الحظر اليمني يربك صادرات النفط السعودية ويجبر العدو السعودي على مسارات مكلفة

4

ذمــار نـيـوز || متابعات ||
24 أغسطس 2026مـ – 11 ربيع الأول 1448هـ

يتواصل تأثير الحظر اليمني على الملاحة المرتبطة بالعدو السعودي، ليتجاوز تعطيل حركة الناقلات في البحر الأحمر وباب المندب إلى إحداث ضغوط لوجستية وتجارية متصاعدة على منظومة تصدير النفط السعودية، في ظل اضطرار الرياض إلى البحث عن طرق بديلة لنقل الخام إلى الأسواق، وتحمل تكاليف إضافية ترفع أعباء الشحن وتؤثر في كفاءة سلاسل الإمداد.

وكشفت معلومات أوردتها وكالة “بلومبرج” أن تداعيات الحظر المعلن منذ العشرين من يوليو انعكست على حركة ناقلات النفط الخارجة من ميناء ينبع، حيث بدأت سفن محملة بالخام السعودي تجنب المرور عبر باب المندب، واتجهت شمالاً نحو موانئ مصرية مثل العين السخنة وسيدي كرير، قبل إعادة توجيه الشحنات إلى وجهاتها النهائية.

ويمثل هذا التحول في مسارات النقل عبئاً إضافياً على صادرات السعودية، خصوصاً بالنسبة للشحنات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، إذ تضطر بعض الناقلات إلى سلوك طرق بحرية أطول بكثير حول القارة الأفريقية، ما يضيف أياماً ومسافات كبيرة إلى الرحلة ويرفع تكاليف الوقود والتأمين والتشغيل.

وتشير البيانات المتداولة إلى أن بعض الرحلات قد تصل، في حال الدوران حول أفريقيا، إلى نحو 17 ألف ميل، أي أكثر من ضعف المسافة المعتادة بالنسبة لبعض خطوط النقل التي كانت تمر عبر البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يحول قرار تغيير المسار إلى تكلفة مباشرة على المصدر والمشتري وشركات النقل.

ولا يقتصر الاضطراب على تغيير وجهة السفن، إذ تظهر آثاره في حركة الأسطول نفسه، مع رصد ناقلات تديرها شركات دولية وهي تنقل الخام بين ميناء ينبع والعين السخنة، في محاولة لتجنب المسار المباشر عبر باب المندب والوصول إلى طرق بديلة تتيح استمرار حركة الشحن.

كما اضطرت ناقلات سعودية عملاقة إلى الإبحار بعيداً عن باب المندب، والدوران بمحاذاة الساحل الأفريقي باتجاه البحر المتوسط، في مسارات أطول وأكثر كلفة من طرق النقل التقليدية.

وتضع هذه التطورات صادرات النفط السعودية أمام معادلة صعبة، فالمشكلة لا تتعلق بقدرة المملكة على إنتاج الخام، وإنما بقدرتها على نقله بكفاءة وتكلفة تنافسية إلى الأسواق المستهدفة، خصوصاً أن جزءاً مهماً من الصادرات يعتمد على خطوط بحرية تمر عبر ممرات استراتيجية.

وبالتوازي مع البحث عن مسارات غربية بديلة، تتجه الرياض إلى البحث عن خيارات أخرى في الشرق، من خلال عرض شحنات على مشترين آسيويين للتسلم من مواقع في خليج عُمان خارج نطاق مضيق هرمز، في محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية المتوترة.

وتظهر بيانات حركة الناقلات منذ الحادي عشر من أغسطس، أن أربع ناقلات عملاقة نقلت نحو ثمانية ملايين برميل من موانئ سعودية على الخليج، في مؤشر على محاولة إعادة توزيع عمليات التصدير والاستفادة من المنافذ الشرقية للمملكة.

هذه التحركات تعكس اتجاهاً نحو إعادة هندسة مؤقتة لمنظومة تصدير الخام السعودي، بحيث لا تتوقف الشحنات عند تعرض أحد المسارات البحرية للاضطراب، وإنما يعاد توجيهها عبر طرق بديلة، حتى وإن كانت أطول وأكثر تكلفة.

