الرسالة الخاتمة ومسؤولية الأمة في وجه الجاهلية المعاصرة

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 أغسطس 2026مـ – 8 ربيع الأول 1448هـ

في قلب الجزيرة العربية، حيث كانت الظلمات تعمّ الآفاق، وحيث كانت الجاهلية بكل أثقالها تخيّم على النفوس والعقول، أشرق نورٌ من عند الله تعالى غيّر مجرى التاريخ البشري إلى الأبد. إنها الرسالة المحمدية الخاتمة، التي حمل لواءها سيد المرسلين محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، لتكون نقطة التحول الكبرى في مسيرة البشرية جمعاء. فمن رحم تلك الصحراء القاحلة، ومن بين أمواج الجاهلية المتلاطمة، انبثق النور الإلهي ليعيد صياغة الوجود البشري على أسسٍ من التوحيد والعدل والكرامة الإنسانية.

إن رسالة الإسلام كانت ثورةً شاملةً على كل ألوان الظلم والاستعباد والامتهان لكرامة الإنسان، ومشروعًا حضاريًا متكاملًا لإخراج البشرية من ظلمات بعضها فوق بعض إلى نور الله الساطع. وفي عصرنا الراهن، حيث تعاود الجاهلية المعاصرة إنتاج نفسها بأدواتٍ أكثر تطورًا وخبثًا، تتجدد الحاجة الملحّة لاستلهام تلك الرسالة الخالدة، واستعادة الدور المشرّف للأمة المسلمة في حمل مشعل الهداية للعالمين.

النشأة المباركة والإعداد الإلهي
في عام الفيل، كان الميلاد المبارك لخاتم النبيين محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، في توقيتٍ اختاره الله تعالى بعلمه وحكمته، ليكون هذا المولود الكريم رحمةً للعالمين. وقد شاءت إرادة الله أن ينشأ النبي الكريم يتيمًا، ففقد والده قبل ولادته، ثم لحقت به والدته بعد سنواتٍ قلائل، ليتولى الله تعالى رعايته بنفسه، كما قال سبحانه: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}[الضحى: 6].

كانت هذه النشأة الفريدة جزءًا من الإعداد الإلهي للمهمة العظمى، فقد تكفل الله تعالى بحفظ نبيه وتأديبه، وهيأ له عنايةً خاصةً من جده عبدالمطلب، ثم من عمه أبي طالب، فترعرع في بيئةٍ طاهرةٍ رغم ما كان يحيط بها من أدران الجاهلية، وقد تجلت العناية الإلهية في حفظه من كل ما كانت عليه الجاهلية من شركٍ وآفاتٍ وانحرافات، فلم يسجد لصنمٍ قط، ولم يحضر مجلس لهوٍ، بل نشأ موصوفًا بالصدق والأمانة، حتى لقبته قريش الصادق الأمين قبل بعثته.

إن هذه النشأة المباركة تحمل دلالاتٍ عميقة، فهي تظهر أن الله تعالى يصطفي من يشاء من عباده ويعدّه لحمل رسالته، وأن صلاح الإنسان لا يتوقف على ما يحيط به من ظروفٍ فاسدة، بل بفضل الله ورعايته أولًا، وبما يتحلى به من قيمٍ ومبادئ ثانياً، فقد كان النبي الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله وسلم نموذجًا للإنسان الكامل في أخلاقه ورشده وحكمته، قبل أن يُبعث نبيًا، فكانت حياته قبل البعثة تمهيدًا وإعدادًا لما بعدها.

البعثة والرسالة: نورٌ يبدد الظلمات
وفي تمام الأربعين من عمره الشريف، جاءه الوحي من الله سبحانه وتعالى، ليبدأ الفصل الأعظم في التاريخ البشري، حيث ابتعثه الله تعالى بالرسالة إلى العالمين، وأنزل عليه القرآن الكريم، المعجزة الخالدة، والكتاب الذي تكفل الله بحفظه، ليكون نورًا يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام.

لقد كانت الرسالة المحمدية امتدادًا لرسالات الله، وجاءت خاتمةً لها، لتتمم مكارم الأخلاق، ولتعيد للإنسان اعتباره وكرامته التي أهدرتها الجاهليات المتعاقبة، وقد حدد الله تعالى الهدف الأسمى لهذه الرسالة في قوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[إبراهيم: 1].

فالرسالة إذاً مشروع تحريرٍ شامل، لا يقتصر على جانبٍ دون آخر، بل يمتد ليشمل كل مناحي الحياة، الاعتقاد، والعبادة، والأخلاق، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، وكل ما يتصل بحياة الإنسان ووجوده. وقد بدأ النبي صلوات الله عليه وآله وسلم حركته المباركة من مكة، حيث واجه أعتى موجات العداء والتكذيب من قريش، التي رأت في الدعوة الجديدة تهديدًا لمصالحها وسلطانها وتقاليدها الجاهلية.

