العدوان السعودي الأمريكي: جرائم الإبادة والتجويع والحصار، ومعادلة الرد اليمني

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
18 أغسطس 2026مـ – 5 ربيع ألاول 1448هـ

في السادس والعشرين من مارس 2015، انطلقت من البيت الأبيض شرارة عدوانٍ سعودي-أمريكي على اليمن، كان هذا العدوان عبارة عن مشروع مفتوح للإبادة والتدمير الممنهج والتجويع، امتد على مدى اثني عشر عامًا، مخلفًا واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. لقد تجاوزت الجريمة حدود القصف الجوي إلى حربٍ بيولوجية واقتصادية شرسة، فرضها حصارٌ خانقٌ أغلق المنافذ والمطارات، وحوّل حياة ملايين اليمنيين إلى معاناة يومية تفتك بالأرواح وتقوّض مقومات العيش، ورغم فداحة الفاتورة الدموية والاقتصادية التي وثقتها التقارير الحقوقية والرسمية، ظلت المنظومة الدولية عاجزةً أو متواطئة، تتفرج على جريمة العصر دون أن تحرك ساكنًا، غير أن اليمن، الذي لم ينكسر تحت وطأة الحصار، انتقل من موقع الضحية إلى موقع الفعل، محوّلًا معاناته إلى إرادة مواجهةٍ صلبة، فرضت معادلة “الحصار بالحصار”، وبلغت ذروتها بإعلان القوات المسلحة اليمنية حظرًا بحريًا على الملاحة السعودية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.

إمعان أمريكي سعودي في تدمير اليمن
لقد أمعن العدوان السعودي-الأمريكي في ارتكاب جريمة مفتوحة بحق اليمن تربو عن الحصر والإحصاء، منذ لحظة إعلانه المشؤوم من البيت الأبيض بواشنطن في السادس والعشرين من مارس 2015م. وفي هذا الإطار، كشفت الحصيلة التوثيقية الشاملة لـ 12 عاماً من العدوان والحصار -والتي نشرها مركز “عين الإنسانية للحقوق والتنمية” في تقرير له- عن فاتورة دموية باهظة طالت الأعيان المدنية والأرواح؛ إذ حصدت آلة القتل والدمار حياة (61,010) مدنيين بين شهيد وجريح، من بينهم (24,728) شهيداً تضم قوافلهم (4,365) طفلاً و(2,653) امرأة، فيما بلغ عدد المصابين (36,282) مدنياً، بينهم (5,578) طفلاً و(3,351) امرأة.

ولم تقف أدوات الإبادة عند حدود القصف المباشر، بل امتدت إلى حرب بيولوجية واقتصادية فرضها الحصار الخانق وإغلاق المنافذ والمطارات، حيث تسبب حظر السفر -بحسب المؤتمر الصحفي- في وفاة نحو (120,000) مريض استعصى عليهم الخروج لتلقي العلاج في الخارج، بينما يواجه أكثر من (1,200,000) مريض خطر الموت الداهم جراء الحاجة الماسة للرعاية الطبّية المعدومة. كما وثقت البيانات الميدانية وفاة أكثر من (46,000) امرأة نتيجة سوء التغذية ومضاعفات الحصار، في ظل معاناة ناهزت (1,800,000) امرأة من سوء التغذية الحاد، ما يجسد استراتيجية الخنق البطشي التي استهدفت النسيج المجتمعي والبنية الديموغرافية للبلاد.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أظهرت الأرقام الرسمية حجماً هائلاً من التجريف الممنهج لموارد الشعب اليمني؛ إذ تجاوزت خسائر القطاع الزراعي (147) مليار دولار، وبلغت خسائر قطاع النفط والغاز أكثر من (123) مليار دولار، فضلاً عن نهب عائدات النفط والغاز المشروعة والتي تجاوزت (10) مليارات دولار، إلى جانب تكبيد قطاع التجارة الخارجية خسائر بلغت (64.7) مليار دولار، في إطار مسعى مكشوف لهندسة حرب التجويع الشاملة وإفلاس مؤسسات الدولة.