غير أن الكلفة لا تتوقف عند أجور النقل والوقود، إذ يمكن أن تمتد إلى التأمين وإدارة الأسطول وتكاليف الانتظار وتغيير الموانئ وإعادة ترتيب جداول التسليم، فضلاً عن تأثير طول الرحلات على توافر الناقلات وارتفاع تكلفة استئجارها.

ويظهر جانب آخر من الأزمة في الأسواق الآسيوية، حيث تشير المعلومات إلى أن مخصصات النفط السعودي لبعض المشترين لا تزال أدنى من مستويات ما قبل التصعيد، فيما لم تستعد الصادرات السعودية إجمالي مستوياتها السابقة.

وتزداد حساسية هذه التطورات بالنسبة إلى الرياض بسبب اعتمادها الكبير على السوق الآسيوية، التي تمثل وجهة رئيسية للخام السعودي، ما يجعل ارتفاع تكاليف الوصول إلى تلك الأسواق عاملاً مؤثراً في قدرة النفط السعودي على المنافسة أمام مصادر أخرى.

وتدرس مصفاة في شرق آسيا إلغاء شحنة مقررة لشهر سبتمبر بسبب تكاليف النقل الإضافية، وهو ما يكشف انتقال تأثير اضطراب الملاحة من شركات النقل إلى المشترين والمصافي، ويضع العلاقة التجارية بين المنتج والمستهلك أمام تكاليف جديدة.

وفي حال استمرار هذه الظروف لفترة أطول، فإن الشركات قد تضطر إلى إعادة حساب تكلفة كل شحنة، ومقارنة أسعار الخام السعودي بتكاليف استلام خامات بديلة تصل إلى الأسواق الآسيوية عبر طرق أكثر استقراراً وأقل تكلفة.

وتكمن أهمية الحظر اليمني هنا في أنه يستهدف أحد أهم مفاصل حركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، إذ إن باب المندب يمثل ممراً رئيسياً يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وأي اضطراب طويل في الملاحة عبره يدفع شركات النقل إلى خيارات بديلة أكثر تعقيداً.

ومن منظور اقتصادي، فإن استمرار تغيير المسارات البحرية يعني أن أثر الحظر لا يُقاس بعدد السفن التي تتوقف أو تغير وجهتها فقط، وإنما بحجم الوقت والمسافة والتكاليف التي تضاف إلى كل شحنة، وبمدى قدرة المنتج على تحميل هذه التكاليف للمشتري دون خسارة تنافسية.

كما أن استمرار الاضطراب قد يدفع شركات النقل إلى إعادة تقييم مخاطر المنطقة بصورة دائمة، وهو ما يمكن أن ينعكس على أسعار التأمين وأجور الشحن وتوافر الناقلات، ويزيد من الكلفة الإجمالية للصادرات، وبذلك، يتحول الضغط على الملاحة إلى ضغط متسلسل يبدأ من البحر ويمتد إلى الموانئ والأسطول وشركات التأمين والمصافي والمشترين، وصولاً إلى السوق النفطية نفسها.

ومع طول أمد الحظر، تصبح الرياض أمام تحدٍ متزايد يتمثل في الحفاظ على تدفق صادراتها بالوتيرة السابقة، وفي الوقت نفسه احتواء التكلفة الإضافية التي تفرضها المسارات البديلة، خصوصاً في ظل منافسة محتدمة على الأسواق الآسيوية.

وتكشف هذه التطورات أن الجغرافيا البحرية يمكن أن تتحول إلى عامل اقتصادي ضاغط عندما تتعرض الممرات الاستراتيجية للاضطراب، وأن امتلاك كميات كبيرة من النفط لا يعني بالضرورة القدرة على تصديرها بالكفاءة نفسها إذا أصبحت طرق الوصول إلى الأسواق أطول وأكثر كلفة.

وبالتالي، فإن استمرار الحظر اليمني، يضع منظومة تصدير النفط السعودية أمام سلسلة من التحديات المتراكمة، تبدأ بتغيير مسارات الناقلات ولا تنتهي عند ارتفاع كلفة الشحن وتراجع مرونة التصدير إلى الأسواق الآسيوية.

وكلما طال أمد الحظر، ازدادت احتمالات انتقال التأثير من أزمة ملاحة قابلة للاحتواء إلى ضغط لوجستي وتجاري طويل الأمد، يفرض على السعودية إعادة ترتيب طرق تصدير خامها وتحمل تكاليف إضافية للحفاظ على حضورها في الأسواق العالمية.