مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وانعكاساته على اليمن

1

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
7 سبتمبر 2026مـ – 25 ربيع الأول 1448هـ

تقرير || أنس القاضي

تكشف التحولات الأخيرة في الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط عن سياق إقليمي مترابط ينعكس بصورة مباشرة على اليمن والبحر الأحمر؛ فالولايات المتحدة لا تتجه إلى انسحاب شامل من المنطقة، بل إلى إعادة توزيع قواتها عبر تقليص الوجود البري في العراق وسوريا، مقابل تثبيت القوات والقدرات المرتبطة بإيران والخليج والممرات البحرية. وهذا التحول يرفع موقع اليمن والبحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب في الحسابات العدوانية العسكرية والأمنية الأمريكية.

تؤكد التصريحات الأمريكية الأخيرة أن واشنطن لا تضع جدولاً زمنياً لإنهاء الانتشار المرتبط بإيران، بينما تستمر في خفض وجودها في ساحات أخرى. ومع بقاء أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي في المنطقة واستمرار القوة البحرية والجوية والدفاعات الصاروخية، فإن الانسحاب من العراق وسوريا لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأمريكية تجاه العدوان على اليمن، بل قد يسمح بتركيز قدرات أكبر في الخليج والممرات البحرية المتصلة باليمن، ومع ذلك فإن الشعب اليمني مستعد للدفاع عن سيادته ويمضي داعماً للقوات المسلحة للقيام بهذه المهام الوطنية المقدسة.

الموقف الأمريكي من بقاء قواته في المنطقة
تكشف التصريحات الأمريكية الأخيرة أن إدارة ترامب لا تتجه إلى انسحاب عسكري شامل من المنطقة، بل تعيد تشكيل انتشارها بين الساحات، عبر إنهاء أو تقليص الوجود البري في العراق وسوريا، مقابل استمرار الانتشار المرتبط بالعدوان على إيران، وحماية القواعد الأمريكية والحلفاء في الخليج.

في 3 أيلول/سبتمبر 2026م، رفض نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس تحديد موعد لنهاية العدوان على إيران، وربط إنهائها بتوقف طهران عن استهداف السفن والملاحة المرتبطة بأمريكا وحلفائها، مؤكداً أن واشنطن لا تجري مفاوضات معها في ظل استمرار الهجمات.

وسبق ذلك إعلان القيادة المركزية الأمريكية في الأول من أيلول/سبتمبر أن “أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي يعملون في أنحاء الشرق الأوسط، وأنهم في حالة استعداد لمواصلة العمليات التي يأمر بها الرئيس”، وصدر الإعلان عقب تنفيذ ضربات جديدة ضد أهداف إيرانية، ما يضع هذا الانتشار في إطار قوة عمليات مستمرة، وليس في إطار تعزيزات يجري التحضير لسحبها. كما رفضت الإدارة الأمريكية في 30 تموز/يوليو مشروع قرار في مجلس الشيوخ يدعو إلى إخراج القوات الأمريكية من الأعمال العدائية ضد إيران، وأعلنت معارضتها الشديدة للمشروع، مؤكدة استمرار تموضع القوات للتعامل مع التهديدات التي تواجه الأمريكيين وحلفاء واشنطن وشركاءها في المنطقة.

وتشير هذه المواقف إلى أن الإدارة الأمريكية لا تربط القوات المخصصة للمواجهة الإيرانية بموعد زمني للانسحاب، بل تربط مستوى انتشارها باستمرار ما يسمونه “التهديد الإيراني، وأمن الملاحة في مضيق هرمز”، وحماية القواعد والمصالح الأمريكية والإسرائيلية.

الانسحاب من العراق
يتخذ الموقف الأمريكي من العراق مساراً مختلفاً؛ ففي يوليو/تموز أعلن ترامب أن الولايات المتحدة لم تعد ترى حاجة إلى استمرار وجود الجيش الأمريكي هناك، في إطار تنفيذ الترتيبات الخاصة بخروج القوات بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2026م. ويمثل ذلك انسحاباً من ساحة محددة تراجعت وظيفتها العملياتية بالنسبة لواشنطن، لكنه يجري بالتزامن مع استمرار وجود عشرات الآلاف من العسكريين الأمريكيين في الإقليم، خصوصاً في الخليج والمواقع المرتبطة بالعدوان إيران.

