العدو يرسّخ احتلاله جنوب لبنان بتحركات عسكرية وتدمير ممنهج.. تحذيرات من مخطط أمريكي بتواطؤ “السلطة”

3

 

يمضي العدو الصهيوني في جنوب لبنان في تكريس واقع احتلالي جديد، مستفيدًا من غطاء سياسي وأمني من جانب السلطة اللبنانية، يتيح له مواصلة الاعتداءات وفرض ترتيبات تتجاوز أي حديث عن وقف العدوان أو الانسحاب.

وفي ظل التحركات الصهيونية المستمرة، فإن التفجيرات المتكررة وتدمير المنازل والبنى التحتية واستهداف القرى تترافق مع محاولات لإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية في المناطق الحدودية ودفعها نحو الفراغ السكاني، بما يخدم استمرار الاحتلال وإحكام السيطرة على الأرض.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال اعتداءاته، تتصاعد الضغوط الأمريكية لنزع عناصر القوة اللبنانية المتمثلة بالمقاومة ومعادلة الردع، فيما يجري التعامل مع الملف اللبناني من خلال تفاوض وترتيبات لا تستند إلى رؤية لبنانية موحدة، حيث تنصاع السلطة اللبنانية للموجهات الأمريكية وتعمل بوضوح على تمرير أجندات العدو الصهيوني.

وتأتي هذه المستجدات وسط استمرار الاحتلال في تثبيت نقاطه على التلال وإقامة مواقع عسكرية محصنة، في خطوة تثير تساؤلات جدية حول حقيقة نواياه بشأن الانسحاب، فيما ملف المختطفين، الذي يفترض أن يكون مدخلًا لإنهاء معاناة المحتجزين، فيحيط به الغموض، مع إطلاق الاحتلال عددًا محدودًا منهم مقابل استمرار الاعتقالات، بينما لا تزال المعلومات المتعلقة ببقية الأسرى وآلية إطلاقهم والمقابل الذي حصل عليه الاحتلال غير واضحة، في وقت تثار فيه قضية رفات يهود مدفونين في لبنان باعتبارها ورقة يمكن أن تُستخدم لتحرير الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين والعرب، بدل إدارتها بصورة منفصلة عن ملف الأسرى.

الاحتلال يثبّت وجوده جنوبًا ويغيّر جغرافية المنطقة:

وفي هذا السياق، يقول الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية العميد علي أبي رعد إن الاحتلال الصهيوني يمضي في تكريس أمر واقع جديد في جنوب لبنان، خصوصًا في المناطق المحاذية لما يسمى “الخط الأصفر”، مشيرًا إلى أن ما يقوم به العدو يتجاوز العمليات العسكرية إلى محاولة تدمير جغرافية المنطقة بعمق يتراوح بين أربعة وثمانية كيلومترات.

ويوضح العميد أبي رعد في مداخلة على قناة المسيرة، أن الاحتلال يعمل على تغيير ديمغرافية المنطقة وجغرافيتها، عبر إحداث أضرار بيئية وتدمير البنية التحتية، بما يجعل المنطقة غير قابلة للسكن وخالية من البشر والعمران.

ويؤكد أبي رعد أن أي انسحاب للاحتلال، حتى في حال اللجوء إلى التفاوض، لن يتحقق إلا بالمقاومة، مشددًا على أن الاحتلال “لا يفهم إلا بالقوة”، وأن تجربة المقاومة عام 2000 أثبتت ذلك.

ويشير إلى أن الاحتلال يعمل يوميًا على تثبيت أمر واقع في المناطق الواقعة على أطراف الخط الأصفر، من خلال التفجيرات المتكررة التي لا طائل منها سوى التدمير والتخريب، فضلًا عن إصراره على منع سكان الجنوب من التمركز حتى في المناطق الواقعة خارج الخط الأصفر.

ويلفت إلى الاعتداءات المتكررة، خصوصًا في منطقة النبطية وكفرتبنت المحاذية لمرتفعات علي الطاهر، إضافة إلى إصرار الاحتلال على إقامة مراكز عسكرية ثابتة في تلال حاكمة تشرف على كامل القطاع، بدءًا من الجهة الغربية.

