تحرير الساحل الغربي: قراءة عسكرية في عملية «والله أشدُّ بأساً وأشدُّ تنكيلاً»
ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
12 سبتمبر 2026مـ – 1 ربيع الثاني 1448هـ
تحرير ست مديريات بمساحة بلغت 5400 كيلومترٍ مربع
– ضرب سبع فِرَق عسكرية بقوام 38 لواء عسكريا
– تحرير عدد من أسرانا
– تنفيذ (32) عملية تصد للطائرات الحربيةِ السعوديةِ، وإسقاط تسع طائرات استطلاع مسلح.
ما حدث على الساحل الغربي اليمني خلال الأيام الماضية يتجاوز بكثير حدود الجغرافيا المحلية؛ إنه معركة فاصلة أعادت ترتيب أوراق الصراع الإقليمي والدولي، وأثبتت أن الإرادة الإيمانية عندما تسلحت باليقين استطاعت أن تسحق أعتى الآلات العسكرية وأضخم التحشيدات البشرية. ست مديريات (موزع، جبل حبشي، الوازعية، الخوخة، المخا، ذباب) بمساحة إجمالية بلغت 5400 كيلومتر مربع، تحررت في أيام معدودة، رغم أن العدو حشد أكثر من خمسين ألف مرتزق، وزودهم بكل العتاد والعدة، وأسندهم بمئات الغارات الجوية لكن كل هذا الطغيان انهار كبيت من ورق أمام ضربات المجاهدين.
عظمة الإنجاز.. حين تنهار الأسطورة العسكرية
لطالما راهن العدو السعودي على تفوقه الجوي والناري، وعلى قدرته على شراء الذمم وتجنيد المرتزقة من شذاذ الآفاق، حشد سبع فِرَق عسكرية بقوام 38 لواءً، ونشر ترسانة من الأسلحة المتطورة، وبنى منظومة معقدة من المعسكرات والقواعد في الساحل الغربي، من مطار المخا إلى معسكر خالد بن الوليد، ومن قاعدة يختل البحرية إلى جبل زقر، ظن أن هذه القلاع الحصينة ستكون رصيداً استراتيجياً يضمن له السيطرة على باب المندب، ويخنق اليمن اقتصادياً وبشرياً.
لفهم عظمة هذا الإنجاز، لا بد من رسم صورة دقيقة للبنية العسكرية التي كان يتمتع بها العدو في الساحل الغربي قبل انطلاق العملية، فالحديث هنا يتركز عن منظومة عسكرية متكاملة بُنيت على مدى سنوات، وشملت مراكز القيادة والسيطرة التي كانت تمثل العقل المدبر لعمليات العدو، فمعسكر مطار المخا كان يضم مقر القيادة العامة والعمليات المشتركة للعدو ومقر إقامة القيادات العليا لتحالف العدوان، وكان يمثل نقطة الربط بين القيادة السعودية في الرياض وأدواته في اليمن، ومعسكر عنبرة في الخوخة كان مركز عمليات خاص للمرتزق طارق عفاش، وخفر السواحل، ينسق بين العمليات البحرية والبرية في الجنوب، ومعسكر العمري كان مقر القيادة الرئيسية للعدو لتأمين باب المندب، يشرف على كل التحصينات الممتدة على طول الساحل، ومعسكر المحجر شرق حيس كان مركز القيادة الميدانية والإسناد المدفعي لجبهات حيس، ويمثل العمق الناري للعدو، ومعسكر جبل الهاملي والرويس كانا مركزي قيادة جبهات مقبنة، يشرفان على المناطق الجبلية الاستراتيجية. ومعسكر الشقيرا كان مركز قيادة المديرية وتأمين الربط بين الساحل الغربي ولحج، هذه المراكز الستة كانت عقداً لشبكة قيادة وسيطرة متكاملة، تتيح للعدو إدارة المعركة من أعلى المستويات وإلى أدق التفاصيل التكتيكية.