ولا يعني خروج القوات من العراق عودتها جميعاً إلى الولايات المتحدة بالضرورة، إذ يمكن أن تترافق عملية الانسحاب مع إعادة توزيع بعض القدرات والقوات داخل نطاق القيادة المركزية، وفق متطلبات المواجهة الإقليمية.

تقليص الوجود في سوريا
يشهد الوجود الأمريكي في سوريا أيضاً مساراً نحو التقليص، مع انتقال مسؤوليات أكبر إلى السلطات الجديدة التي تنفذ الأجندة الأمريكية بعد تغير النظام السوري، وتراجع الحاجة الأمريكية إلى انتشار بري واسع ومفتوح زمنياً. وتحتفظ واشنطن في المقابل بقدرتها على التدخل من خارج الأراضي السورية عبر قواعدها الإقليمية، والطيران والقوات البحرية والقوات الخاصة عند الحاجة، بما يجعل الانسحاب من المواقع البرية مختلفاً عن التخلي عن القدرة العسكرية تجاه الساحة السورية. ويعبر المساران العراقي والسوري عن اتجاه أمريكي نحو تقليل القوات البرية الموزعة داخل الدول، وليس التخلي عن النفوذ العسكري الإقليمي.

إيران تعيد تشكيل الانتشار الأمريكي
تمثل إيران حالياً العامل الأكثر تأثيراً في مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط؛ فقد دفعت المواجهة معها إلى رفع حجم القوات، وتعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية، وزيادة الانتشار البحري والجوي، وإبقاء قوات تدخل سريع ضمن نطاق القيادة المركزية. وتواجه واشنطن -نتيجة لذلك- وضعاً مزدوجاً: تسعى استراتيجيتها العالمية إلى تخفيف الأعباء في الشرق الأوسط وتركيز موارد أكبر في المحيطين الهندي والهادئ، بينما تفرض المواجهة الإيرانية استمرار وجود عسكري مرتفع في الخليج والممرات البحرية.

ويفسر ذلك التباين بين الخطاب الأمريكي تجاه العراق والخطاب تجاه إيران؛ ففي العراق يجري الحديث عن إنتهاء الحاجة إلى القوات، بينما ترفض الإدارة وضع موعد لنهاية الانتشار المرتبط بالمواجهة الإيرانية. وفي حال تراجع التصعيد مع إيران، يمكن أن يبدأ خفض القوات الإضافية والقطع البحرية والوحدات التي مُدد انتشارها بسبب الحرب، لكن ذلك سيعني العودة من انتشار الحرب إلى “انتشار الردع”، لا إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في الخليج.

وتستمر -في هذه الحالة- القواعد الجوية والبحرية، والأسطول الخامس، ومنظومات الدفاع الجوي، وشبكات القيادة والسيطرة والاستخبارات، باعتبارها بنية استراتيجية مستقرة للمصالح الأمريكية في المنطقة.

الموقف السعودي
لا يظهر في المواقف السعودية المعلنة طلب مباشر من واشنطن لتمديد بقاء القوات الأمريكية بصيغة رسمية معلنة، لكن المصالح الأمنية السعودية ترتبط -بصورة وثيقة- باستمرار الوظائف التي يؤديها الوجود الأمريكي في الخليج، والذب شكل -تاريخياً- حامياً لها.

وتستفيد السعودية من منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي، والاستخبارات والاستطلاع، والقيادة والسيطرة، والحضور البحري والجوي الأمريكي، وقدرة واشنطن على التدخل إذا تعرضت المملكة أو منشآتها لهجوم واسع، وإن كان هذا الأمر لم يعد بالكفاءة السابقة والالتزام الأمريكي الصارم بالقيام بهذه المهام، خصوصاً من بعد الحرب العدوانية على إيران وما أظهرته المعركة من تراجع تلك القدرات. وفي الوقت نفسه، تحاول الرياض تجنب تحول الأراضي السعودية إلى قاعدة لحرب أمريكية مفتوحة ضد إيران، بما يعرض منشآتها النفطية والمدن والقواعد العسكرية لهجمات إيرانية مباشرة.

