع شظاياها على مساحات كبيرة، و هذه القدرات باتت – بعون الله – في حوزة القوات المسلحة وشاركت في عمليات عسكرية سابقة، وقد وثقت مشاهد العمليات في المخا والعبر القدرة التدميرية الهائلة ومدى دقتها في إصابة أهدافها، كما وثقت المشاهد لحظة استهداف معسكر للعدو في الوديعة وإحراق عدة شاحنات محملة بالأسلحة في أماكن متباعدة، وهذا السلاح يعتبر منظومة ردع متكاملة.

الاستخبارات.. عين اليمن في عمق العدو
أحد أهم عناصر هذا البيان، وأخطرها على العدو هو البعد الاستخباراتي، فالمعسكرات التي تم استهدافها تقع داخل عمق المملكة، وهذا يعني أن استخبارات القوات المسلحة لم تنجح في اليمن وحسب، وإنما وصل نجاحها إلى عمق العدو، مع قدرة فائقة على تحديد أماكن تمركز العدو وتحشيداته في الوقت المناسب. وهذا نجاح كبير، لأن استهداف تحشيدات متحركة، وغرف قيادة، ومخازن أسلحة، ومنصات إطلاق، يتطلب معلومات دقيقة، وتحديثًا مستمرًا، وقدرة على قراءة النوايا قبل تنفيذها.

وقد تم استهداف مواقع ومنصات إطلاق الصواريخ في معسكر الدغارير في منطقة جيزان، واستهداف عدد من معسكرات العدو السعودي في المنطقة، وهذا تطور لافت في المعركة، ويؤكد أن العملية الاستباقية للقوات المسلحة كانت ناجحة، فأن تنفذ عملية استباقية يعني أن تستهدف كل قدرات العدو الهجومية، وتفشل مخططًا كبيرًا كان العدو يسعى لتنفيذه، وهذا يعني أن العدو كان في كامل قواه وتركيزه، ولم تكن العملية على غفلة، فالعدو كان يحضر لعملية هجومية، فجاءت الضربة اليمنية لتقطع الطريق عليه.

في ذات السياق، استهداف منصات الصواريخ ليس بالأمر السهل، فهذه المنصات يمكنها أن تتحرك وتناور، ورصدها واستهدافها أمر بالغ التعقيد، لكن إصابتها بهذه الدقة هو مسألة مهمة ونجاح كبير، ويعني أن اليمن نجح في إفشال خطط العدو، وفيه دروس مهمة في جمع المعلومات، والاستهداف، والدقة، والإصابة، والتدمير، وتدمير مقدرات العدو، وبالتالي القضاء على مخططه وإفشاله.

من الهروب في الساحل الغربي إلى الارتباك في جيزان
كل هذا يضعف القوة المعنوية للعدو، الذي هو في الأساس مشتت، وقد رأينا ذلك في الهروب المريع لتحشيدات العدو السعودي في الساحل الغربي، وكيف انهارت معنوياتهم، فالمرتزق الذي يفقد الثقة في قيادته، وفي قدرته على حماية نفسه، لا يمكن أن يقاتل بفاعلية. وحين يرى أن مخازن أسلحته تحترق، وغرف عملياته تُدمّر، ومنصات صواريخه تُستهدف، وأن عشرات الصواريخ والمسيرات تنقضّ عليه في وقت واحد، فإن النتيجة الطبيعية هي الانهيار.

تكبد العدو الكثير من الخسارة والجهد في توفير العتاد الحربي وتجميع هذه القوات، وتمويلها، وتسليحها بأسلحة متقدمة ومتطورة، وتدريبها بشكل كبير لمثل هذا اليوم الذي تسعى فيه السعودية لتدمير اليمن، فإذا بالمعادلة ترتد على العدو السعودي، ويخسر ما بناه في سنوات خلال عملية عسكرية واحدة. وهذه هي الكارثة الاستراتيجية الحقيقية: أن يكتشف العدو أن كل استثماراته العسكرية، وكل تحالفاته، وكل تدريباته، وكل دعايته، لم تحمِه من ضربة يمنية دقيقة، ولا من عملية استباقية واسعة.

وعند النظر في خارطة العمليات العسكرية ومنطقة انتشارها، نجد أنها في منطقة الطوال بجيزان، التابعة لما يسمى الفرقة السادسة طوارئ، ومواقع ومنصات إطلاق الصواريخ في معسكر الدغارير في منطقة جيزان، واستهداف عدد من معسكرات العدو السعودي في المنطقة، وهذه المنطقة منتشرة على حدود محافظتي صعدة وحجة، وتحوي عشرات الآلاف من المرتزقة، وهي منطقة ذات حساسية عالية، وتمثل منطقة قيادة وسيطرة، فاستهدافها يعني أن القوات المسلحة تقرأ كل التحرك في كل المحاور، وتراقب كل التحركات، وتستبق تحركات العدو باستهدافها، وتفشل مخططاته التي كان يسعى لتنفيذها.

معادلة الحصار بالحصار
لقد جاء بيان القوات المسلحة ليؤكد أن قواتنا مستمرة في تأدية مهامها بكل قوة وحزم، بالرد على مصادر التهديد، والرد على أي اعتداء أو عدوان، ورصد واستهداف كل التحركات المعادية أينما كانت، كما أكد البيان أن القوات المسلحة مستمرة في فرض معادلة الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، واستهداف التحشيدات التابعة للعدو السعودي حتى وقف العدوان وإنهاء الحصار عن البلد العزيز.

وهذه المعادلة هي ترجمة ميدانية لما حدث، فبعد أن فشلت أدوات العدو السعودي في الداخل، سعى العدو لتحريك أدواته في حدوده مع اليمن، وبدأت هذه التحشيدات في التصعيد والسعي لاستهداف المناطق اليمنية الحدودية بمئات الصواريخ تمهيدًا لتحريك الجبهات، لكن جهوزية القوات المسلحة فاقت كل التوقعات، فجاءت الضربة الاستباقية لتقول للعدو إن أي تحشيد سيكون هدفًا، وإن أي تصعيد سيقابل بتصعيد، وإن أي حصار سيقابل بحصار.

خاتمة
ما جرى هو إعلان عن مرحلة جديدة، مرحلة يمتلك فيها اليمن قدرات صاروخية دقيقة، وطائرات مسيرة فاعلة، واستخبارات متقدمة، وجهوزية قتالية عالية للتعامل مع مختلف الأهداف في الداخل والخارج، ومرحلة يكتشف فيها العدو السعودي أن سنوات من التسليح والتدريب والتحالف لم تصنع له حصانة، وأن الجبهة الداخلية السعودية لم تعد بمنأى عن النار، وأن معادلة الردع انقلبت.

إنها معركة الإرادة قبل أن تكون معركة السلاح، ومن يملك قضية عادلة، ويملك الإرادة، ويملك الدقة، ويملك المعلومة، ويملك الجهوزية، هو من يكتب نهاية المعركة. وقد أثبتت القوات المسلحة اليمنية أنها تملك كل ذلك، وأن العدو السعودي -بكل ما يملك من عتاد ومال ودعم- يعيش اليوم حالة من الانهيار والارتباك، لأن اليمن لم يعد ذلك الطرف الذي يُستهدف دون أن يرد.