تحرير الإنسان من العبودية لغير الله
إن أول عناوين هذه الرسالة العظيمة، وأبرز أهدافها المقدسة، هو تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله تعالى، فقد كانت البشرية قبل الإسلام ترزح تحت أغلالٍ متنوعة، عبودية للأصنام والأوثان، وعبودية للطغاة والمستبدين، وعبودية للأهواء والشهوات، وعبودية للمادة والمصالح الضيقة.

وقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من كل ذلك، ويقرر أن العبودية لله وحده، وأن الخضوع لغير الله تعالى ظلمٌ وضلالٌ وظلمات، يفقد به الإنسان حريته الحقيقية، فالله تعالى وحده هو رب الناس وخالقهم ومالكهم، وله ما في السماوات وما في الأرض، ولا يملك أحدٌ معه حق الألوهية والاستعباد للبشر، وهذه الحرية التي جاء بها الإسلام هي حريةٌ حقيقية تنبع من صميم العقيدة، وتتجسد في واقع الحياة، فالذي يعبد الله وحده لا يخضع لطاغوتٍ من البشر، ولا يستعبده سلطانٌ جائر، ولا يتعبده مخلوقٌ مهما علا شأنه، وبهذا أسس الإسلام لمجتمعٍ حرٍّ كريم، ليس فيه أحدٌ عبدًا لأحد، والجميع عبيدٌ لله رب العالمين.

ولقد كانت هذه العقيدة التوحيدية هي جوهر الصراع بين الرسول الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله وسلم وبين الجاهلية، فقد أدرك المستكبرون أن التوحيد يهدم سلطانهم ويزيل طغيانهم، فحاربوه بكل وسائلهم، وقالوا كما حكى القرآن عنهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}[ص: 5].

إقامة العدل: ثورة على ظلم الجاهلية
وإلى جانب التوحيد، كان العدل هو العنوان الثاني البارز للرسالة الإلهية، فقد كانت الجاهلية بكل صورها تقوم على الظلم، ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، حيث ساد نظام الغابة، وأصبح القوي يأكل الضعيف، وتلاشت قيم العدالة والمساواة.

فجاء الإسلام ليقرر أن العدل هو أساس الملك، وأن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، كما قال سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: 25]. فالعدل في الإسلام هو فريضةٌ مقدسة، وأساسٌ من أسس الدين، وشرطٌ من شروط استقامة الحياة.

ولقد أرسى النبي محمد صلوات الله عليه وآله وسلم قواعد العدل ورسخها في المجتمع المسلم ترسيخًا عمليًا لا نظريًا، فكان يأمر بالعدل ويمارسه في نفسه ومع أهله وأقاربه، ويرفض أي محاباةٍ أو تمييزٍ بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، وقد بلغ من حرصه على العدل أن قال: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”، ليقضي بذلك على كل نزعات المحسوبية والطبقية التي كانت سائدة.

الكرامة الإنسانية: إعادة الاعتبار للإنسان
وفي مقابل الظلام الذي كانت تعيشه الجاهلية في امتهان الكرامة الإنسانية، جاء الإسلام ليعلن كرامة الإنسان، ويؤكد قيمته ومكانته في الوجود، فقد كانت الجاهلية تنظر إلى الإنسان نظرةً دونية، وتهدر دمه وعرضه وماله، ولا ترى في وجوده إلا وسيلةً لتحقيق المصالح والرغبات.

فجاء القرآن الكريم ليقرر أن الإنسان مكرمٌ عند الله تعالى، وأنه خُلق في أحسن تقويم، وأن الله تعالى فضله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا، بل إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، تكريمًا لهذا الكائن الإنساني الذي استخلفه الله في الأرض.

وقد ترجمت التعاليم الإسلامية هذا التكريم إلى منظومةٍ متكاملة من الحقوق والواجبات، حق الحياة، وحق الكرامة، وحق الملكية، وحق العدالة، وحق الحرية، وحق التعلم، وحق التعبير، وغير ذلك من الحقوق التي سبق بها الإسلام كل المواثيق والعهود الدولية الحديثة.

ولقد أولى الإسلام عنايةً خاصةً بالفئات المستضعفة التي كانت الجاهلية تمتهنها، المرأة، واليتيم، والمسكين، والأرملة، والعبد، فحرر المرأة من الظلم والامتهان، وكرم الأم ورفع شأنها، وجعل الجنة تحت قدميها، وأمر بالإحسان إلى اليتامى والمساكين، وجعل من حقوقهم فرائض شرعية مقدسة.

القرآن الكريم: دستور الهداية الشاملة
إن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على نبيه الكريم هو المعجزة الخالدة، والكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو دستور حياةٍ شامل، يتضمن الأسس والتعليمات التي تبني المجتمع البشري بناءً راقيًا متكاملًا.

ففي القرآن الكريم تنظيمٌ دقيقٌ للعلاقات الأسرية، بدءًا من العلاقة بين الزوجين، مرورًا بمسؤوليات الأبوة والأمومة، ووصولًا إلى علاقات الأرحام والقرابة، وكل ذلك على أساسٍ من المودة والرحمة والعدل والإحسان.

