الصهيونية وراء الإساءة للقرآن الكريم .. والمسلمون أمام مسؤولية المواجهة

6

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
13 أغسطس 2026مـ – 30 صفر 1448هـ

تقرير || وديع العبسي

لعل أشد الصور فضحاً للغطاء الأمريكي الرسمي لجرائم الكراهية والازدراء والذي ظهرت نسخته الأخيرة في قيام معتوه صهيوني جديد بإحراق نسخة من القرآن الكريم في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان الأمريكية، تتجلى في الصعود المفاجئ للصهيوني “جيك لانغ”، الذي كان أدين بالاعتداء على الشرطة في اقتحام الكابيتول الأمريكي بواشنطن، لم يكن ليتجرأ على قيادة حملات استعراضية لتدنيس القرآن الكريم ومهاجمة الجاليات المسلمة في “ديربورن” لولا العفو الرئاسي الشامل الذي أسبغه عليه المجرم دونالد ترامب عقب عودته للبيت الأبيض.

قضى “لانغ” أربع سنوات في السجن لمواجهته تهماً جنائية متعددة تشمل الاعتداء على رجال الشرطة بمضرب بيسبول، ليأتي خروجه محمولا بدعم سياسي ثقيل. تحوّل العفو الترامبي سريعا إلى إذنٍ ضمني بفتح معركة ضد المقدسات الإسلامية لكسب القواعد القومية المتطرفة، غير أن هذه المعادلة الاستفزازية التي تحميها قوانين واشنطن وتغفل عنها معظم عواصم العالم، اصطدمت بـالجدار اليمني الثابت والصلب؛ حيث كسر اليمن -بحزم قيادته الثورية وملايين ساحاته الشعبية وفتاوى علمائها- موجة السفاهة الأمريكية، مستبدلةً بالصمت العربي المفروض ردعاً ميدانياً وسياسياً يرفض المساومة على المقدسات الإسلامية.

تُغذية عربية لظاهرة كراهية الإسلام
لم تعد حوادث الإساءة للقرآن الكريم في الغرب تصرفات معزولة صادرة عن أفراد يمارسون ما يُعرف بـ “الشذوذ الفكري” أو الاستفزاز العابر، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة سياسية وثقافية لها أدواتها، ورعاتها، ووظائفها الأيديولوجية. ولعل في الواقعة المتجددة اليوم -التي أقدم فيها اليميني الأمريكي المتطرف “جيك لانغ” على إحراق نسخة من المصحف الشريف في مراكز وتجمعات إسلامية- استمراراً صريحاً للاستهداف الممنهج لرموز ومقدسات أكثر من ملياري مسلم حول العالم.

لا تكمن الإشكالية الكبرى في هذه الحوادث المتكررة في وجود أشخاص متطرفين يحملون أحقاداً أيديولوجية؛ إنما تكمن في الغطاء المؤسسي والقانوني الذي تُوفره المنظومة الغربية لهؤلاء الأفراد تحت شعارات براقة مثل “حرية التعبير” و”حماية حقوق الفرد”. وبتشخيص الواقع بدقة، وتأطير السلوك الاستفزازي في سياقه السياسي والإعلامي، نجد إن ما يقوم به أمثال “جيك لانغ” في الولايات المتحدة، أو “راسموس بالودان” الذي قام بإحراق نسخ من القرآن الكريم عدة مرات في السويد والدنمارك، أو “سلوان موميكا” في السويد، ليس شططاً عفوياً، وإنما سلوك صهيوني مكتمل الأركان؛ حيث اكتشفت الجماعات وشخصيات “اليمين” المتطرف في الغرب أن أقصر الطرق لكسب الضوء الإعلامي، والحصول على التمويل، وجذب الأتباع، هو التطاول المباشر على القرآن الكريم.

هكذا تحول تدنيس المصحف في الدول التي تدعي الحقوق وعدم الإساءة الى معتقدات الآخرين إلى تكتيك إعلامي يعتمد على الاستفزاز المخطط واختيار أوقات رمزية وأماكن حساسة مثل المساجد والسفارات وتجمعات الجاليات المسلمة، ثم توثيق ذلك بالبث المباشر لضمان السخط والتوسع في نشر الكراهية، مع استدعاء دائم للحماية الرسمية من قبل الشرطة. وإذا ما كان هناك رد فعل إسلامي غاضب، قام “اليمين” الصهيوني بتسويق أن الإسلام دين لا يعترف بالآخر. وبالتالي تغذية ظاهرة الكراهية للإسلام؛ إذ يتم تصوير الضحية في مظهر المعتدي المهدد للحرية، بينما يُصور المجرم في مظهر البطل والمناضل من أجل حرية التعبير، وهو انقلاب مفاهيمي وقح يستند إلى بيئة إعلامية وسياسية تهيئ للرأي العام الغربي قبول استهداف المقدسات.