ولم تقتصر المنظومة العسكرية للعدو على مراكز القيادة، بل امتدت لتشمل القواعد البحرية التي كانت تشكل العمود الفقري للسيطرة على الساحل، فقاعدة ميناء المخا كانت مقر قيادة حراسة الشواطئ وخفر السواحل، وقاعدة يختل البحرية كانت تابعة لقوات خفر السواحل وتؤمن الممرات المائية الجنوبية للعدو، ورصيف الخوخة العسكري كان تابعاً لمليشات “خفر السواحل”، ورصيف إنزال جزيرة جبل زقر العسكري كان مخصصاً لاستقبال زوارق خفر السواحل والسفن اللوجستية للعدو، وهذه القواعد الأربع كانت تؤمن خطوط الإمداد البحري لتحشيدات العدو، وتضمن استمرارية القتال. كما امتلك العدو مراكز تدريب وتجميع كان أهمها معسكر أبو موسى الأشعري، الذي كان يُعدّ أكبر المعسكرات التدريبية والتجميعية لما يسمى «المقاومة التهامية» و«ألوية العمالقة»، وكان المصنع الرئيسي للمرتزقة، يضم آلاف المجندين من مختلف الجنسيات، ومعسكر يختل كان مركز تدريب متقدم للعدو، ومعسكر جبل زقر كان لتدريب وتسليح مليشيات “خفر السواحل” ووحدات تأمين الجزر وهذه المراكز كانت للتدريب فقط، وكانت مواقع لتجميع القوات قبل زجّها في المعارك، وتمثل احتياطي القوة البشرية للعدو.
إلى جانب ذلك، أقام العدو قواعد لوجستية ومخازن رئيسية كانت تضمن استمرارية القتال، فمعسكر خالد بن الوليد كان القاعدة العسكرية الأكبر والأهم في جنوب الساحل الغربي، ويمثل المستودع الرئيسي للسلاح والعتاد، ومعسكر جبال النار كان أحد أكبر مخازن السلاح في الساحل الغربي، ومعسكر مدارس العمري بذوباب كان مواقع تجميع وإمداد، ومعسكر الثوباني كان معسكراً لوجستياً ومركز إمداد شرق المخا، ومعسكر العقد والمغرس كانا مواقع تجميع وإمداد، هذه القواعد الخمس كانت تضمن تدفق الإمدادات إلى الوحدات الميدانية للعدو، كما امتلك العدو مواقع مراقبة ودفاع جوي، أهمها معسكر الدفاع الجوي شرق المخا، ومحطة المراقبة والرادار البحرية بجبل زقر، ونقطة مراقبة خفر السواحل حنيش الكبري، ونقطة رادار ذوباب البحري، ولم تغفل المنظومة الجوية، حيث كان هناك مطار المخا ومطار ذوباب للاستخدام العسكري واللوجستي، ومدرج جزيرة زقر العسكري، ومهبط مروحيات حنيش الكبري، ومدرج عنبره في الخوخة، هذه البنية التحتية الجوية كانت تتيح للعدو نقل القوات والإمدادات بسرعة، وتوفير الدعم الجوي القريب.
كان العدو يمتلك في الساحل الغربي منظومة عسكرية متكاملة، تغطي القيادة والسيطرة، والتدريب والتجميع، واللوجستيات والإمداد، والدفاع الجوي والمراقبة، والقواعد البحرية، هذه المنظومة صُممت لتصمد أمام أي هجوم تقليدي، وكانت تعتمد على مبدأ «العمق الدفاعي المتعدد الطبقات»: خطوط أمامية محصنة، ثم قواعد دعم خلفية، ثم مراكز قيادة بعيدة عن متناول النيران المباشرة، لكن ما حدث خلال أيام قليلة تجاوز كل التوقعات.
