الساحل الغربي يتحرر من حيس إلى باب المندب.. الانتصار الكبير لليمن

15

ذمــار نـيـوز || متابعات ||

12 سبتمبر 2026مـ – 1 ربيع الثاني 1448هـ

أشرق فجر جديد لليمن بتحرير مناطق الساحل الغربي بالكامل من سيطرة أدوات الاحتلال السعودي، التي استمرت لما يقارب عقدًا من الزمن، في تحول يفتح أمام اليمن مرحلة جديدة على المستوى الجغرافي والاستراتيجي، ويعيد رسم معادلات القوة في واحدة من أهم المناطق الحيوية في المنطقة.

وتنفست ست مديريات الحرية، ومن أبرزها مديريات حيس، والخوخة، والمخا، وذو باب، وباب المندب، وصولًا إلى تحرير أهم الجزر اليمنية: حنيش الكبرى والصغرى، وزقر، وميون.

وتتجاوز أهمية هذا التحرير الموقع الجيوسياسي الذي تمثله هذه المناطق، وفي مقدمتها مضيق باب المندب، الذي يعد بوابة البحر الأحمر الجنوبية، ويقع عند التقاء قارات العالم الثلاث: آسيا، وإفريقيا، وأوروبا، مما يجعله حلقة وصل بين البحار الشرقية والغربية.

ويمثل المضيق مسارًا مختصرًا لحركة التجارة الدولية؛ إذ يتطلب الإبحار من لندن إلى عبدان عبر طريق الرجاء الصالح قطع مسافة تقدر بـ21 ألف كم، بينما يمكن تقليص هذه المسافة إلى 12 ألف كم عند الإبحار عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهذا المسار الملاحي هو ما منح موانئ اليمن على خليج عدن ومضيق باب المندب أهمية جيوستراتيجية بارزة، وجعل هذا الموقع محط تنافس القوى العالمية الساعية إلى السيطرة على الممرات البحرية الحيوية.

ويتصل بذلك التأثير المباشر لمضيق باب المندب في حركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس، وفي حركة الملاحة الصهيونية المتجهة إلى ميناء أم الرشراش «إيلات» في جنوب فلسطين المحتلة عبر مضيق تيران، بما يجعل السيطرة على هذا الممر عاملًا مؤثرًا في المعادلات الاقتصادية والأمنية للكيان الصهيوني.

وقد تمكن اليمن، خلال عملية الإسناد لغزة، من فرض حظر الملاحة على كيان العدو الإسرائيلي، ما أدى إلى إفلاس ميناء أم الرشراش «إيلات»، رغم أن الوسائل التي كان لجأ إليها اليمن لفرض هذا الحظر كانت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة من مسافات بعيدة لا تقل عن 300 كم من باب المندب.

ومن هنا تكتسب عملية تحرير الساحل الغربي بُعدًا مختلفًا؛ فانتقال باب المندب والمناطق والجزر المحيطة به إلى السيطرة اليمنية المباشرة يمنح اليمن مساحة أوسع في إدارة واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ويضيف إلى قدراته السابقة في التأثير على حركة الملاحة من مسافات بعيدة قدرة مباشرة على التعامل مع هذا الموقع الحيوي، كما أن لمضيق باب المندب أهمية خاصة بالنسبة لأمن مصر، حيث يطل الجزء الأكبر من السواحل المصرية عليه، ويعد المدخل الرئيسي لقناة السويس، التي تعتبر من المصادر الأساسية للإيرادات الوطنية المصرية.

ويمر عبر مضيق باب المندب أكثر من نصف صادرات النفط من الخليج العربي إلى أوروبا والولايات المتحدة، وقد أكسب هذا الموقع اليمن أهمية جيوبوليتيكية كبيرة، وجعله محط اهتمام الدول التي تشارك في المياه الإقليمية، ولذلك كان اليمن على مر التاريخ هدفًا لطموحات المستعمرين والقوى الإقليمية والدولية.

