باحث تركي: تصريحات أنقرة الداعمة للسعودية تأتي ضمن “حسابات خاصة” ولا يمكن التدخل ضد اليمن

2

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
23 سبتمبر 2026مـ – 12 ربيع الثاني 1448هـ

في ظل تصاعد الحديث عن أدوار إقليمية محتملة في العدوان على اليمن، تبرز طبيعة الموقف التركي باعتبارها إحدى المسائل المطروحة، في ضوء العلاقات التي تجمع أنقرة بالرياض من جهة، وموقف الشارع التركي من أي تدخل عسكري مباشر في اليمن من جهة أخرى.

وبينما تتحدث مواقف تركية عن دعم السعودية، يظل خيار المشاركة العسكرية المباشرة محل تساؤل، خصوصاً مع اختلاف طبيعة الساحة اليمنية عن الحالات التي بررت فيها تركيا تدخلها العسكري في مناطق أخرى.

وفي المقابل، تطرح طبيعة العلاقة التاريخية والسياسية بين تركيا واليمن، إلى جانب الذاكرة المرتبطة بالتواجد العثماني، عوامل إضافية تجعل أي انخراط عسكري تركي في اليمن مسألة شديدة الحساسية، فيما يبرز في هذا السياق خيار الوساطة والتحرك الدبلوماسي باعتباره مساراً يمكن لأنقرة أن تنتهجه، بما في ذلك الدفع نحو وقف الحصار المفروض على اليمنيين، بدلاً من الانخراط في العمليات العسكرية.

كما يثير الموقف التركي من العدوان على اليمن تساؤلات بشأن موقع أنقرة من القضية الفلسطينية، خصوصاً أن اليمن حظي، خلال مرحلة الإسناد لغزة، بإشادة في بعض الأوساط التركية بسبب العمليات النوعية ضد العدو الصهيوني، قبل أن تتغير طبيعة الخطاب تجاه بلادنا.

وفي هذا السياق، يرى الباحث التركي ومستشار مركز الدراسات الاستراتيجية جواد جوك، أن الأولوية ينبغي أن تبقى للقضية الفلسطينية، وأن الخلافات العربية ينبغي أن تُحل داخل البيت العربي، مع رفض أي تدخل عسكري مباشر في اليمن.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، يؤكد جوك أنه لا يتوقع مشاركة تركيا عسكرياً في العمليات ضد اليمن، موضحاً أن الموقف التركي يقوم على التمييز بين الدعم السياسي والعلاقات مع السعودية وبين الانخراط المباشر في الحرب.

ويشير إلى أن تركيا لا يمكنها فنياً أن تشارك في مثل هذه العمليات، لافتاً إلى أن الاتفاقية مع السعودية تحتاج إلى المرور بالبرلمان التركي، وأن موقف الأحزاب التركية من إرسال الجيش إلى اليمن ليس مؤيداً لهذا الخيار.

ويضيف أن هناك تصريحات تركية تؤكد الموقف السعودي، إلى جانب مصالح وعلاقات بين تركيا والسعودية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة مشاركة عسكرية تركية، مؤكداً أن المواطن التركي لا يريد وجود الجيش التركي في اليمن أو تدخله في الخلافات بين اليمن والسعودية.

ويشرح جوك أن التجربة التركية في سوريا تختلف بصورة كبيرة عن الحالة اليمنية؛ ففي سوريا ارتبط التدخل التركي، بحسب حديثه، بما تعتبره أنقرة تهديداً لأمنها القومي وعلى حدودها المباشرة، فضلاً عن وجود قواعد عسكرية تركية هناك بالتنسيق مع سلطات الجولاني.

أما اليمن، فيقول إن الوضع مختلف تماماً، وإن الشعب التركي بصورة عامة لا يريد تدخل الجيش التركي في الشؤون الداخلية اليمنية أو في الخلاف بين اليمن والسعودية.

ويذكّر جوك بوجود ذكريات سلبية لدى اليمنيين مرتبطة بالتواجد العثماني، معتبراً أن الحكومة التركية تدرك حساسية هذه الذاكرة، وأنها تمثل عاملاً إضافياً ضد أي تدخل عسكري تركي مباشر.

ويصف جوك التصريحات التركية الداعمة للسعودية بأنها تحمل جانباً استهلاكياً إعلامياً، إلى جانب وجود مصالح تركية مع الرياض، مشيراً إلى أن الدعم التركي للسعودية يمكن أن يكون سياسياً أو لوجستياً، لكنه يستبعد أن يتحول إلى مشاركة عسكرية مباشرة.