الربط المباشر بين عفو ترامب للتيارات اليمينية المتطرفة وبين صعود أشخاص مثل لانغ يُظهر كيف تحولت العدائية للمقدسات إلى ورقة شحن انتخابي وسياسي داخل أحشاء النظام الأمريكي نفسه. فبمجرد أن أطلق سراحه، أعلن لانغ طموحه للترشح لمجلس الشيوخ الأمريكي عن الحزب الجمهوري في ولاية فلوريدا، واضعاً في صدارة برنامجه الانتخابي وأهدافه المعلنة “توفير غطاء قانوني لتجريم ودحر الإسلام”، واستغلال ورقة “الإسلاموفوبيا” لحشد المتطرفين القوميين وتجميع التبرعات لتمويل نشاطه. إن تعمده الذهاب إلى مدن تضم جاليات إسلامية كبيرة، مثل مدينة ديربورن في ولاية ميشيغان ومينيابوليس في مينيسوتا، وإهانة المشاعر الدينية وإحضار منتجات الخنزير للاستفزاز، يتجاوز مجرد الرغبة في التعبير؛ إلى توظيف العفو السياسي الذي حصل عليه من ترامب، وصلته بما بات يُعرف بالتيار “الترامبي” لفرض معادلة جديدة تُشرعن إهانة المسلمين تحت حماية الحريات الأمريكية المزعومة.

الموقف الذي أسقط ذريعة “الضرورات السياسية”
وبالنظر إلى الداخل الإسلامي، نجد أن التفاعل مع هذه الجرائم النكراء قد تجاوز مأزق العجز التقليدي ليصل إلى حالة أشد خطورة تمثلت في الانهزام النفسي والتنصل الصريح من المسؤولية. لم تعد معظم الأنظمة الإسلامية اليوم تكلف نفسها حتى التنديد الشكلي أو إصدار بيانات الإدانة الباردة؛ حيث سقطت غالبية العواصم في فخ المقايضة الفاشلة، واهمةً أن تقديم المصالح الاقتصادية والتفاهمات مع الغرب واجتذاب الاستثمارات يبرر التغاضي عن تدنيس كتاب الله جل شأنه. إن اعتبار هذا الصمت أو التراجع “براغماتية أو وعياً سياسياً” كما يجري التسويق دائما، ليس إلا تغليفاً زائفاً لقصر نظر وانسحاق تام.

إن استبدال حسابات المكاسب السريعة بدلا عن ثوابت الأمة ومقدساتها لا يُقرأ في العواصم الغربية إلا كدليل ضعف وهوان، ويشجع الصهاينة على التمادي في الاستفزاز، ليقينهم بضعف ردود الفعل. غير أن هذا السقوط وتخلّي الأغلبية عن واجبها الديني يواجهه نموذجاً استثنائياً يبرز في الشارع اليمني؛ حيث يُسجل الشعب اليمني دائما حضوراً شعبياً وميدانياً متواصلاً وملاييناً يملأ الساحات والميادين عقب كل حدث من هذا النوع، حاملاً المصاحف ومتصدراً الموقف بغيرة إيمانية واضحة تعبر عن ارتباط وثيق بالقرآن الكريم. وهذا التفاعل الجماهيري الفريد لا يتوقف عند الحدود الشعبية، بل تجسد في مواقف رسمية ودينية حازمة؛ من القيادة الثورية إلى القيادة السياسية إلى الحكومة والعلماء والنُخب السياسية والفكرية.

وقد أطلقت رابطة علماء اليمن مواقف وفتاوى حاسمة اعتبرت فيها الجريمة امتداداً للاستكبار الصهيوني والأمريكي، داعية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية والمقاطعة الاقتصادية الشاملة للبضائع الأمريكية، ومطالبة بمحاكمة المجرمين وإهدار دم كل من يتجرأ على تدنيس المصحف. هذا التناغم بين الشارع اليمني الواعي والمؤسسات الرسمية والعلمائية يُسقط كلياً ذريعة “الضرورات السياسية”، ويكشف حجم التقصير في بقية العالم الإسلامي.

بين “الاستنكار الصامت” إلى منطق “الفعل التأثيري”
لا شك بإن الخروج من حالة الاستكانة الشاملة وهذا الانهزام الممتد يستدعي تعميم تجربة الرفض الفاعل، والانتقال من مأزق “الاستنكار الصامت” إلى منطق “الفعل التأثيري”. لن يتوقف التطاول على القرآن الكريم بالدعوات الأخلاقية أو باستجداء الود الغربي، بل بإيجاد تكلفة سياسية واقتصادية وقانونية باهظة على كل من يُقْدم على هذا الفعل أو يوفر له الغطاء. أول هذه الخطوات يتطلب التدويل التشريعي والضغط القانوني عبر انتزاع قرارات أممية صريحة تُجرّم تدنيس الرموز والمقدسات الدينية وتصنفها كأفعال تحريضية تهدد السلم الدولي، مع بناء كادر قانوني دولي يتولى الملاحقة القضائية للمسيئين والدول التي توفر لهم الحماية.

