صحافة دولية: حصار النفط والتحولات الهيكلية للشحن يكشفان هشاشة الحماية الأمريكية

2

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
6 سبتمبر 2026مـ – 24 ربيع الأول 1448هـ

تكشفت في الآونة الأخيرة أبعاد جديدة للتحولات الهيكلية والأزمات العسكرية والأمنية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط وداخل مؤسسة القرار العسكري الأمريكي.

وذلك بناءً على سلسلة تقارير ومقالات استقصائية نشرتها صحف ومواقع إعلامية بريطانية وأمريكية بارزة، سلطت الضوء على ضرب مسارات تصدير النفط السعودي، واختناقات التأمين وسلاسل الإمداد البحرية، وصولاً إلى حالة من الفوضى وأزمة الثقة غير المسبوقة داخل أروقة وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون).

ويكشف موقع “تومورو أفيرز” البريطاني أن اندلاع حرب كبرى جديدة تشنها السعودية على اليمن أصبح أمراً أكثر احتمالاً، في ظل استمرار رفض الرياض رفع الحصار، واعتبارها اليمن القوية والمستقلة عسكرياً تهديداً استراتيجياً تصعب السيطرة عليه، ويأتي ذلك بالتزامن مع تزايد المخاطر التي تواجه منشآت الطاقة والملاحة السعودية عبر البحر الأحمر ومضيق هرمز، عقب الحصار اليمني الذي جاء رداً على الحصار المديد فرض على اليمن.

عمليات اليمن تضرب مسارات النفط وشروط الهدوء

وأبرز الموقع تعرض الناقلات السعودية لهجمات في البحر الأحمر والخليج، بالتوازي مع تهديد الممرات المؤدية إلى مضيق هرمز، مؤكداً أن استهداف ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة على الساحل الغربي يجعل أمن الملاحة السعودية مرتبطاً بصورة مباشرة بقدرة المملكة على حماية طرق تصديرها.

وبيّن الموقع أهمية خط أنابيب (الشرق – الغرب) بالنسبة للرياض؛ حيث تبلغ قدرته لنقل النفط الخام من المنطقة الشرقية إلى ينبع نحو 7 ملايين برميل يومياً، مع توافر قرابة 5 ملايين برميل للتصدير بعد تلبية احتياجات المصافي غرب السعودية. ورغم أن هذا الخط يعد الوسيلة الرئيسية لتجاوز مضيق هرمز، إلا أنه يظل معتمداً في النهاية على ضمان المرور الآمن عبر باب المندب.

واستقرأ الموقع التداعيات العالمية لأي تعطيل دائم لهذا المسار، موضحاً أن خروج عدة ملايين من براميل الصادرات السعودية يومياً من السوق لفترة طويلة سيضيف اضطراباً كبيراً إلى سوق نفط تعاني أصلاً من تداعيات الحرب العدوانية على إيران، نظرًا لدور السعودية كأكبر مصدر للنفط الخام وصاحبة الحصة الرئيسية من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية.

وأكد الموقع البريطاني أن قيام أي حرب جديدة ضد اليمن سيكون بقيادة السعودية، مشيراً إلى أنها تطورت منذ عام 2015 إلى هيكل عملياتي ينسق بين القوات السعودية والإمارات حينها، وتحشيدات من المرتزقة متعددي الجنسيات تضم مقاتلين سودانيين وباكستانيين وكولومبيين وإسرائيليين، وجيوشاً غير حكومية مثل “بلاك ووتر” و”دايان كورب”.

وخلص التقرير إلى أن إنهاء الظروف العسكرية التي أبقت الصراع قائماً بات مرتبطاً بإتاحة فرصة لرفع القيود عن اليمن ليحكم نفسه بنفسه، وتسليم ثرواته لإعادة بناء ما جرى تدميره وما تم نهبه منذ عام 2015م.

تحول هيكلي في سوق الناقلات والنفور من المخاطر

في مقال رأي لرئيس تحريرها “هاري تشارد ميدن”، جزمت صحيفة “لويدز ليست”؛ بأن تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الخليج والبحر الأحمر أحدث تحولاً هيكلياً في سوق ناقلات النفط، حيث اتجهت شركات النفط الخليجية إلى تكثيف شراء الناقلات لضمان قدرات النقل وتعزيز السيطرة على تدفقات صادراتها بعد رفض جهات أخرى النقل لها.