تحطمت سبع فِرَق عسكرية بقوام 38 لواءً، وقُتل وأُسر وجُرح المئات من منتسبيها، وفرّ من بقي تاركاً خلفه عتاده وسلاحه. لم تنفع الغارات الجوية الكثيفة، ولم تُجدِ التحصينات المتطورة، سقطت مراكز القيادة والسيطرة، وتحررت القواعد البحرية، وصارت معسكرات التدريب والتجميع التي كانت تُعدّ لقتل اليمنيين مجرد أنقاض، وتمكنت القوات المسلحة من تنفيذ 32 عملية تصدٍّ للطائرات الحربية السعودية، وإسقاط تسع طائرات. إنها معادلة «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله» تتجسد أمام أعين العالم.
عظمة هذا الإنجاز تكمن في الأرقام، وفي كسر أسطورة التفوق العسكري الذي حاول العدو فرضه لعقود لقد أثبت المقاتل اليمني أن الإيمان بالله والتوكل عليه، مع الاستعداد والتخطيط، قادر على هزيمة أعتى الجيوش وأكثرها تسليحاً وتحولت رمال الساحل وتهامة إلى مقبرة للآليات الحديثة، وصارت قرى المديريات المحررة شاهدة على أن اليد الإلهية هي التي تمنح النصر، وأن الرعب الذي قذفه الله في قلوب المعتدين كان أقوى من كل قنابلهم ومدافعهم.
كيف تمت هذه العملية عسكرياً؟
انطلقت العملية في الثالث من سبتمبر من عدة مسارات، بمشاركة كبيرة من أبناء الشعب اليمني وقبائله الحرة. هذا التفصيل مهم عسكرياً، لأنه يشير إلى أن العملية لم تكن مجرد هجوم من وحدات نظامية، بل كانت عملية تعبئة شعبية واسعة، ما يعني أن العدو كان يواجه بيئة معادية بالكامل، حيث كان السكان المحليون عيوناً للقوات المهاجمة، ومصدراً للمعلومات الاستخباراتية، ومساندين لوجستيين. التخطيط للعملية استند إلى دراسة دقيقة للبنية الدفاعية للعدو، وتحديد نقاط الضعف في منظومة القيادة والسيطرة، ومعرفة مواقع المخازن والمستودعات، والقبول بعدم التكافؤ المادي، والاعتماد على عنصر المفاجأة والسرعة، والتنسيق بين المسارات لشتت جهد العدو ومنعه من التركيز على اتجاه واحد.
العملية انطلقت من عدة مسارات، وهذا يعني أن القوات المهاجمة تقدمت على أكثر من محور في وقت واحد، ما أربك العدو وجعله غير قادر على تحديد الاتجاه الرئيسي للهجوم، التقدم من عدة اتجاهات يعني أيضاً أن العدو لم يستطع استخدام احتياطياته بشكل فعال، لأنها كانت مبعثرة على جبهات متعددة، التقدم في جغرافيا مكشوفة كان يحتاج إلى تخطيط دقيق للاستفادة من طبيعة الأرض، واستخدام الوديان والمرتفعات لتغطية التحرك، والاعتماد على السرعة في التنقل لتفادي الغارات الجوية، وقد أعلن البيان العسكري أن العدو فشل في التأثير على العملية رغم الغطاء الجوي الكثيف، وهذا يعني أن القوات المهاجمة استخدمت تكتيكات متقدمة للتعامل مع الطائرات، من بينها التشتيت وعدم التركيز في تجمعات كبيرة، والتحرك في مجموعات صغيرة متفرقة، والتمويه باستخدام طبيعة الأرض للاختفاء عن الرادارات والطائرات، والدفاع الجوي المحمول باستخدام الأسلحة المضادة للطائرات بشكل فعال، حيث تمكنت القوات من تنفيذ 32 عملية تصدٍّ وإسقاط تسع طائرات، هذا الرقم مهم جداً، لأنه يشير إلى وجود منظومة دفاع جوي فعالة، سواء كانت صواريخ أرض-جو محمولة أو مدافع مضادة للطائرات فإسقاط تسع طائرات في غضون أيام هو إنجاز كبير، ويعني أن العدو فقد جزءاً من قدرته على الاستطلاع والدعم الجوي، ما زاد من عمى الميدان لديه.