وعلى صعيد البنية التحتية والخدمات الحيوية، تعمدت الغارات المباشرة شلَّ الحياة العامة كلياً، حيث وثّق المركز تدمير وتضرر أكثر من (623,599) منزلاً، واستهداف (476) مستشفى ومرفقاً صحياً، و(1,510) مدارس ومرافق تعليمية، و(204) منشآت جامعية. كما طال التدمير (16) مطاراً، و(16) ميناءً بحرياً، وأكثر من (492) محطة ومولداً للكهرباء، و(720) شبكة ومحطة اتصالات، و(3,609) خزانات ومحطات مياه، و(9,033) طريقاً وجسراً، و(2,548) منشأة حكومية، يضاف إليها استهداف (2,031) مسجداً، و(435) منشأة سياحية، و(158) منشأة رياضية وشبابية، و(304) مواقع أثرية، و(75) منشأة إعلامية، في تدمير شامل يهدف إلى تجريف مقومات العيش ومحو الذاكرة الحضارية لليمن.

اتساع الفاتورة وانكشاف التداعيات
وامتداداً لتكثيف الشهادات والأدلة الدامغة، كشفت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار اليمنية، والمستعرضة في معرض “الاقتصاد اليمني.. 12 عاماً تحت الحصار (2015-2026م)”، عن الفاتورة المرعبة لسياسة “الموت البطيء” التي مارسها العدو السعودي بحق الشعب اليمني. وأثبتت أرقام التقرير أن الاقتصاد الوطني تكبّد جراء العدوان والحصار خسائر أولية فادحة تجاوزت تريليوناً و130 مليار دولار، تتوزع بين 648 مليار دولار كخسائر تراكمية في الناتج المحلي الإجمالي، و482 مليار دولار كخسائر مباشرة طالت القطاعات الإنتاجية والخدمية. وتتصاعد هذه الفاتورة لترتفع إلى أضعاف هذا الرقم التريليوني عند احتساب الخسائر غير المباشرة وتكلفة التعويض عن الحرب الشاملة، والتي بلغت كلفة تعويضها اليومي نحو 150 مليون دولار.

وشمل التدمير كافة مفاصل الاقتصاد؛ حيث سجلت التجارة الخارجية خسائر بلغت 111 ملياراً و130 مليون دولار مع انكماش حركة التجارة بنسبة 65%، وفقدان مئات الآلاف لفرص عملهم. وتكبّد قطاع الزراعة والثروة الحيوانية خسائر بـ 111 مليار دولار تضرر منها نحو مليون و200 ألف مزارع، فيما تجاوزت خسائر القطاع الصناعي 82 ملياراً و500 مليون دولار مع توقف آلاف المنشآت الإنتاجية. وفي قطاع النفط والمعادن، بلغت الخسائر المباشرة 57 مليار دولار لتتجاوز في مجملها 130 مليار دولار مع توقف الإنتاج بمقدار 250 ألف برميل يومياً، فضلاً عن خسائر خزينة الدولة التي بلغت 30 مليار دولار. كما طالت الأضرار قطاعات الكهرباء والطاقة بخسائر 27.4 مليار دولار، والنقل بـ 23.2 مليار دولار، والسياحة والآثار بـ 11 مليار دولار، والاتصالات بـ 6.3 مليارات دولار، والصحة بـ 7 مليارات دولار، والمياه بنحو 800 مليون دولار.

وعلى صعيد البنية التحتية والخدمية، رصد التقرير الرسم البياني للدمار الشامل الذي لحق بمقومات الدولة؛ حيث تعرض للاستهداف والتدمير الجزئي والكلي 16 مطاراً، و17 ميناءً، و5,600 منشأة ومولد كهربائي، و12,400 منشأة ومعدة مائية، و718 مرفق اتصالات، و476 مركزاً ومرفقاً صحياً، و1,510 مدارس، و16,798 منشأة تجارية، و470 مصنعاً، فضلاً عن تدمير 9,017 طريقاً وجسراً، وتضرر وتدمير 623,599 منزلاً ومنشأة سكنية، ما أدى إلى شلل واسع في الخدمات وسلاسل الإمداد. وانعكست هذه الجرائم إنسانياً بارتفاع معدل البطالة إلى 65%، وتضرر نحو 31 مليون مواطن باتوا يواجهون مخاطر المجاعة المباشرة، من بينهم أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة، وأكثر من 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة يعانون من سوء التغذية الحاد، ناهيك عن تسريح نحو 60% من العمالة في مختلف القطاعات.