ويذكر أبي رعد منطقة المنصوري، التي يقول إن الاحتلال لم يستطع الدخول إليها خلال الحرب، إلى جانب مناطق أخرى مثل حداثة في القطاع الأوسط، وصولًا إلى مرتفعات علي الطاهر التي أكد أنها لم تدخل تحت الاحتلال ولم تسقط، وإنما لا يزال الاحتلال يمارس فيها التفجيرات والعربدة، بهدف عسكري يتمثل في استهداف هذه التلال ومنع وجود أي مقاومة فيها، رغم أهميتها الاستراتيجية.

وفي ختام حديثه، يشدد العميد أبي رعد على أن الأخطر يتمثل في المواقع العسكرية التي بدأ الاحتلال باستحداثها على التلال الحاكمة، بدءًا من بلدة القيّام، حيث أزال المعتقل الذي كان قد أقامه قبل التحرير، وبدأ ببناء مراكز عسكرية ثابتة شديدة التحصين، وهو ما يعني عدم وجود نية لدى الاحتلال للانسحاب.

التنسيق الأمريكي مع الاحتلال والسلطة اللبنانية:

من جهتهيقول الكاتب والباحث اللبناني ومدير مركز سونار للإعلام حسين مرتضى إن المستجدات الميدانية تؤكد أن الاحتلال يحاول تثبيت نقاطه في المنطقة، معتبرًا أن ما يقوم به جيش الاحتلال يأتي ضمن تنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية وتحت إشرافها، إلى جانب التنسيق مع السلطة اللبنانية.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، يشير الباحث حسين مرتضى إلى وجود تواطؤ واضح من جانب السلطة اللبنانية، رابطاً ما يجري بالمخطط الأمريكي الذي تحدث عنه توم برّاك عام 2024 عندما قدم للسلطة اللبنانية ورقة عُرفت بـ”المنطقة الاقتصادية”، معتبرًا أن هذا الأمر يجري تطبيقه على الأرض.

ويلفت إلى أن السلطة اللبنانية وافقت على هذا الطرح أو فُرض عليها، وإنها ليست في موقع يمكنها من رفضه أو مناقشته، مؤكداً أنها أصبحت أداة في هذه المرحلة، كما هو حال كيان الاحتلال الإسرائيلي، في مشروع أكبر تديره الولايات المتحدة لإعادة ترتيب المنطقة بالكامل.

ويوضح أن هذا المشروع لا يقتصر على العمليات العسكرية، بل يشمل الجوانب اللوجستية والمخطط الجاري تنفيذه، بما يقود إلى أن الإدارة الأمريكية تدير المشروع وتستخدم أدوات في المنطقة، وفي مقدمتها السلطة اللبنانية في ما يتعلق بالملف اللبناني.

ويتناول مرتضى البيان الأخير للمقاومة، رافضًا محاولات تقديمه باعتباره انتقادًا لحزب الله، مضيفاً أن قيادة المقاومة تعرف أن البيانات لا تحرر الأراضي ولا تعيد الحقوق، لكن إصدارها يأتي من مبدأ إلقاء الحجة.

ويتابع قائلاً: إن المقاومة، إذا قامت في التوقيت والمكان والمعطيات المناسبة بعمل يعيد رسم الخارطة انطلاقًا من تحرير الأرض، فلا ينبغي أن يقال إنها انفردت بقرارها، لأنها تكون قد حملت السلطة اللبنانية والإدارة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي مسؤولية ما يجري ومسؤولية تمادي الاحتلال.

ويؤكدأن المقاومة والقوى الشريفة في لبنان والمنطقة لن تسمح بترسيخ المشروع الإسرائيلي بغطاء أمريكي وتواطؤ من السلطة اللبنانية.

ملف الأسرى.. إطلاق محدود وأسئلة حول المقابل:

وفي ما يتعلق بإعلان الاحتلال إطلاق خمسة أسرى، يقول مرتضى إن ذلك لم يوقف العدوان ولم يغير معطيات الميدان أو مسار التفاوض.

ويشدّد على أن أي خطوة تؤدي إلى تحرير أسير من سجون الاحتلال أو توقف العدوان على لبنان تستحق الترحيب، لكنه يطرح مجموعة من التساؤلات حول آلية إطلاق الأسرى الخمسة، بينها: هل كان الأمر مجرد انتقاء للأشخاص الذين يريد الاحتلال إطلاقهم؟ وعلى أي أساس جرى اختيارهم؟ وهل توجد معلومات عن بقية الأسرى؟ وكيف تمت العملية؟ وما المقابل الذي حصل عليه الاحتلال؟

ويشير إلى أن الاحتلال اعتقل خلال الساعات والأيام الماضية نحو ثلاثة أو أربعة أشخاص مقابل إطلاق أربعة أو خمسة أسرى، معتبرًا أن ذلك يفرض أسئلة إضافية حول إدارة ملف الأسرى.