وأوضحت الصحيفة أن تصاعد المخاطر دفع أسعار الناقلات إلى الارتفاع بصورة كبيرة، لا سيما السفن القديمة القادرة على العمل في المناطق عالية المخاطر، مع انتقال ملكية عدد متزايد من الأصول من ملاك أكثر نفوراً من المخاطر إلى جهات مدعومة حكومياً مستعدة لتحمل مستويات أعلى من المخاطر الجيوسياسية.

واستقرت الصحيفة طبيعة السوق الجارية، مشيرة إلى أن تدفقات النفط لا تزال مستمرة عبر طرق تهريب معقدة تهدف لتقليل المخاطر، إلا أن السوق أصبح أكثر انقساماً بين ملاك يقبلون الإبحار في المناطق الخطرة وآخرين يفضلون الانسحاب.

وأكد التقرير أن استمرار هذا النفور قد يعيد تشكيل ملكية أسطول الناقلات ليزيد من هيمنة شركات النفط الوطنية على السفن لضمان التصدير، مبيناً أن ملكية الناقلات قد تصبح مرتبطة بالاستعداد لتحمل المخاطر الجيوسياسية وليس بالعوامل التجارية والاقتصادية التقليدية وحدها.

قفزات قياسية في أسطول التأمين وأزمة مرتقبة

في السياق، أفاد موقع “جي كابتن” الأمريكي المتخصص في الشؤون البحرية، بأن مطالبات التأمين ضد مخاطر الحرب في منطقة غرب آسيا تجاوزت ملياري دولار منذ اندلاع الحرب، مع تسجيل أكثر من 70 مطالبة.

وأدى اتساع نطاق الهجمات البحرية إلى ارتفاع حاد في أقساط التأمين، وامتداد مناطق تصنيف مخاطر الحرب مسافات جديدة على الساحل الغربي للسعودية، وسط مخاوف من تحمل شركات التأمين التزامات إضافية بمليارات الدولارات إذا استمرت الأزمة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.

ونقل الموقع عن المنظمة البحرية الدولية إحصاءها لأكثر من 72 هجوماً على السفن منذ مارس، في حين تحذر شركات التأمين من ارتفاع الالتزامات نتيجة مطالبات الخسارة الكلية للسفن، لافتًا إلى أن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في المضيق ارتفعت إلى ما بين 40 و60 ضعف مستويات ما قبل الأزمة.

وربط الموقع بين تكاليف التأمين وأسعار النفط، مؤكداً أن نحو 7 إلى 8 دولارات من سعر برميل النفط الخام أصبحت مرتبطة حالياً بالتأمين ضد مخاطر الحرب، موضحًا أن الوضع ازداد سوءاً خلال الأسابيع الأخيرة عقب إعلان اليمن فرض حظر على مرور السفن السعودية عبر باب المندب، مما أثر مباشرة على صادرات الرياض التي كانت قد وسعت سابقاً طاقة خط أنابيب (شرق – غرب) لتحويل نحو 75% من صادراتها بعيداً عن مضيق هرمز.

كما كشف التقرير أن التطورات دفعت شركات التأمين لل توسيع قائمة مناطق مخاطر الحرب بنحو 800 كيلومتر إضافية شمالاً على طول الساحل الغربي للسعودية على البحر الأحمر، وهو ما انعكس على شركات إعادة التأمين التي أعادت تسعير أقساطها واعتمدت استثناءً شاملاً للسفن المرتبطة بالسعودية بأي شكل من الأشكال ضمن منتج التأمين القياسي.

وختم الموقع بالإشارة إلى أن معدلات التأمين تصل حالياً إلى نحو 10% من قيمة هيكل السفينة، ولأن قيمة الناقلات العملاقة تبلغ قرابة 140 مليون دولار، فإن ذلك يعكس حجم الكلفة الموردة على المصالح السعودية وشركات الشحن.

كابوس لوجستي يواجه السفن الحربية الأمريكية قرب إيران

كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الهجمات الإيرانية قلبت سلاسل الإمداد التابعة للبحرية الأمريكية رأساً على عقب، وفرضت ضغوطاً لوجستية متزايدة على حاملات الطائرات والمدمرات والسفن البرمائية المتواجدة في المنطقة لفترات غير محددة، في ظل تدمير إيران للقواعد العسكرية وعدم قدرة الموانئ القريبة على توفير الاحتياجات.