بعد اختراق الخطوط الأمامية، انتقلت القوات المهاجمة إلى اقتحام القواعد والمراكز الرئيسية، هنا يبرز عنصر المفاجأة والسرعة: العدو لم يتوقع أن تصل القوات المهاجمة إلى هذه المراكز بهذه السرعة، فوجد نفسه أمام خيارين: القتال حتى النهاية أو الفرار، اختار الكثيرون الفرار، تاركين خلفهم العتاد والسلاح، اقتحام مراكز القيادة مثل معسكر خالد بن الوليد يعني شلّ العقل المدبر للعدو، وقطع خطوط الاتصال بين الوحدات الميدانية والقيادة، ما أدى إلى انهيار جماعي في صفوفه. كما أن البيان أشار إلى تحرير عدد من الأسرى اليمنيين الذين كانوا محتجزين لدى مرتزقة العدو منذ سنوات، وهذا يعني أن القوات المهاجمة وصلت إلى مواقع الاحتجاز، وحررت الأسرى في عملية سريعة، ما يشير إلى دقة المعلومات الاستخباراتية ونجاح التخطيط.
لماذا نجحت هذه العملية؟
يمكن تفسير ذلك من خلال عدة مبادئ عسكرية، أولاً، مبدأ «اللامركزية في القيادة»، حيث انطلقت العملية من عدة مسارات، ما يعني أن القيادة الميدانية كانت تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية في اتخاذ القرار وهذا النمط من القيادة يسمح بالمرونة والسرعة في التعامل مع المتغيرات الميدانية، على عكس القيادة المركزية التي تتأخر في ردودها.
ثانياً، مبدأ «السرعة والمفاجأة»، حيث كان العدو يتوقع هجوماً تقليدياً بطيئاً، لكن ما حدث كان هجوماً خاطفاً وسريعاً. السرعة في التقدم منعت العدو من إعادة تنظيم صفوفه، ومن استخدام احتياطياته، ومن الحصول على تعزيزات. المفاجأة شلت قدرته على اتخاذ قرارات صحيحة.
ثالثاً، مبدأ «حرب الاستنزاف المعاكسة»، حيث كان العدو يريد استنزاف اليمن عبر حصار اقتصادي وتحشيد عسكري دائم، لكن العملية قلبت المعادلة: اليمن هو من استنزف العدو، وأجبره على خسارة قواته وعتاده، وأفقده السيطرة على مناطق استراتيجية.
رابعاً، مبدأ «العمق الاستراتيجي»، حيث منح تحرير الساحل الغربي اليمن عمقاً استراتيجياً على البحر الأحمر. هذا العمق لا يعني فقط مساحة جغرافية، بل يعني القدرة على تهديد الملاحة، وفرض حصار بحري، والردع من مسافة بعيدة.
خامساً، مبدأ «الحرب الشعبية»، حيث إن مشاركة القبائل وأبناء المناطق المحلية في العملية يعني أن العدو كان يواجه بيئة معادية بالكامل وهذا النوع من الحروب يجعل من الصعب على أي جيش تقليدي السيطرة على الأرض، لأن السكان أنفسهم يتحولون إلى مقاتلين، ويوفرون الدعم الاستخباراتي واللوجستي.
ما هي الأبعاد الاستراتيجية لهذا الانتصار؟
إنه معركة فاصلة لأنها كسرت الحصار الاستراتيجي الذي كان يفرضه العدو على اليمن منذ سنوات، لقد كان العدو يحاول خنق اليمن اقتصادياً عبر السيطرة على الموانئ والساحل الغربي، لكن تحرير الساحل يعني فك هذا الحصار، وفتح الطريق أمام اليمن للتواصل مع العالم. ميناء المخا، الذي كان تحت سيطرة العدو، أصبح الآن تحت سيطرة القوات المسلحة، ما يعني أن اليمن استعاد أحد أهم منافذه البحرية.