إن تسليط الضوء على هذه الإحصائيات الدامغة، رغم كونها لا تعكس سوى جزء يسير من الأبعاد الكارثية للحصار والعدوان، يمثّل وثيقة حقوقية وقانونية راسخة تحفظ ذاكرة الضحايا وتضع المنظومة الدولية أمام التزاماتها الأخلاقية؛ إذ يؤكد المنطق الحقوقي والعدلي أن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ويظل حفظ الأدلة وتثبيت الوقائع خطوة جوهرية لتثبيت حقوق الضحايا، وملاحقة مرتكبي الجرائم وضمان عدم إفلاتهم من المساءلة، حتى وإن استمرت الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والهيئات القضائية الدولية في تعطيل مسؤولياتها والعجز عن فتح تحقيقات نزيهة تجسد عدالة القانون فوق سطوة المال والنفوذ.

بين صمت المنظومة وإرادة المواجهة
وعن قرب، يتجاوز المشهد لغة الأرقام الصماء ليفصح عما هو أفظع وأشد إيلاماً؛ حيث يُضاف إلى حصيلة الضحايا تداعيات انقطاع رواتب أكثر من مليون موظف وموظفة يعولون ما بين 5 إلى 10 ملايين مواطن. علاوة على ذلك، تتكشف تفاصيل مئات القصص الإنسانية المؤثرة لعائلات ذاقت وما تزال تكابد ألواناً من المعاناة، حيث تُوثق قضايا مئات الأسر والضحايا الذين قضوا موتاً بالجوع.

بل وفي هذا الواقع المأساوي، ينتظر عشرات الآلاف من الأطفال جرعة الحليب، بينما يقف مئات الآلاف من الشباب والعمال في طوابير البحث عن لقمة العيش، بعد أن فقدوا أرزاقهم جراء القصف المباشر للمصانع والمزارع والمنشآت الإنتاجية، أو بفعل إفلاس المشاريع وتدمير مصادر العيش بالحصار والغارات.

يوازي ذلك واقع صحي كارثي تقضي فيه الأمراض المزمنة -كالسرطان والسكري والضغط- على مئات الآلاف من المرضى، ناهيك عن أعداد لا تُحصى ممن تفتك بهم الأوبئة المعدية كالملاريا والإسهالات الحادة، وهم ينتظرون الدواء المحتجز على متن سفن العلاج والإغاثة التي يتعمد العدو السعودي منع دخولها واحتجازَها تحت ذرائع التفتيش الواهية.

هذه الجرائم الدامغة، التي وثقتها الأفلام الوثائقية والمواد الإعلامية بالصوت والصورة، تعكس مشاهد مأساوية صنعتها غارات طيران العدوان على مدى 12 عاماً، باستهدافه المركّز للأحياء السكنية، والأسواق، وحفلات الأعراس، وصالات العزاء، والمدارس، والمطارات، والموانئ والمنافذ، مُميطةً اللثام عن القبح الإجرامي والاستهتار المطلق بأرواح الشعب اليمني.

وأمام هذا العجز الأممي المقيت والسقوط الأخلاقي لشعارات “حماية المدنيين”، واستمرار القفز على الموقف اليمني الرافض للحصار والعدوان، فإن الضرورة الوطنية والاستراتيجية تحتم على اليمن -قيادةً وقواتٍ مسلحة وشعباً- التحرك بكل ما يمتلكه من قوة حاسمة لكسر الحصار، ورفع القيود عن حركة المواطنين، وضمان تدفق الغذاء والدواء والوقود دون قيد أو شرط، انطلاقاً من المبدأ الثابت بأن “الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم”.

معادلات الحسم وفرض أثمان الميدان
في مقابل هذا الصلف السعودي المستمر، جاءت تحذيرات قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي، في مطلع يوليو الماضي، لتضع حداً لمسار المماطلة؛ مؤكدةً أن استمرار العدوان والحصار لن يقابل إلا بمزيد من التصعيد والضغط الاقتصادي، وفق المعادلة الصريحة التي أكدها السيد القائد في غير موضع: “من يريد الأمان لخطوط ملاحته واقتصاده عليه أن يرفع حصاره وعدوانه عن الشعب اليمني، وإن معادلة الحصار بالحصار باتت خياراً حتمياً لا تراجع عنه”.