واستعرضت الصحيفة حجم الاحتياجات، مبيّنة وجود نحو 20 سفينة حربية في المنطقة تحمل قرابة 20 ألفاً من البحارة ومشاة البحرية، يحتاجون أسبوعياً لخدمات تشمل تحضير أكثر من 420 ألف وجبة ونحو 8 ملايين غالون من الوقود.

وذكرت الصحيفة أن إيران دمرت في 28 فبراير (اليوم الأول من الحرب) قاعدة لوجستية حيوية للبحرية الأمريكية في البحرين، بينما أصبحت موانئ أخرى في المنطقة تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، ما جعل الوصول لمرافق الدعم القريبة متعذراً أو محفوفاً بالمخاطر، ودفع هذا الوضع البحرية الأمريكية للجوء لإعادة الإمداد في البحر كل 5 إلى 6 أيام، وهو ما يتطلب تنسيقاً معقداً ويضع السفن وسفن الإمداد في دائرة الخطر أثناء عملية النقل.

وعن البدائل المتاحة، أوضحت “نيويورك تايمز” أن سفن الإمداد تضطر حالياً لقطع نحو 2200 ميل للوصول إلى جزيرة “دييغو غارسيا” في المحيط الهندي لتزود بالطعام والوقود للانتشار في خليج عمان وبحر العرب، مما يستهلك وقتاً ووقوداً إضافيين.

أمّا الخيار الآخر؛ فيتمثل في التوجه إلى سنغافورة على بعد 3700 ميل، ما يفرض المرور عبر مضيق ملقا المكتظ تجارياً ويضيف تحدياً ملاحياً جديداً، مؤكدًا أن الضربات الإيرانية أصابت البنية اللوجستية، مما حول تأمين الوقود والطعام إلى تحدٍ استراتيجي مواز للعمليات القتالية ذاتها.

استقالة وزير الجيش الأمريكي وفوضى قيادية داخل البنتاغون

وفي تقرير استقصائي موسع، سلطت صحيفة “فاينانشال تايمز” الضوء على تفاقم أزمة الفوضى داخل وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) عقب استقالة وزير الجيش “دان دريسكول” مؤخراً، على خلفية خلافات عميقة واشتباك شخصي ومؤسسي مع وزير الحرب “بيت هيغسيث”.

وأرجعت الصحيفة الاستقالة إلى أشهر من التوتر المستعصي مع “هيغسيث” بشأن التحول التكنولوجي للجيش والتعيينات العليا؛ حيث اتهم “دريسكول” وزير الحرب بإلحاق ضرر يمتد لأجيال بأكبر فروع الجيش عبر التدخل المباشر وعرقلة جهود تحديث الطائرات المسيرة أنظمة الدفاع الصاروخي لأسباب شخصية واعدة غير معلنة.

وأوضحت الصحيفة أن الاستقالة تترك فراغاً قيادياً حرجاً وفجوات خطيرة في خضم حرب ممتدة ومستنزفة ضد إيران، خاصة مع غياب وزير دائم للجيش أو رئيس أركان مصدق عليه، واستمرار التخبط الناجم عن إقصاء “هيغسيث” لنحو 24 جنرالاً ومنذ بداية ولايته.

ونقلت التقرير مخاوف أثارها الحزب الجمهوري في الكونغرس (الكابيتول هيل)، حيث أبدى السيناتور “مايك راونز” خيبة أمله لغياب القيادات المحترمة، حذر مساعدون برلمانيون من أن هذا التصدع سيخلق مشكلات جوهرية للبنتاغون أثناء محاولته تمرير ميزانية ضخمة بقيمة 1.5 تريليون دولار وتوفير التمويل الإضافي للحرب.

واعتبرت “فاينانشال تايمز” أن ما يجري يشكل ضغطاً مزدوجاً، يتزامن مع استنزاف حاد في مخزونات الصواريخ والدفاع الجوي (باتريوت وثاد) نتيجة العمليات المطولة، والضغوط البالغة لتأمين الممرات البحرية من الكاريبي إلى إيران، ما يضع الجاهزية العسكرية برمتها على المحك.

