إلى أين يقود اختبار واشنطن للجاهزية الإيرانية؟

2

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
6 سبتمبر 2026مـ – 24 ربيع الأول 1448هـ

محمد ناصر حتروش: تمضي الولايات المتحدة في تصعيد مواجهتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مستخدمةً مزيجًا من الاعتداءات العسكرية والضغوط الاقتصادية في محاولة لإرباك طهران والتأثير في مسار الصراع. إلا أن التطورات الميدانية تفرض معادلة مغايرة للحسابات الأمريكية، إذ تقابل إيران الاعتداءات بردود سريعة، ولا تحصر استجابتها في موقع الضربة، بل تمتد خياراتها إلى استهداف مواقع ومصالح وقواعد العدو الأمريكي في المنطقة.

وتظهر هذه المعادلة بصورة أوضح مع استمرار استهداف ناقلات النفط الإيرانية في مياه الخليج، بالتوازي مع الاعتداء الأمريكي على حفل زفاف في بلدة كوهستك الساحلية بمقاطعة سيريك في محافظة هرمزغان جنوبي إيران، في الأول من سبتمبر 2026، والذي أسفر عن استشهاد خمسة مدنيين وإصابة نحو 68 آخرين.

ومع تكرار هذه الاعتداءات، تتأكد أمام واشنطن حقيقة أن الضغط على طهران لا يبقى في اتجاه واحد، وأن إيران تمتلك من الجاهزية والخيارات ما يمكنها من تحويل الاعتداء إلى نقطة انطلاق لرد يطال مصالح المعتدي ومواقعه في المنطقة، ويعيد فرض كلفة التصعيد على صاحبه.

ويقود التصعيد الأمريكي ضد إيران البلدين إلى معركة مفتوحة تلقي بظلالها على المنطقة بأكملها؛ ففي وقت تواصل فيه واشنطن تبديل إجراءاتها وتكتيكاتها بحثًا عن مخرج من تعثر أهدافها المعلنة؛ تحافظ طهران على جاهزيتها للرد وتعدد خياراتها في مواجهة الاعتداءات، بما يفرض على الولايات المتحدة حساب كلفة كل خطوة قبل الإقدام عليها.

ومع استمرار التصعيد وتبدل الإجراءات الأمريكية، تبرز أسئلة جوهرية حول مسار المواجهة ومآلاتها: فهل يصبح التغيير المتكرر في التكتيكات الأمريكية مؤشرًا على فشل المسار الذي اختارته واشنطن؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في التصعيد من دون أن تتحول كلفته إلى عبء على قواتها ومصالحها؟

في السياق يرى الخبير العسكري العميد عمر معربوني أن المواجهة تدخل مرحلة من الاحتدام بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، في ظل عدم تمكن العدو من تحقيق أهدافه المعلنة، وهو ما يدفعه إلى مواصلة تغيير إجراءاته وتعديل خططه في محاولة للتعامل مع هذا التعثر.

وفي حديثه لقناة المسيرة يقول معربوني :” المسألة الاستراتيجية الأهم تتمثل في أن التغيير المستمر للخطط يعني أن الخطة الأولى لا تحقق أهدافها، ثم تأتي الثانية والثالثة في السياق ذاته، الأمر الذي يستدعي قراءة هذا المسار بوصفه مؤشرًا على صعوبة الوصول إلى النتائج التي يسعى إليها العدو”؛ مضيفاً: الإجراءات التي يعتمدها العدو تمثل محاولات للتأثير في مسار المواجهة، لكنها لا تعني بالضرورة إحداث تغيير حاسم، مشددًا على أن الحرب تبقى مفتوحة، وأن استمرارها يجعل إعلان تغيير التكتيكات والإجراءات جزءًا من طبيعة المواجهة المتواصلة.

ويشير إلى أن العقوبات والإجراءات المفروضة على إيران ومحور المقاومة تترك آثارًا مؤذية، لكنها لا تلغي امتلاك القدرة على توفير الحد الأدنى من الإمكانات اللازمة لتجاوزها والتعامل معها، مشددا في ما يتعلق باليمن على أهمية وحدة الشعب اليمني حول قيادته في مواجهة الإجراءات المعادية، مستشهدًا بقدرته على تجاوز الحصار المستمر.