وفي القرآن الكريم الأسس الراسخة لبناء المجتمع المتماسك، الذي يقوم على التعاون والتضامن، ويحفظ حقوق الضعفاء، ويصون كرامة الجميع. وقد بلغ من دقة التنظيم القرآني أنه تناول حتى أدق التفاصيل في المعاملات المالية والاجتماعية والسياسية.

وفي القرآن الكريم المبادئ الحاكمة لإدارة شؤون المجتمع، من الشورى والعدل والمساءلة، ومنع الاستبداد والطغيان، وترسيخ مفهوم المسؤولية الجماعية التي تتكامل فيها الأدوار. وفي القرآن الكريم الأسس الراقية للتعامل مع الآخرين، من غير المسلمين، على أساس البر والقسط للمسالمين، والردع والقوة للمعتدين المحاربين.

جاهلية العصر: الظلمات المعاصرة
إن المتأمل في واقع العالم المعاصر ليدرك أن الجاهلية لم تنتهِ ببعثة النبي صلوات الله عليه وآله وسلم، بل إنها عادت بصورٍ جديدة، وبأدواتٍ أكثر تطورًا وخبثًا، لتفرض على البشرية ألوانًا جديدة من الظلمات.

فها هو العالم الغربي، بقيادة اللوبي اليهودي الصهيوني وأتباعه، يعود إلى امتهان الكرامة الإنسانية بكل أشكالها، إهدار الدماء، وانتهاك الأعراض، ونهب الثروات، واستعباد الشعوب، وها هي منظومة القيم الإنسانية تنهار تحت وطأة المادية الجارفة، والاستهلاكية العمياء، وتفريغ الإنسان من كل مشاعر الكرامة والمسؤولية.

ومن أشنع صور الجاهلية المعاصرة تلك الحرب المعلنة على القيم والأخلاق الفطرية، والترويج المنظم للشذوذ الأخلاقي والفاحشة الجنسية، والسعي المحموم لتقويض الأسرة وتفكيك المجتمع الإنساني، وقد وصل بهم الانحطاط إلى محاولة إعادة الإنسان إلى أصله الحيواني المزعوم، وجعله يعيش حياة البهائم في أسخف مهزلة وأسوأ امتهان للكرامة.

وقد تكشفت هذه الجاهلية المعاصرة عن وجهها القبيح في عدائها الصريح لله تعالى ولرسله وكتبه، وإحراقها للمصاحف الشريفة، وسعيها الحثيث لتمييع الإنسان وتفريغه من كل مشاعر العزة والكرامة، ليكون لقمة سائغة لأطماع المستكبرين.

مسؤولية الأمة: استعادة الدور المنشود
في مقابل هذه الهجمة الظلامية المفسدة، تبرز مسؤولية الأمة المسلمة في حمل راية الهداية، والقيام بدورها المشرّف في إخراج الناس من الظلمات إلى النور فهذا هو التكريم الإلهي لهذه الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران: 110].

ولكن هذه المسؤولية تفرض على المسلمين أولًا أن يعودوا إلى كتاب ربهم، وإلى نبيهم الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله، وإلى الفهم الصحيح لرسالتهم، بعد أن عاشت الأمة قرونًا من القطيعة مع القرآن الكريم، وحصرت علاقتها به في الجوانب الروحية والشعائرية الضيقة، بينما أهملت دوره التحريري والنهضوي والحضاري.

إن مشكلة المسلمين الكبرى ليست في أعدائهم فحسب، بل في أنفسهم أولًا، في ابتعادهم عن دستورهم الرباني، وفي تحجر فهمهم لرسالتهم، وفي تسليمهم زمام أمورهم للظالمين والمستبدين، الذين فرقوا الدين وحصروه في زوايا المساجد، وأبعدوه عن إدارة شؤون الحياة.

ولقد آن الأوان لهذه الأمة أن تستلهم سيرة نبيها صلوات الله عليه وآله وسلم في حركته بالقرآن الكريم، الذي به استطاع أن يحول أمةً كانت في أسفل سافلين إلى أمةٍ تقود العالم، خلال مدةٍ زمنيةٍ يسيرة. فالعودة الصادقة إلى منهج الله تعالى، والتحرك به لإصلاح الواقع، هو السبيل الوحيد لاستعادة العزة والكرامة والريادة.

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها
إن الرسالة المحمدية الخالدة هي مشروعٌ حضاريٌ متجدد، ونورٌ إلهيٌ باقٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن ما تعانيه البشرية اليوم من ظلماتٍ متراكمة، وما تتعرض له من ضغوطٍ هائلة تهدد إنسانيتها وكرامتها، إنما هو نتيجة حتمية لابتعادها عن نور الله تعالى وهديه.

وإن الأمة المسلمة، بصفتها وارثة هذه الرسالة، مطالبةٌ اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بأن تنهض بمسؤوليتها التاريخية، وتستعيد دورها الحضاري، وتتصدى لقوى الشر والظلام التي تسعى إلى إفساد الحياة على وجه الأرض.

وإن طريق ذلك واضحٌ جلي، العودة إلى الله تعالى، وإلى كتابه ونبيه، والتحرك بذلك لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتحقيق العدل والقسط، وصون الكرامة الإنسانية، التي هي جوهر الرسالة الإلهية.