كما يتوجب تفعيل التكلفة الاقتصادية والدبلوماسية ببرمجة المصالح الاقتصادية وتلويح دول العالم الإسلامي بحظر تجاري ومراجعة الاتفاقيات مع الأطراف التي ترعى الكراهية، والتدرج في سحب السفراء وتجميد المشاريع المشتركة، مقتدين بطلائع التحركات الشعبية والمواقف الفاعلة. وأخيراً، خوض مواجهة فكرية وإعلامية مضادة تخاطب الغرب بلغته ومفاهيمه لتفكيك أطروحات اليمين المتصهين، بالتوازي مع حملات ومبادرات واسعة للتعريف بالقرآن ورسالته الحضارية والإنسانية عبر طباعة وتوزيع الترجمات الموثوقة وعقد المؤتمرات الدولية النافذة.

وعند النظر إلى موقف المجتمع الدولي والمؤسسات الغربية من مسألة تدنيس المصحف، نجد أننا أمام ازدواجية معايير فاضحة ومقننة، تُصرّ دائما على إدراج إحراق المصحف تحت بند “حرية التعبير المطلقة”، وهي شماعة أثبتت التجربة التاريخية والواقعية أنها تُستخدم بشكل انتقائي ومزاجي. هذه “الحرية” تتراجع فوراً وتستحيل جُرماً يُعاقب عليه القانون في العواصم الغربية نفسها عندما يتعلق الأمر بالتشكيك في مزاعم ما يقال عنها (الهولوكوست)، أو عندما يُصنف الموقف في إطار “معاداة السامية”، أو حتى عند مساس الخطاب بقوانين تجرّم التمييز ضد بعض الهويات والتوجهات الاجتماعية الحديثة. وهذه المقارنة البسيطة تكشف العورة التشريعية. المقدسات الإسلامية والرموز الدينية لأكثر من ملياري إنسان هي الوحيدة التي يُسمح بانتهاكها باسم حرية التعبير، بينما تُحاط تابوهات الغرب التاريخية بأسوار قانونية نارية.

وعلى الرغم من أن المادة (20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر صراحة أي دعوة إلى الكراهية الدينية تشكل تحريضاً على العداء أو العنف، إلا أن الحكومات الغربية تتملص بدواعي “الحرية الشخصية” وفصل السلطات. والسماح لشخص مثل الصهيوني “جيك لانغ” بتدنيس المصحف تحت حراسة الشرطة هو مشاركة فعلية وضمنية من الدولة في الفعل نفسه؛ فالشرطة هنا لا تحمي حق التعبير، بل توفر الحماية الفعلية لخطاب الكراهية وتمنع الضحايا من حماية مقدساتهم.

احترام المقدسات لا يُستجدى من المنظومات الدولية ولا بالصمت
إن استمرار وتكرار حوادث الإساءة للقرآن الكريم ليس قدرًا محتومًا، ولا هو مجرد ممارسة عابرة للحرية الفردية، وإنما هو النتيجة الطبيعية لمعادلة صفرية تتكون من طرفين: طرف غربي متساهل يمارس ازدواجية المعايير ويحمي الكراهية، وطرف إسلامي متراجع يمارس الانسحاب والتفريط الميداني والسياسي، باستثناء الصرخات الحرة والمواقف الصلبة كالموقف الميداني والرسمي في اليمن.

إن تشخيص القضية يُحتم على الأمة الإسلامية -دولاً وشعوباً ومؤسسات- أن تدرك أن احترام المقدسات لا يُستجدى من المنظومات الدولية ولا بالصمت والمهادنة، بل يُفرض فرضاً عبر بناء القوة والتأثير. ولن تتوقف هذه الظاهرة إلا عندما يشعر الجاني والدولة التي تحميه أن لتجاوز الخطوط الحمراء ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا وقانونيًا باهظًا لا يمكن تحمله.

كما إن الانتصار للقرآن الكريم لا يكون ببيانات الإدانة التي تُنسى بعد أيام، بل باتخاذ خطوات عملية، وتدشين استراتيجية إسلامية موحدة تستخدم كل أوراق الضغط المتاحة، وتجبر العالم على إعادة تعريف “حرية التعبير” بما يحفظ للمقدسات الدينية حرمتها، وللشعوب كرامتها، وللسلم العالمي استقراره.