الرياض تلجأ لـ”هندسة لوجستية” معقدة لتهريب نفطها

2

ذمــار نـيـوز || تـقـاريــر ||
23 أغسطس 2026مـ – 10 ربيع الأول 1448هـ

تقرير|| وديع العبسي

مرة أخرى، تلجأ السعودية إلى هندسة لوجستية جديدة لتأمين شحناتها النفطية، بعد أن فقدت قدرتها العسكرية المسنودة أمريكياً على استعادة الامتياز الملاحي في خطوط الإمداد المباشرة. في هذا السياق، أوردت وكالة “بلومبرغ” لجوء الرياض إلى نقل النفط الخام من ميناء ينبع إلى “العين السخنة” في مصر عبر ناقلات أجنبية (يونانية ونرويجية وكورية جنوبية)، ومن ثم ضخه لاحقاً عبر خط أنابيب “سوميد” نحو البحر المتوسط.

ينطوي هذا الالتفاف الجديد على الإقرار العملي بفشل محاولات الهروب وتأمين مسارات سفن النفط في البحر الأحمر، كما يكشف عن حجم التأثير الذي فرضته ميدانياً المعادلة اليمنية القائمة على مبدأ “الحصار بالحصار”، ومستوى المأزق الذي بات يدفع السلطات السعودية لاتخاذ قرارات عشوائية ومكلفة، مادياً ومعنوياً، لتفادي الضربات المباشرة.

من خيار إلى خيار أكثر تعقيداً وكلفة
هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها الرياض إلى هذه التحركات الالتفافية؛ فقد سبق لها أن جربت سلسلة من المناورات الميدانية واللوجستية للهروب من عمليات القوات المسلحة اليمنية المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب. شملت تلك التحركات سحب الناقلات إلى مناطق انتشار قريبة من الشواطئ الأفريقية، وتغيير هويات وسجلات تتبع السفن عبر إغلاق أجهزة الاستجابة الآلية، غير أن تطور أدوات الرصد والردع لدى القوات المسلحة اليمنية سرعان ما أسقط هذه الرهانات جميعها، وحوّل كل خطة التفافية إلى نقطة ضعف جديدة لدى السعودية، تضاعف من كلفة الشحن والتأمين المالي، وتجبر صاحب القرار السعودي على الانتقال الاضطراري من خيار إلى خيار أكثر تعقيداً وكلفة، دون تحقيق الأمان المطلوب لشحنات الطاقة.

وفي إطار هذا المشهد المتوتر، يرى مراقبون -وفقاً لمعطيات ميدانية- بأن السعودية لم تعد قادرة على حماية مصدر اقتصادها الرئيسي وشريان وجودها المالي أمام ضربات الردع اليمنية المباشرة، لكنها مع ذلك تصر على ممارسة قدر من “الاستعلاء السياسي” والتمنّع عن إنجاز الاستحقاقات السياسية والإنسانية الشاملة التي تمكّن الشعب اليمني من حقوقه المشروعة. ويَفترض المنطق العسكري والسياسي السليم على الدولة التي تعجز عن حماية حدودها وموانئها وسلاسل إمدادها النفطية أن تسعى إلى التهدئة الجادة وبناء تفاهمات مستدامة مع جيرانها، لا أن تستمر في سياسة المماطلة وتأجيل الحلول الجذرية. فحُرمة النفط السعودي ليست أقدس من حق الشعب اليمني في عيش كريم وموارد طبيعية تُسخّر لخدمته وتضمن تدفق مرتبات موظفيه وفك الحصار عن موانئه.

ينبع من نقطة انطلاق إلى محطة وسيطة
لا شك بأن تحويل ميناء ينبع على البحر الأحمر من منصة تصدير رئيسية وآمنة إلى مجرد نقطة تفريغ أولية لتنفيذ رحلات الالتفاف المعقدة عبر استخدام الناقلات خفية التتبع، يثبت بأن خيارات المناورة البحرية أمام الرياض بدأت تضيق إلى حدودها الأدنى. وبدلاً من أن تكون ينبع هي نقطة الانطلاق المباشرة نحو الأسواق العالمية، أصبحت مجرد محطة وسيطة ضمن مسار طويل يعتمد على أسطول أجنبي، وعلى البنية التحتية لدول أخرى، ما يرفع مخاطر التشغيل ويجعل العائدات المباشرة لمعالجة النفط وعملية شحنه مُحاطة بهوامش خسارة تراكمية متزايدة. وامتداداً لهذا التناقض الميداني والسياسي، تركز الأوساط التحليلية والمناهضة للسلوك السعودي على الفجوة الهائلة في التعاطي الرسمي للرياض؛ ففي الوقت الذي تعلن فيه عن صفقات كبرى لبناء تحالفات حماية بحرية واجتذاب شركات أجنبية وتأمين غطاء دولي لتفادي العمليات اليمنية، تستمر في تعطيل الملفات الإنسانية والسياسية الأساسية للشعب اليمني. وتُبرز التحليلات والمواقع الإخبارية كيف أن السعودية تحاول -بكل طاقتها- حماية عائدات برميل النفط عبر معابر موانئ المتوسط، بينما تصر على تجويع الملايين في اليمن عبر إغلاق المنافذ واحتجاز إيرادات الثروات السيادية الوطنية كالنفط والغاز.