ويلفت إلى أن استهداف الناقلات الإيرانية يقابله رد إيراني متماثل، بما يعكس حالة من المراوحة في قواعد الاشتباك، مع بقاء قدرة الأطراف على توسيع نطاق التصعيد.

وينوه إلى أن استمرار التصعيد الأمريكي على إيران أدى إلى ضعف القدرات العسكرية الأمريكية ونقص الذخائر والضغوط التي تواجه الجنود والضباط، إلى جانب التناقضات داخل الولايات المتحدة، معتبرًا أن استمرار هذا المسار قد يضع واشنطن أمام أعباء مالية متزايدة ويدفع نحو تراجع وجودها في المنطقة، وإن كان خروجها لا يبدو سهلًا بعد عقود من بناء النفوذ والهيمنة.

ويحذر معربوني من احتمال أن يقدم الكيان الإسرائيلي على كسر حالة المراوحة والانتقال بالمواجهة إلى مستوى أعلى، معتبرًا أن مثل هذا التطور يحمل مخاطر كبيرة على مسار الصراع.

العدوان الأمريكي.. أهداف محددة سلفًا

في خضم التصعيد الأمريكي ضد إيران، تتجه الأنظار إلى طبيعة الأهداف التي تطالها الضربات، ولا سيما المنشآت المدنية والمواقع المعروفة، بما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأهداف تُختار في لحظة المواجهة، أم يجري تحديدها ضمن ترتيبات عسكرية تسبق تنفيذ العمليات.

وحول هذا الشأن يؤكد الخبير في الشؤون الاستراتيجية محمد مرندي أن العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران يجري الإعداد لها مسبقًا، كونها تحدد أهدافها بدقة قبل وقت طويل من بدء العمليات، بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الأثر والضرر في إيران.

وفي تصريح إعلامي له يوضح مرندي أن النقاش حول استهداف الأهداف المدنية في إيران يُطرح منذ أشهر، مشيرًا إلى أن قصف المدرسة الابتدائية والمجمع الرياضي الذي تُقتل فيه مجموعة من الفتيات المراهقات أثناء لعب كرة اليد، إلى جانب استهداف مستشفى في طهران، يقع في اليوم الأول من الهجوم.

ويشير إلى أن طبيعة العمليات العسكرية الكبرى تفرض اعتماد الأهداف وتحديدها مسبقًا، موضحًا أن الإعداد لمثل هذه العمليات يستغرق عادة أشهرًا، وأن المهاجم يسعى إلى اختيار أهدافه بعناية بما يحقق التأثير الأكبر.

ويؤكد أن المنشآت التي يجري استهدافها تكون معروفة، مشيرًا إلى المدرسة والمجمع الرياضي، ويضيف أن النظر في واقعة قصف جسر في طهران يقدم مثالًا آخر، على طبيعة الاستهداف.

ويقول:” إن الجسر يقع في منطقة معروفة وتتجمع الأسر تحته، ومع ذلك تُستخدم قنابل خارقة للتحصينات لتدميره، ما يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الأبرياء”، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب يتحمل، مسؤولية تدمير الجسر.

ويلفت إلى ما يجري في غزة ولبنان وأماكن أخرى، معتبرًا أنها تقدم أمثلة على عمليات تتم بموافقة ودعم وتيسير أمريكي مباشر.

وفيما يتعلق بالهجمات الأمريكية الأخيرة على إيران، يؤكد أن السيناريو نفسه يتكرر، موضحًا أن الأهداف لا تُختار نتيجة تحرك عسكري مفاجئ في خضم معركة محتدمة، وإنما تكون معروفة ومحددة مسبقًا، وكان بالإمكان استهدافها قبل وقت من تنفيذ الضربات.

وبناءً على ذلك، يرى مرندي أن اختيار هذه الأهداف يسبق تنفيذ العمليات بوقت، ولا يأتي نتيجة خلل طارئ أو خطأ يحدث أثناء القتال.