ثلاث معادلات يمنية.. ما الذي تغيّر في قواعدِ الاشتباك؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
19 أغسطس 2026مـ – 6 ربيع ألاول 1448هـ
طوال السنوات الـ 12 الماضية، من العدوان الأمريكي السعودي على اليمن، كان العدو يملك قدرًا واسعًا من حريةِ الحركة؛ يضرب حيث يريد، ويحاصر متى يشاء، ويستغل تفوقَه الجويَّ والبحرِيَّ كعنصرٍ حاسمٍ في إدارةِ المعركة؛ غير أن صنعاء تقول اليوم إن هذه المرحلةَ قد انقضت؛ فمعادلة “الحصارِ بالحصار” تعني أن الجغرافيا البحريةَ اليمنية تحوّلت إلى ورقةٍ رابحة، وأداةِ ضغطٍ استراتيجية، ولم تعد ساحة عبورٍ للمعتدين.
وجاء بيان القوات المسلحة اليمنية، مساء اليوم الأربعاء، وكأنّهُ كشف حسابٍ لعملياتٍ عسكرية متجدّدة التفاصيل، وإعلانًا عن مرحلةٍ جديدة في طبيعةِ الصراعِ والمواجهة مع العدو السعودي؛ فحين تتحدث صنعاء عن ثلاثِ معادلات؛ “الحصار بالحصار”، و”ضرب التحشيداتِ السعودية أينما كانت”، و”حماية السيادة اليمنية من أيِّ اختراق”؛ فهي تقدمُ وصفًا دقيقًا للقادم وترسم حدودًا لما سيقع لاحقًا.
ووفقًا للمعطيات الميدانية؛ فإنّ أهمية البيان في هذا التوقيت بالذات، والمتزامن مع احتفالات الشعب اليمني في ذكرى المولد النبوي الشريف؛ باتت المسألة غير متعلقة بعدد الصواريخ المسيّرات المطلَقة، أو السفن المستهدَفة، أو العملياتِ المنفَّذة، وإنّما السؤالَ الأهم اليوم هو: ما الذي تغيّر في قواعدِ الاشتباك التي فرضتها القوات المسلحة اليمنية على العدو السعودي؟
واللافت أن المعادلة لم تتوقف عند باب المندب أو جنوب البحر الأحمر؛ إذ سبق أن أعلنت القواتُ المسلحةُ استهدافَ سفينةِ نفطٍ سعودية أمام “ينبع” شمالي البحر الأحمر، في إشارةٍ إلى أن تغييرَ مساراتِ السفن لم يعد كافيًا لتجاوز الضغط اليمني، وهذا هو المعنى الأعمقُ لبيان العميد سريع، حين تتغيرُ المسارات هربًا من الضغط؛ فإن المعركةَ تنتقلُ معها.
قد تبدو الأرقام التي أوردها العميد يحيى سريع، للوهلة الأولى مجرد إحصاءاتٍ عسكرية وانتهى الأمر، لكن قراءتَها سياسيًا تكشفُ بُعدًا آخر؛ فالحديث عن منع 48 سفينةَ نفطٍ سعودية من العبور، إلى جانب استهدافِ ثماني سفن، يعني أن الهدفَ فرضُ قيودٍ على حركةِ الإمداد ذاتها وتوسيع نطاق الاستهداف إلى مناطق أخرى.
وعندما تغير هذه المعادلة الحساباتِ الاقتصادية والسياسية؛ فإنّ السفينة المرصودة والتي تتوقف أو تغير مسارَها تعني وقتًا أطول، وتكلفةً أعلى، ومخاطرَ أكبر، تُجبر الطرف الآخر -أيًّا كان- على إدخالِ العاملِ اليمني في حساباته قبل اتخاذِ أيّ قرار، وهذا تحديدًا جزء من الردع اليمني؛ في أن تجعلَ خصمَك يفكر في كلفةِ الفعل قبل الإقدامِ عليه.
وتؤكّد المعادلة الثانية، المتمثلة في استهدافِ التحشيداتِ السعودية أينما كانت، أن صنعاء ترُفضُ العودةَ إلى صيغةِ حربِ الاستنزاف التقليدية؛ فالتحشيد السعودي عبر أدواته هو مؤشرٌ واضح لعمليات هجومية محتملة.