وبشأن الجانب التسليحي، يرى أن السعودية لا تحتاج أساساً إلى التسليح التركي، في ظل امتلاكها أسلحة وشرائها منظومات عسكرية من الولايات المتحدة ودول غربية، لكنه يشكك في قدرة الجانب السعودي على استخدام هذه الأسلحة بالشكل الذي يحقق النتائج المطلوبة، معتبراً أن الفشل في هذا الجانب واضح.

ويقول جوك إن المتوقع من الحكومة التركية هو القيام بدور الوسيط بين السعودية واليمن، والدفع باتجاه وقف الحصار المفروض على اليمنيين، مشدداً على أن هذه القضية ينبغي أن تُترك للعرب وأهل المنطقة.

ويشدّد على أن تركيا لا ينبغي أن تتقدم في القضايا العربية أمام أشقائها العرب، بل تتحرك معهم، مشيراً إلى أن السياسة التركية، بحسب رؤيته، تميل إلى المصالحة في مناطق الخلاف، مستشهداً بمحاولات التحرك في ملفات اليمن وسوريا والعراق، وكذلك الخلافات السابقة بين قطر والسعودية.

ويضيف أن أنقرة يمكن أن تتحرك دبلوماسياً في الخلاف بين السعودية والجانب اليمني، مجدداً التأكيد على أنه لا يتوقع أي تحرك عسكري تركي مباشر.

ويربط جوك الموقف التركي المحتمل في اليمن بأولوية القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن خيار الوساطة طُرح أيضاً في باكستان بديلاً عن المشاركة العسكرية.

ويستعيد موقف اليمن خلال العدوان على غزة، قائلاً إن صنعاء كانت، خلال فترة من المواجهة، الطرف العربي الذي أطلق صواريخ باليستية وفرط صوتية باتجاه الأراضي المحتلة، وإنه كان يتحدث في قنوات تركية كبرى عن هذه العمليات باعتبارها مواجهة مباشرة للاحتلال الإسرائيلي، وأن هذا الموقف حظي آنذاك بترحيب في بعض الأوساط الإعلامية التركية.

ويعتبر أن تغير الخطاب تجاه صنعاء يثير تساؤلاً، خصوصاً أن المواجهة مع العدو الصهيوني والقضية الفلسطينية لا تزالان حاضرتين في المشهد الإقليمي.

ويتطرق جوك إلى دور تركيا ومصر وقطر في اتفاقية شرم الشيخ، مشيراً إلى أن تركيا كانت من الدول الضامنة للاتفاق، وأن الجانب الصهيوني خرق الاتفاق مرات عديدة، دون أن تتمكن الدول الضامنة من منع استمرار الخروقات، مضيفاً أن المشاكل لا تزال قائمة، داعياً إلى التركيز على غزة والمواجهة مع الكيان الصهيوني.

ويعبر جوك عن عدم توقعه توحداً كاملاً بين العالم العربي والإسلامي، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم استهداف قوى المقاومة أو طعنها من الخلف.

ويشير إلى حماس وحزب الله وأنصار الله وبعض قوى الحشد الشعبي وإيران، بوصفها أطرافاً تواجه العدو الصهيوني، مؤكداً أن أنصار الله وحماس كان لهما الدور الأكبر في هذه المواجهة.

ويعيد التأكيد على أن تركيا لن تشارك عسكرياً في العمليات ضد اليمن، وأن الموقف الشعبي التركي لا يؤيد هذا المسار، داعياً في المقابل إلى وقف العقوبات المفروضة على الشعب اليمني والذهاب إلى حل سلمي للخلافات.

ويقول جوك إن للسعودية مكانة مهمة وإن تركيا تحترم هذه المكانة، لكنه ينتقد الاتهامات الموجهة إلى اليمن بشأن تهديد حرمة مكة والمدينة، معتبراً أن مثل هذه الاتهامات لا تليق بالسعودية ولا بمكانتها في العالم الإسلامي.

ويشير كذلك إلى العدوان السعودي الواسع على الأراضي اليمنية، متسائلاً عن سبب عدم رفض تركي لهذه الهجمات بالقدر نفسه الذي تُرفض فيه العمليات اليمنية.

وفي ختام حديثه، يؤكد جوك أن الخلاف بين اليمن والسعودية يجب ألا يتحول إلى مبرر لتدخل عسكري تركي، مجدداً الدعوة إلى ترك هذه القضية لأطرافها العربية والتركيز بدلاً من ذلك على القضية الفلسطينية.