ويمتاز الموقع البحري لليمن بوجود أكثر من 216 جزيرة ذات أهمية استراتيجية في المحيط الهندي والبحر العربي والبحر الأحمر، مما يمنح اليمن ميزة في تأسيس المراكز التجارية والقواعد البحرية والجوية.

ويبرز أرخبيل جزيرة حنيش من بين أهم الجزر اليمنية التي تمتلك أهمية استراتيجية عظيمة، نظرًا لقربها من خطوط الملاحة البحرية الحيوية عالميًا، ولتحكمها في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وباب المندب.

أما جزيرة ميون «بريم»، فتتمتع بتحكم كامل في مضيق باب المندب، وبسبب أهميتها الاستراتيجية، تعرضت للاحتلال الأوروبي لفترات قصيرة؛ فقد سيطر عليها البرتغاليون عام 1511م، تلاهم الفرنسيون عام 1738م، والبريطانيون عام 1799م، لكنهم تخلوا عنها في البداية قبل أن يعودوا لاحتلالها مجددًا عام 1857م.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الانتصارات في الساحل الغربي أبعد من كونها انتصارًا ميدانيًا؛ فهي تمثل انتصارًا كبيرًا لليمن، وضربة استراتيجية للمشروع الصهيوني في المنطقة، خصوصًا أن المخا والمناطق الحيوية المطلة على مضيق باب المندب ظلت طوال نحو عشر سنوات تحت سيطرة الاحتلال الإماراتي السعودي المدعوم أمريكيًا وصهيونيًا.

وقد شهدت المخا وصول ضباط صهاينة خلال السنوات الماضية، وهو ما يضيف إلى تحرير هذه المناطق بُعدًا استراتيجيًا، باعتبار أن استعادة السيطرة اليمنية عليها تقضي على آمال الصهاينة في السيطرة على الطرق الملاحية الحيوية في المنطقة، وتعيد رسم معادلة الحضور في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

ويتيح تحرير هذه المناطق لليمن التحكم بمضيق باب المندب، وإحكام الحصار على العدو السعودي الذي حاصر اليمن لمدة 12 عامًا، فضلًا عن أن تحرير المضيق يتيح لليمن فرض ملاحة على العدو الإسرائيلي في أي معركة مقبلة، أو في أي عدوان صهيوني جديد على قطاع غزة ولبنان.

وبذلك، فإن الانتصار في الساحل الغربي لا يُقرأ فقط من زاوية المساحة الجغرافية التي تحررت، وإنما من زاوية ما أضافه إلى موقع اليمن في معادلة الإقليم، فاستعادة هذه المناطق تعني استعادة جزء بالغ الأهمية من الجغرافيا اليمنية، وفي الوقت نفسه استعادة موقع مؤثر في حركة الملاحة الدولية.

وتضع المعادلة الجديدة اليمن أمام مرحلة مختلفة؛ إذ إن تحرير الساحل الغربي، بما يضمه من مناطق وجزر ومواقع مطلة على باب المندب، ينقل الموقع البحري من كونه ساحة تنافس للآخرين إلى عنصر من عناصر القوة اليمنية المباشرة.

وعليه، فإن الانتصار الكبير في الساحل الغربي يفتح أمام اليمن معادلة جديدة عنوانها الجغرافيا في خدمة السيادة؛ فالمناطق التي كانت طوال سنوات ساحة للوجود الخارجي أصبحت جزءًا من المجال الذي يستطيع اليمن من خلاله حماية حدوده ومصالحه، والتأثير في البيئة الإقليمية المحيطة به.

ومن هذه الزاوية، فإن الانتصار في الساحل الغربي يحمل رسالة واضحة، فاليمن الذي سعى الآخرون إلى تطويق جغرافيته والسيطرة على منافذه البحرية، بات يمتلك زمام المبادرة على واحد من أهم المواقع الاستراتيجية في المنطقة، بما يجعل أي حسابات مستقبلية بشأن اليمن مرتبطة، بالضرورة، بهذه المعادلة الجديدة.