ومن هُنا تأتي الرسالةُ جليّة؛ لا تنتظروا حتى تتحولَ التحشيدات إلى هجوم، لأن التحشيدَ ذاتَه بات في مرمى الاستهداف، وهذا ما يفسرُ اتساعَ دائرةِ المناطق المشار إليها، من “الرويك والعبر والوديعة ومأرب والمخا”، وصولًا إلى استهدافِ وسائلِ نقلِ المعدات والتحشيدات في البحر الأحمر؛ إذ تسعى قواتنا المسلحة لبناء معادلةٍ تقوم على إحباطِ الهجوم قبل اكتمالِ أدواته.
أمّا المعادلة الثالثة فهي الأشدُّ وقعًا على العدو سياسيًا؛ فحين تدرج صنعاء حماية السيادة إلى جانب الحصارِ واستهدافِ التحشيدات، فهي تعلنُ أن أيَّ اعتداءٍ على الأراضي أو الأجواءِ اليمنية لن يُعاملَ كحدثٍ منفصل، وهذا يعني أن المعركةَ، لم تعد تدورُ وفقَ ردودِ أفعالٍ متفرقة، وإنّما ضمنَ سلسلةٍ مترابطة، (اعتداءٌ سعوديٌّ يقابله ردٌّ يمني، وحصارٌ على اليمن يعادله حصارٌ على السعودية، وتحشيدٌ عسكريٌّ يتبعه استهدافٌ مباشر، واختراقٌ للسيادةِ يستجلبُ ردًّا يتجاوزُ حدودَ الاختراق)، وبذلك تنتقلُ المعركة من منطق الضربات المتبادلة إلى إقرار قواعدَ جديدة في مواجهة كلِّ قاعدةٍ يفرضها العدو.
وفي ذات السياق، يؤكّد البيان، “أيُّ تصعيدٍ شاملٍ سيواجَه بتصعيدٍ شامل”، هي عبارةٌ لا تعني بالضرورةِ سعيَ القوات المسلحة اليمنية نحو حربٍ شاملة، وإنّما تحمل رسالةً عكسية، ألا تختبروا حدودَ المعادلة؛ فالبيان يضع الرياض أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الاستمرار في مسارِ التهدئة وتنفيذ النقاط المتفَق عليها، أو الذهاب نحو تصعيدٍ تُدرك صنعاءُ كيف تتعاملُ معه، وهُنا تتجلى قيمة الردع.
ويرى مراقبون أن ربط البيان بين وقفِ التصعيد وقضايا رفع الحصار، ودفع المرتبات، ورحيل تحشيدات الأعداء بمختلف مسمياتها، وتمكين الشعب اليمني من ثرواته؛ يشدّد على أن المعركة هي معركةٌ على القرار والسيادة والثروة، وليست معركة عسكرية أو بحرية هُنا أو هناك، وبالتالي؛ يصبحُ الضغط البحري والبري وسيلةً لإجبارِ العدو على العودة إلى طاولة التفاوض من موقعٍ مختلف.
وإذا أردنا قراءة هذا البيان بعيدًا عن تفاصيله العسكرية؛ فإن رسالتَه الأساسية يمكن إيجازُها في جملةٍ واحدة، لم تعد السعودية وحدها من يحدّد مكان المعركة وزمانَها وكلفتَها، كما أنّ صنعاء تصرح بأن السنوات الماضية أسفرت عن امتلاكِ قدرةٍ على نقلِ الضغط إلى النقاطِ الحساسة لدى العدو، “البحر، النفط، التحشيدات، والعمق الجغرافي”.
ويُشير المراقبون إلى أنه وعلى الرغم من نبرةِ التهديد، ترك البيان اليمني الباب مفتوحًا للحل عبر ربط وقف التصعيد بتنفيذ الاستحقاقات المعلنَة؛ فكلما ارتفعت كلفة التصعيد، زادت قيمة التسوية، وإذا كان بوسع العدو السعودي إيقاف التصعيدِ بمعالجة أسبابه؛ فإن استمرارَ المواجهة يعني استمرارَ الرد وفقَ المعادلة الجديدة.
وبالنتيجة؛ فإن القوات المسلحة اليمنية تُرسل للعدو السعودي رسالة تفاوضية بغطاءٍ عسكري، مفادها، إن أردتم البحرَ مفتوحًا، فافتحوا طريقَ السلام، وإن أردتم وقف الصواريخ، فأوقفوا أسبابها، أمّا الجمع بين الحصار والتصعيد مع انتظار الهدوء؛ فهو معادلةٌ لم تعد مقبولة؛ فالحصار بات مكلفًا، والتحشيد لم يعد آمنًا، وانتهاكُ السيادة لن يمرَّ دون رد، في توجهٍ يمني ملحوظ للانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الردع، ومن انتظار خطوات العدو إلى إجباره على التفكير مليًا قبل الإقدام عليها.