قوة أخلاقية وسياسية للخطاب اليمني
ويرى المراقبون أن هذا التناقض الصارخ يُكسب الخطاب اليمني قوة أخلاقية وسياسية نافذة أمام الرأي العام الإقليمي والدولي؛ إذ إن محاولات “الهروب بالنفط” عبر مصر والبحر المتوسط هي تجسيد حي لعجز دولة تنفق المليارات على التسلح والتحالفات الأمنية، بينما تفشل في توفير الأمان لأهم أصولها الاقتصادية بسبب تنكرها للحقوق المشروعة لجيرانها. والاعتماد على الحلول الأمنية الجزئية أو المحاولات اللوجستية البديلة لا يقدم علاجاً حقيقياً لأصل المشكلة المتمثل في استمرار العدوان والحصار على اليمن. كما تتجلى أبعاد هذا المأزق اللوجستي والأمني بوضوح في التحركات الدبلوماسية الأخيرة للقيادة السعودية، وفي مقدمتها الزيارات واللقاءات التي أجراها ولي العهد محمد بن سلمان مع القيادة الفرنسية في باريس، فحمْلُ الملف الاقتصادي والأمني إلى العواصم الأوروبية وطلب المساعدة لفتح منافذ حماية جديدة أو تأمين مسارات الملاحة البحرية المهددة، يعكس عمق الاستشعار السعودي بخطورة المرحلة، ووصول خيارات الحماية الذاتية والرهانات المباشرة على المظلة الأمريكية إلى طريق مسدود.

انسداد الخيارات لدى الرياض
تأتي هذه الاستغاثة الدبلوماسية السعودية للبحث عن حليف أوروبي يمتلك نفوذاً ومصالح في البحر المتوسط والبحر الأحمر، ولتوفير غطاء سياسي وعسكري للترتيبات الجديدة لنقل النفط عبر خط “سوميد”. غير أن المساعي السعودية لطرق أبواب العواصم الغربية -ومنها باريس- لإنقاذ صادراتها لن تغيّر من الواقع الميداني شيئاً؛ فالقوة الفرنسية أو الأوروبية لن تكون قادرة على فرض واقع ملاحي يتجاهل حقوق الشعب اليمني وقدرة قواته على الوصول إلى أهدافها مهما تنوعت الوساطات وتعددت التحالفات الدولية والمظلات البحرية.

إن الذهاب إلى خيارات من قبيل نقل النفط عبر خط “سوميد” بواسطة شركات أجنبية، لا يمثل سوى هروب مؤقت نحو الأمام، وتغطية فاشلة على انسداد الخيارات العسكرية والسياسية لدى الرياض. فالتاريخ والجغرافيا أثبتا أن الممرات البديلة لا يمكن أن تلغي الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وباب المندب، كما أن التكاليف الإضافية لنقل النفط وتفريغه وإعادة تحميله ستشكل عبئاً تراكمياً على الاقتصاد السعودي على المدى الطويل، متداخلة مع رسوم الشحن الإضافية وتكاليف التأمين ضد المخاطر العالية التي تفرضها شركات النقل البحرية الدولية.

المدى العملياتي للقدرات اليمنية
وإلى ذلك، فإن الجغرافيا اليمنية -بحكم موقعها وحضورها العسكري- تظل قادرة على مكافأة أو معاقبة السلوك السعودي وفقاً لمدى التزام الرياض بالاستجابة للحقوق المشروعة وإنهاء العدوان والحصار. فالقدرات البحرية والمسيرة والصاروخية لليمن أثبتت امتلاكها مدى عملياتياً وقدرة على المتابعة والتعقب تتجاوز الحدود الجغرافية المباشرة للبحر الأحمر، ما يجعل الاعتماد على مسارات الالتفاف اللوجستي مجرد تأجيل مؤقت لخطوط المواجهة وليس حلاً شاملاً يضمن تدفق النفط بأمان.

كما لا شك بأن استمرار النهج القائم على الهروب بالنفط عبر خطوط نقل إقليمية ودولية، والرهان على حليف أمريكي أو غربي يتوارى عند الاستحقاقات الجدية، لن يجلب للسعودية الأمن والاستقرار الذي تنشده لاقتصادها، وإن الطريق الوحيد لاستعادة الرياض شيئاً من التوازن والهدوء يظل عبر الإقرار بالحقائق التي فرضها الميدان، والتعامل بجدية مع حقوق الشعب اليمني في أراضيه وثرواته واستقراره السيادي. ودون هذا التحول الجذري في التفكير السياسي السعودي، ستبقى منشآت الطاقة وشرايين النفط رهينة دائمة لمعادلة “الحصار بالحصار”، وستبقى البدائل اللوجستية مجرد مسكنات مؤقتة في جسد إستراتيجية غارقة في الفشل والاستنزاف.