ويوجه مرتضى أسئلة مباشرة إلى السلطة اللبنانية بشأن امتلاكها معلومات كاملة عن أسماء الأسرى وعددهم وأماكن وجودهم، وما إذا كان الصليب الأحمر قد سُمح له بالتوجه إلى سجون الاحتلال للقاء الأسرى.

كما يتساءل عن وجود اتفاق ضمني مرتبط بما طُرح مؤخرًا، معتبرًا أن السلطة اللبنانية لا تضع الجمهور اللبناني في صورة ما يجري.

رفات اليهود في لبنان.. ورقة يمكن أن تحرر الأسرى:

ويتطرق مرتضى إلى ما يُطرح بشأن البحث عن رفات يهود دفنوا في لبنان، متسائلًا عن سبب عدم مصارحة الشعب اللبناني بهذا الملف، والقول بوضوح إن البحث عن الرفات والجثامين اليهودية يجري مقابل إطلاق جميع الأسرى.

ويؤكد أن هذه الورقة يمكن أن تُستخدم لتحرير الأسرى اللبنانيين، بل والفلسطينيين والعرب، والتخفيف عن الأسرى الموجودين، إذا أُدير الملف بحنكة، وليس من خلال الخضوع للإملاءات التي يفرضها الاحتلال.

ويضيف أن تزويد الاحتلال بالخرائط المتعلقة بالمقابر اليهودية في لبنان لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن ملف الأسرى، بل كان يفترض أن يكون هناك ملف كامل، لأن ملف الأسرى لا يمكن تجزئته، مستندًا إلى تجربة المقاومة في لبنان في هذا المجال.

ويذكّر بأن المقاومة سبق أن فاوضت في ملفات أسرى، ولم تقدم للاحتلال كل المعلومات التي كانت بحوزتها، وتمكنت من تحقيق إنجاز كبير تمثل في إطلاق الأسرى.

كما يذكّر بأن السلطة اللبنانية كانت قد احتجزت قبل عدة أشهر مستوطنًا قيل إنه دخل لبنان بعد أن ضل طريقه، ثم قامت بتسليمه، متسائلًا عن سبب عدم استخدام هذه الورقة للحصول على معلومات أو الإفراج عن أي أسير، معتبرًا أن ذلك كان يمكن أن يشكل ورقة قوة للبنان في التفاوض.

ويعتبرأن هذه الوقائع تثير لديه الشك والريبة وعلامات الاستفهام حول ما تقوم به السلطة اللبنانية والتنازلات التي تقدمها في هذا الملف.

ضغوط أمريكية تستهدف المقاومة بتواطؤ السلطة:

وفي ملف الضغوط الأمريكية والإسرائيلية لنزع عناصر قوة لبنان، يقول مرتضى إن التمسك بالمقاومة ومعادلة الردع أصبح محل صراع داخل لبنان، وإن البلاد أمام انقسام عمودي، بغض النظر عن النسب المئوية.

وينتقد السلطة التي لا تريد مناقشة جزء كبير من الشعب اللبناني، بينما تذهب إلى الحوار والتفاوض مع الاحتلال، أو إلى روما وغيرها حيث تُملَى عليها الأمور التي تريد تنفيذها.

ويؤكد أن مواجهة الاحتلال لا يمكن أن تتم بصورة منفردة، داعيًا إلى استراتيجية تتوحد فيها الجهود اللبنانية على المستويات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية.

كمايؤكد أن المقاومة كانت، على مدار خمسة عشر شهرًا، تقول في خطابات الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إنها خلف السلطة، وإنها تعتبر نفسها ورقة قوة لها، لكن ذلك مشروط بوجود مفاوضات وإصرار وعمل من أجل حل ما يرتبط بوجود الاحتلال الإسرائيلي.

وفي ختام حديثه، يحمل الباحث اللبناني، حسين مرتضى، العدو الأمريكيوالسلطة اللبنانية المسؤولية عن استمرار الانتهاكات الصهيونية، مشدداً على أن معادلة الردع والمقاومة، في ظل هذا الواقع، ستبقى في قلب المعركة لإفشال مخططات العدو.