ضغوط لشطب فلسطين ورسائل حول حرب إيران

وأكد موقع “ميدل إيست آي” أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، طلب منه خلال مهمة مرتبطة بما يسمى “مجلس السلام” التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الضغط على السلطة الفلسطينية لإزالة أي ذكر لكلمة “فلسطين” من المناهج والكتب المدرسية، واستبدالها بالتسوية اليهودية السامرة، وفق ما نقله الموقع عن “جيرمي قنستوك”، سفير بريطانيا السابق لدى الأمم المتحدة.

ونقل الموقع عن “قنستوك” قوله: إن “بلير حاول ممارسة هذه الضغوط، وأن الرسالة التي حملها تمثلت في أن حذف كلمة “فلسطين” من المناهج سيكون شرطاً أو مؤشراً على استعداد السلطة لأن يتعامل معها “مجلس السلام” باعتبارها طرفاً قادراً على التوصل إلى اتفاق مع كيان الاحتلال لإنهاء الحرب على غزة.

وأوضح قنستوك أنه تلقى هذه المعلومات من مصدر عالي المستوى على مستوى وزاري، منتقداً هذه المطالب ومشيراً إلى أنها تثير تساؤلات حول مبادئ المجلس وفهمه للعدالة وتاريخ الصراع.

وذكر الموقع أن بلير زار كيان الاحتلال منتصف أغسطس برفقة جارد كوشنر (صهر ترامب) و”نيكولاي ميلادينوف” (الممثل السامي لشؤون غزة).

وفيما يتعلق بتوقيت الحرب على إيران، رأى قنستوك في مقابلته أن قرار شن الضربات لم يكن مرتبطاً بالاستخبارات الإسرائيلية وحدها، بل تأثر باعتبارات داخلية أمريكية؛ حيث تزامن الهجوم مع بلوغ التكهنات المتعلقة بملف “جيفري أبستين” والقضايا القانونية التي تواجه إدارة ترامب ذروتها، معتبراً التوقيت غير مصادفة، وعلى صعيد التحولات الإقليمية، ربط قنستوك الاتفاق الثلاثي لحماية الملاحة السعودية بتراجع الثقة في القوة والحماية الأمريكية.

اختبارات كشف الكذب لكبار ضباط البنتاغون

ويكشف تقرير استقصائي آخر لصحيفة “نيويورك تايمز” عن لجوء محققي الحكومة الأمريكية إلى خطوة غير مسبوقة في التاريخ الحديث للجيش الأمريكي، تمثلت في إخضاع نحو 50 عضواً من هيئة الأركان المشتركة لاختبارات كشف الكذب، على خلفية تسريبات صحفية تتعلق بتأثير الحرب ضد إيران على مخزونات الذخيرة الاستراتيجية.

وأفادت الصحيفة بأن التحقيقات التي أُجريت في أغسطس شملت ضباطاً عسكريين وموظفين مدنيين كباراً سُئلوا عما إذا كانوا قد سربوا معلومات سرية للصحفيين، وتحديداً التقارير التي كشفت عن نقص الذخائر الحيوية وصواريخ الباتريوت الاعتراضية والصواريخ بعيدة المدى.

وذكرت الصحيفة أن التحقيقات واسعة النطاق أدت إلى تصعيد غير مسبوق في أجواء انعدام الثقة والارتياب المستشري داخل أروقة وزارة الدفاع، وهو توجس يؤكد مسؤولون حاليون وسابقون أن وزير الحرب “بيت هيغسيث” أسهم بشكل مباشر في ترسيخه وتوسيع هوته.

وجاءت هذه الحملة الأمنية المشدّدة عقب سلسلة تقارير إعلامية محرجة فضحت حجم الاستنزاف الهائل الذي تعرضت له منظومات الدفاع الجوي الأمريكية جراء العمليات المطولة ضد إيران وتأمين خطوط الملاحة.

واختتمت “التايمز” بالإشارة إلى أن هذا الإجراء الاستثنائي يتزامن مع حالة التخبط والفوضى القيادية التي يعاني منها البنتاغون، والتي تفاقمت مؤخراً بعد استقالة وزير الجيش “دان دريسكول” نتيجة خلافات عميقة مع “هيغسيث” وتشرذم القيادات العليا وسط الحرب المستمرة.