كما أن الساحل الغربي هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والسيطرة عليه تعني أن اليمن أصبح قادراً على التحكم في حركة الملاحة، وتهديد السفن المعادية، وحماية السفن الصديقة وهذا التحول أربك حسابات القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة و”إسرائيل”، اللتين تعتبران البحر الأحمر ممراً استراتيجياً حيوياً. وكان العدو يريد تحويل اليمن إلى كانتونات ممزقة، وفصل الساحل عن المرتفعات، وإقامة كيانات موالية في الجنوب. تحرير الساحل أفشل هذا المشروع، وأعاد التأكيد على وحدة اليمن الجغرافية والسياسية.
والسعودية، التي راهنت على السيطرة على الساحل الغربي لتأمين باب المندب، وجدت نفسها أمام واقع جديد: خسارة مناطق استراتيجية، وانهيار هيبة عسكرية، وتآكل نفوذ إقليمي. وقبل العملية، كان اليمن في وضعية الدفاع: يدافع عن أرضه، ويحاول رفع الحصار بعد العملية، أصبح اليمن في وضعية الهجوم: يفرض معادلات جديدة، ويهدد مصالح العدو، وينقل المعركة إلى عمق العدو. هذا التحول في الوضعية الاستراتيجية هو أهم تبعات الانتصار.
ما هي التبعات العسكرية على العدو؟
لقد بنى العدو في الساحل الغربي منظومة دفاعية متعددة الطبقات، لكن هذه المنظومة انهارت في أيام وهذا يعني أن العدو لم يعد يمتلك عمقاً دفاعياً في المنطقة، وأن أي هجوم مستقبلي سيجد أرضاً مكشوفة، كما أن مقتل وأسر المئات من منتسبي التحشيدات، خاصة القيادات الميدانية، يعني خسارة كوادر لا يمكن تعويضها بسهولة وفقدانهم يضعف قدرة العدو على إدارة العمليات مستقبلاً. وإذا كانت السعودية قد وعدت حلفاءها بالحماية، فإن خسارة الساحل الغربي تظهر عجزها عن الوفاء بهذه الوعود وهذا التآكل في الثقة قد يؤدي إلى تململ الحلفاء، وربما إلى بحثهم عن بدائل.
و”إسرائيل”، التي بنت استراتيجيتها الأمنية على التفوق العسكري والاستخباراتي، وجدت نفسها أمام واقع جديد: اليمن أصبح قادراً على تهديد أمنها البحري، وعلى فرض معادلة ردع في البحر الأحمر. والولايات المتحدة، التي كانت تراهن على السعودية كحليف استراتيجي في مواجهة اليمن، وجدت نفسها أمام فشل حليفها. هذا الفشل يضعف الموقف الأمريكي في المنطقة، ويدفع واشنطن إلى إعادة تقييم استراتيجيتها، خاصة مع تصاعد التحديات الأخرى.
ما هي الدروس العسكرية المستخلصة؟
لقد أثبتت العملية أن الإيمان عامل حاسم في المعركة، أقوى من أي سلاح وهذا الدرس ليس دينياً فقط، بل عسكرياً: الروح المعنوية العالية تمنح المقاتل قدرة على التحمل والصمود تتجاوز قدرته الجسدية. كما أثبتت أن التفوق المادي لا يضمن النصر، فالعدو كان يمتلك تفوقاً جوياً وبحرياً وبرياً، لكنه خسر. هذا يعني أن التفوق المادي وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون مقروناً بقيادة كفؤة، وروح قتالية عالية، واستراتيجية صحيحة.