ويتشكل الموقف السعودي لذلك حول معادلة تقوم على استمرار المظلة الأمريكية بوصفها أداة ردع وحماية، مع مطالبة الأمريكي بضبط استخدامها الهجومي بما يحول دون توسيع الحرب إلى الأراضي السعودية. ولا يتعارض ذلك مع اتجاه الرياض إلى توسيع شراكاتها العسكرية مع تركيا وباكستان، إذ تسعى السعودية إلى تقليل اعتمادها الحصري على الولايات المتحدة وزيادة بدائلها، دون الاستغناء عن القدرات الأمريكية التي لا تزال تمثل المكون الأكثر تطوراً في منظومة الدفاع الإقليمي، والتي تقول المعطيات أيضا أن القرار فيها يرجع للأمريكي وليس للسعودي.

انعكاسات إعادة الانتشار على اليمن
تحمل إعادة تشكيل الانتشار الأمريكي آثاراً مباشرة على اليمن والبحر الأحمر؛ فخروج القوات من العراق وتقليصها في سوريا لا يعني بالضرورة انخفاض القدرة الأمريكية في البحر الأحمر، لأن مركز الثقل العسكري ينتقل بدرجة أكبر نحو الخليج، هرمز، بحر العرب والممرات البحرية المرتبطة بالمواجهة الإيرانية. لكن استمرار استنزاف القوات والقطع البحرية والذخائر الأمريكية في المواجهة مع إيران يرفع كلفة فتح حملة عسكرية أمريكية واسعة وطويلة ضد اليمن، ويجعل واشنطن أكثر ميلاً إلى توزيع الأعباء على السعودية وحكومة المرتزقة والقوى التابعة لها.

وفي هذه الحالة تحتفظ الولايات المتحدة بالوظائف ذات الطابع الاستراتيجي، مثل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، والدفاع الجوي، والقيادة البحرية، وحماية الملاحة الأمريكية، والقدرة على الضرب من مسافات بعيدة، بينما يجري تحميل السعودية والقوى العميلة من المرتزقة نسبة أكبر في الأدوار البرية والساحلية والعمليات المرتبطة باليمن. ويتقاطع هذا الاتجاه مع محاولات السعودية تطوير ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، وتعزيز قدرات التحشيدات التابعة لها، وبناء أطر بحرية وأمنية تقلل الحاجة إلى انخراط أمريكي مباشر في كل مستوى من مستويات المواجهة.

استشراف
يُرجح أن يبقى الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط مرتفعاً خلال المدى القريب، رغم الانسحاب من العراق وتقليص القوات في سوريا، لأن استمرار العدوان على إيران سيمنع واشنطن من خفض قواتها في الخليج والممرات البحرية. ولذلك سيكون أي انسحاب أمريكي انتقائياً، مع بقاء القوات البحرية والجوية والدفاعات الصاروخية والقواعد الخليجية في صدارة الانتشار الأمريكي.

وإذا استمرت المواجهة مع إيران دون تسوية، ستضطر واشنطن إلى تمديد بقاء جانب من التعزيزات الحالية وتدوير القوات والقطع البحرية بدلاً من سحبها، ما يزيد الضغوط على الجاهزية والذخائر، ويجعلها أكثر تحفظاً تجاه فتح مواجهة طويلة جديدة في اليمن، دون أن يمنعها من تنفيذ اعتداءات محدودة في ظروف معينة. أما إذا تراجعت المواجهة مع إيران، فالأرجح أن تسحب واشنطن جانباً من القوات التي دفعت بها خلال الحرب، مع الإبقاء على القواعد والدفاعات والانتشار البحري الضروري لحماية عملائها في الخليج ومراقبة إيران.

وفي الحالتين، يُرجح أن تتزايد الضغوط الأمريكية على السعودية لتحمل مسؤوليات عسكرية وأمنية أكبر في البحر الأحمر واليمن، مع زيادة الدعم الاستخباراتي والتقني للتحشيدات التابعة للسعودية، وتعزيز قدراتها البحرية والساحلية والدفاعية، ويعني ذلك أن الخطر الأقرب على اليمن ليس بالضرورة عودة العدوان الأمريكي بالحجم السابق، بل تصاعد الضغوط عبر السعودية والقوى العميلة، مدعومة بقدرات أمريكية في الاستطلاع والاستخبارات والقيادة والسيطرة والدفاع البحري والجوي. ومع ذلك فإن القوات المسلحة اليمنية مستعدة لأي تطورات، وقادرة على الدفاع عن السيادة الوطنية، ومن خلفها الشعب اليمني داعماً في معركة الدفاع والتحرير.