وفي السياق، فإن مرور 12 عاماً من الحصار لم يكسر الإرادة اليمنية، بل ضاعف الصمود ورفع مستوى الوعي بحتمية المعركة المصيرية؛ وهو ما تجلّى في التظاهرات المليونية الحاشدة التي شهدتها العاصمة صنعاء وساحات المحافظات الحرة يوم الجمعة 3 صفر 1448 هـ (الموافق 17 يوليو 2026 م) تحت شعار “جمعة التحذير والنفير”. لقد أطلقت هذه الجماهير تفويضاً مطلقاً لقائد الثورة باتخاذ كافة القرارات العسكرية والاقتصادية لكسر الحصار وفتح المطارات والموانئ واستعادة الثروات السيادية، معلنةً تطبيق مبدأ “المعاملة بالمثل” عبر معادلة “المطار بالمطار والميناء بالميناء والحصار بالحصار”. يتجاوز هذا الالتفاف الشعبي العارم حدود التضامن ليتحول إلى برنامج عمل مؤسسي وميداني يترجم البيانات والوثائق الحقوقية إلى تحركات واعية، تؤكد أن دماء الشهداء وفاتورة الدمار الشامل تشكل وقوداً متجدداً لانتزاع النصر المؤزر، وتطهير كامل التراب الوطني، وكسر غرور الاستكبار الصهيو-أمريكي وأدواته في المنطقة.

وترجمةً لهذا التفويض الشعبي، دشنت القوات المسلحة اليمنية مرحلة استراتيجية جديدة أنهت بها زمن المماطلة، بإعلان متحدثها الرسمي، العميد يحيى سريع في 20 من يوليو 2026، فرض حظر الملاحة البحرية على النظام السعودي في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، ليأتي هذا القرار من قلب المعاناة الإنسانية المتفاقمة فيُحدث تحولاً فارقاً في إدارة الصراع، متجاوزاً أطر الدفاع التكتيكي إلى فرض معادلة الردع المباشر التي تحمّل النظام السعودي التبعات كاملة عن تعطيل الموانئ والمطارات اليمنية ونهب الثروات. وبموجب هذه المعادلة، أصبحت الموانئ والمطارات والمجمعات الصناعية والمنشآت البترولية السعودية أهدافاً مباشرة ومكشوفة لضربات موجعة تتكامل مع القاعدة الاستراتيجية “البادئ أظلم”.

ختاماً، في تحول استراتيجي أعاد رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، نجح اليمن -بفضل الله مستفيداً من موقعه الحاكم وقوته العسكرية المتنامية- في فرض حظر بحري صارم على موانئ العدو السعودي، متسبباً في إحداث نزيف اقتصادي ولوجستي غير مسبوق في بنيته الاقتصادية.

وقد تجلت الآثار الميدانية لهذا الحظر في تحويل مسارات أعداد كبيرة من سفن الشحن وناقلات النفط نحو طريق رأس الرجاء الصالح، ما كبّد النظام السعودي خسائر فادحة جراء زيادة زمن رحلات الإمداد بـ 25 إلى 34 يوماً إضافياً. وطبقاً لقراءات خبراء الاقتصاد، أدى الحظر إلى قفزات حادة في أقساط التأمين على الموانئ السعودية من 0.1% إلى مستويات تراوحت بين 0.7% و1.0% من قيمة السفينة، مضاعفة التكاليف بـ 7 إلى 10 أضعاف، بالتوازي مع تراجع حركة مناولة البضائع والحاويات في موانئ الساحل الغربي (جدة، ينبع، وجيزان) بنسب بلغت 20% إلى 50%. كما ارتفعت تكاليف إيجارات ناقلات النفط عبر باب المندب بنسبة 40% إلى 60%، ما ألقى بظلاله الثقيلة على مشاريع “رؤية 2030” وفي مقدمتها مشروع “نيوم” والمخططات السياحية الغربية نتيجة تعثر سلاسل التوريد.