ومشاركة الشعب في المعركة جعلت من الصعب على العدو السيطرة على الأرض وهذا الدرس مهم لأي قوة تحاول احتلال أرض لا يعرفها، ولا تعرف سكانها وتحرير الساحل منح اليمن عمقاً استراتيجياً، وهذا العمق ضروري لأي دولة تريد أن تكون قادرة على الردع من دون عمق، تصبح الدولة عرضة للخطر في أي لحظة.
لقد أراد الأجنبي من السيطرة على الساحل الغربي وباب المندب تحويل اليمن إلى كانتونات ممزقة، وفرض حصار أبدي يركع الإرادة السياسية والشعبية بصنعاء ولم يقتصر النصر الإلهي على دحر المعتدين عسكرياً، وإنما أسقط كافة المخططات الشيطانية للعدوان وبذلك تحول الساحل المحرر من بؤرة تهديد استعماري إلى منطلق لسيادة يمنية كاملة، وصار عمقاً استراتيجياً مكّن اليمن من فرض معادلات بحرية دولية أرعبت قوى الاستكبار العالمي وهذا التحول العجيب من وضعية الدفاع والحصار إلى وضعية الردع والسيادة العالمية هو أسطع دليل على التدبير الإلهي العظيم الذي يُدير هذه المعركة، ويصنع من الضعف المفترض قوة تقلب الطاولة على المستكبرين.
وما يميز هذا النصر عن غيره من الانتصارات العسكرية أنه لم يتوقف عند حدود سحق جماجم الطغاة، بل امتد إلى إحياء النفوس وتطهير الوعي، فبعد دحر قوات العدو، جاء قرار العفو الرئاسي العام ليكشف معدناً أخلاقياً فريداً. النصر الإلهي يمنح صاحبه القوة والترفع عن الانتقام، ليتحول التحرير العسكري للأرض إلى تحرير قيمي للمغرر بهم. مد يد التسامح للمغرر بهم في الساحل الغربي ومأرب وغيرها هو رسالة إلى العالم بأن هذا الشعب ليس شعب انتقام، بل شعب يريد بناء وطنه ورفع الظلم عن أبنائه وهذا البعد الأخلاقي أضاف إلى النصر عمقاً إنسانياً، وسلب العدو قدرته على الاستثمار في دماء اليمنيين فبينما كان العدو يحاول إذكاء نار الفتنة والانتقام، جاء العفو ليكون صفعة أخلاقية أخرى في وجه التحالف السعودي الأمريكي، الذي ظل يغذي الصراعات ويستثمر في النزعات القبلية والمناطقية. إن النصر الكامل هو الذي يجمع بين تحرير الأرض وتحرير الإنسان، وهذا ما تحقق في الساحل الغربي.
إن ما حدث في الساحل الغربي ليس نهاية المطاف، بل هو مقدمة لمعركة فاصلة لقد أثبت اليمن أنه قادر على هزيمة أقوى التحالفات، وأنه لم يعد ذلك البلد الضعيف الذي يتقاسمه الطامعون، إن استمرار الصمود والتصعيد بالتصعيد، وضرب تحشيدات العدو، وتثبيت معادلة الحصار بالحصار، كل ذلك يمهد لمرحلة جديدة يكون فيها اليمن فاعلاً رئيسياً في رسم مستقبل المنطقة.
إن انتصار الساحل الغربي هو بشارة لكل أحرار الأمة بأن النصر قادم، وأن زمن الهيمنة الأمريكية والصهيونية على مقدرات الشعوب قد ولّى. لقد سطر الجيش اليمني أعظم ملاحمه البطولية، وسيسجلها التاريخ بأحرف من نور. وستبقى هذه الأيام القليلة علامة فارقة في تاريخ اليمن والعالم، تؤكد أن الإرادة الإيمانية أقوى من كل ترسانات الغرب، وأن الله سبحانه وتعالى هو من يمنح النصر والتمكين. عاش اليمن حراً عزيزاً مستقلاً، والنصر لليمن ولكل أحرار الأمة.