التعايش مع الهوان اللوجستي
وهنا يستدعي المشهد السياسي، والمشهد الميداني المُعقد، التساؤلَ الجوهري حول الدوافع التي تجعل القيادة السعودية تقبل على نفسها هذا الوضع البائس الذي يضطرها إلى الهروب بنفطها عبر مسارات الالتفاف بدلاً من مواجهة الاستحقاقات السياسية ومعالجة جذور الصراع. لا شك بإن قبول الرياض بلعب دور الطرف المحاصَر أمنياً، والذي يسعى لتهريب شحناته من الموانئ لتصل إلى الأسواق العالمية عبر وسائط متعددة وناقلات ذات هويات متنوعة، يعكس حالة من العجز السياسي وفقدان القدرة على المبادرة وتفضيل الخيارات المكلفة على التفاهم المباشر.

وتدرك الرياض تماماً أن هذه الحلول الترقيعية إنما ترفع من تكاليف الإنتاج والشحن، وتضغط على الهوامش الربحية للشركات السعودية، لكنها مع ذلك تفضل التعايش مع هذا الهوان اللوجستي على أن تقر بالحقيقة الميدانية التي أفرزتها المواجهة مع القوات المسلحة اليمنية، أو أن تبادر إلى اتخاذ خطوات شجاعة تنهي ملفات الصراع وتضع حداً للاستنزاف المتواصل. إلا أن هذا التعايش المؤقت يظل محفوفاً بمخاطر الانهيار، لأن استمرار الضغط الميداني وتطور وسائل الردع قد يطالان حتى تلك المسارات البديلة أو يحولان تكلفة استخدامها إلى عبء لا يمكن للاقتصاد السعودي تحمله على المدى البعيد.

خياران لا ثالث لهما
من القراءة الكلية لهذه التطورات يتضح أن السعودية أصبحت محاصرة بين خيارين لا ثالث لهما: إما المضي قدماً في سياسة الهروب اللوجستي المعقدة بما تتطلبه من إنفاق مالي هائل، واستعانة بشركات وناقلات أجنبية، وتبعية مستمرة للبنى التحتية الإقليمية، ودبلوماسية استغاثة لا تنتهي في العواصم الغربية، وإما شجاعة الانتقال نحو الحل السياسي الشامل الذي ينهي الحصار المفروض على اليمن، ويؤمن حقوق شعبه، ويرفع حالة التوتر عن الممرات البحرية ككل.

إن خيار الاستمرار في التكتيكات البديلة لن يغير من حقيقة أن شريان الطاقة السعودي بات مكشوفاً، وأن أي خطة التفافية جديدة ستظل مجرد محاولة لتقليل الخسائر المباشرة دون معالجة السبب الفعلي للأزمة. ومع مرور الوقت، ستتضاعف الضغوط على صانع القرار في الرياض، وستجد المملكة نفسها مضطرة لدفع أثمان مضاعفة في التسلح والتحالفات الأمنية التي أثبتت عجزها، وثمن الهندسة اللوجستية المعقدة لنقل النفط، وثمن العزلة الأخلاقية والسياسية الناتجة عن استمرار حصار الشعب اليمني وحرمانه من ثرواته السيادية.

أزمة في الرؤية الاستراتيجية
وبالنظر إلى المستقبل القريب، يتبين أن الأزمة النفطية الميدانية للرياض ليست سوى انعكاس لأزمة أعمق في الرؤية الاستراتيجية؛ فالدولة التي تسعى لبناء مشاريع اقتصادية وتحولات استثمارية ضخمة لا يمكنها الاستمرار في بيئة إقليمية متوترة تصنعها سياساتها الخارجية العدائية. ومحاولة فصل الملف الاقتصادي الداخلي عن ملفات الصراع الإقليمي عبر المسكنات الملاحية هي محاولة غير واقعية تصطدم بحقائق الجغرافيا وأدوات الردع الميدانية.

ومن ثم، فإن المَخرج الوحيد المتاح أمام السعودية من هذه الحلقة المفرغة يتطلب التخلي عن سياسة “الاستعلاء السياسي”، والتعاطي بمسؤولية مع استحقاقات التهدئة والسلام الدائم، بما يضمن استقرار المنطقة بأسرها، ويضع حداً لمعادلة “الحصار بالحصار” التي جعلت من أهم صادرات النفط الإقليمية مادة للهروب والمناورة المعقدة.