الحصار بالحصار.. خبرات يمنية تفشل مفاجأة السعودية وتفرض معادلات جديدة
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
8 أغسطس 2026مـ – 25 صفر 1448هـ
تواصل القوات المسلحة اليمنية تثبيت معادلات جديدة على مسار المواجهة، مستندة إلى تراكم الخبرات العسكرية والقدرات الاستخبارية والتصنيع الحربي، وسط فشل سعودي متكرر أمام ضربات دقيقة تستهدف مواقع ومنشآت حساسة.
ويبرز الرصد الاستخباري والاستطلاع الرقمي وتعدد منصات الإطلاق والتكتيكات المشتركة كعوامل حاسمة وراء نجاح العمليات، بالتزامن مع تشديد معادلة الحصار بالحصار وتوسيع نطاق الإجراءات البحرية.
في السياق يؤكّد الخبير العسكري اللواء خالد غراب، أن العمليات التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية تتحقق بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، وبجهود القوات الاستخبارية ورجال الاستطلاع الرقمي، إلى جانب مختلف أنواع الاستطلاع التي تعتمدها القوات المسلحة اليمنية.
ويوضح غراب في حديث له لقناة “المسيرة” أن المعلومات الاستخبارية تمثل عاملاً أساسياً لنجاح العمليات، لافتًا إلى أن الضربة التي استهدفت معسكرات ومناطق العبر وتنيا والرويك يوم الخميس، لم تكن لتنفذ لولا تلك المعلومات، قبل أن تلحق بها ضربة استهدفت صحن الجن يومها التالي.
ويُشير إلى أن الجانب السعودي ومرتزقته يصفون الضربة الأولى بالمفاجئة، رغم ترويجهم، منذ نحو شهرين، لحالة الجاهزية وانتظار ما يسمونه “ساعة الصفر”، موضحاً أن الاستعداد لأي هجوم يفترض الاستعداد كذلك لمختلف الاحتمالات والإجراءات الدفاعية، وهو ما يطرح تساؤلاً حول كيفية غفلتهم عن الضربة.
ويرى أن ضربة صحن الجن تنفذ بينما تكون القوات السعودية والقوات الرديفة لها عند أعلى درجات الاستعداد، معتبراً أن العملية تمثل صفعة للسعودية وتكشف هشاشة دفاعاتها الجوية.
ويلفت إلى أن التصدي للضربات لا يظهر استخداماً لأسلحة حديثة ومتطورة، وإنما يعتمد على أسلحة اعتيادية أو كلاسيكية استخدمت خلال سنوات الحرب الثماني، موضحاً أن التصنيع اليمني ينتقل، منذ مرحلة خفض التصعيد، إلى مستويات متقدمة، بعد إنتاج منظومات عسكرية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2023، أو 2022.
ويذكر أن اليمن أصبحت سادس دولة عالمياً تمتلك منظومة للصواريخ الفرط صوتية، إلى جانب تقنيات متقدمة للطيران المسيّر، مشيراً إلى خصائص تجعل الطائرات المسيّرة اليمنية أقرب إلى الطائرات الشبحية، نتيجة تصميم أجسامها والأجهزة الخاصة بالمحاكاة والاتصالات وإخفاء البصمة الرادارية.
ويشدّد غراب على استمرار معادلة “الحصار بالحصار”، مؤكّداً على أن المسار البحري لن يشهد تراجعاً، وإنما مزيداً من التشديد.
ويبيّن أن الإجراءات اليمنية تنتقل من منع السفن السعودية من المرور عبر باب المندب إلى شمول منطقة البحر الأحمر بكامل امتدادها، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، مع احتمال توسع نطاق الإجراءات ليشمل مساحات جغرافية أبعد.
ويضيف أن التشديد يشمل منع وصول أي سفينة أو شركة أجنبية تحمل بضائع إلى الموانئ السعودية، محذراً من احتمال وصول التصعيد، عند عدم فهم الرسائل، إلى تدمير الموانئ بالكامل، ومنع وصول السلة الغذائية أو برميل النفط، سواء عبر الاستيراد أو التصدير أو عمليات التكرير، ومعتبرًا أن القوات المسلحة اليمنية تمسك زمام المبادرة، موضحاً أن العمليات المنفذة عمليات دقيقة ومعقدة تحتاج إلى قيادة وخبرات عالية.
ويستعرض غراب مسار الخبرات اليمنية، مشيراً إلى أن القيادة اليمنية تصبح أكثر تمرساً مع تراكم التجارب منذ بداية دورة 21 سبتمبر، بعدما خاضت القوات المسلحة مواجهات متعددة مع السعودية وحلفائها السابقين، والجنجويد والسودانيين، والأمريكيين والصهاينة الإسرائيليين، إلى جانب الجيش الرديف السعودي، الذي يضم عناصر من مختلف الأصقاع، فضلاً عن المرتزقة والمخدوعين اليمنيين، لافتًا إلى أن هذه التجارب تكسب القيادة والمقاتلين خبرات متراكمة، مع استخلاص الدروس والعبر عقب كل عملية، ثم تطوير الأعمال القتالية والتكتيكية والمناورات لتلافي الثغرات وأوجه القصور.
ويصف العمليات الهجومية بالقوة الاستراتيجية وأن الحرب البرية اليمنية تختلف عن النماذج العسكرية التي تدرسها الأكاديميات والمدارس العسكرية العالمية، بسبب اختلاف النمط اليمني والتسليح، واعتماد جزء كبير من القدرات على التصنيع المحلي.
ويلفت إلى قدرة الصواريخ اليمنية على الانطلاق من الجبال والصحراء والسهول والوديان، واستهداف أهداف بحرية، مستشهداً بضربة سفينة ينبع التي جرى تنفيذها بثلاثة صواريخ بالستية.
ويوضح أن ينبع تبعد عن أقرب نقطة جغرافية يمنية بمحاذاة الحدود السعودية نحو 850 كيلومتراً، وأن الصواريخ تنطلق من مناطق مختلفة، وهو تكتيك يضع الأمريكيين أمام صعوبة استهداف منصات الإطلاق أو مخازن التسليح، بسبب تعدد جهات الإطلاق واختلاف المواقع والتضاريس.
ويؤكّد أن وصول الصواريخ بالتوقيت نفسه رغم تفاوت المسافات بين منصات الإطلاق يمثل عملية تحتاج إلى دراسة وتقييم، مشيراً إلى أن العملية المشتركة التي استهدفت صحن الجن تستخدم صواريخ وطائرات مسيّرة، وتصل جميعها وفق تكتيك مدروس مسبقاً.
بدوره يرى الخبير بالشؤون الاستراتيجية، الدكتور محمد هزيمة، أن التحرك اليمني ينتج عن رصد استخباري يقطع عامل المفاجأة الذي تعده السعودية عبر مرتزقتها، معتبراً أن النجاح يتجاوز الجانب الميداني إلى إفشال عنصر المفاجأة نفسه.
ويقول هزيمة في حديث له لقناة المسيرة: إن إدارة العمليات تظهر تفوقاً استخبارياً ولوجستياً، إلى جانب نوعية الأسلحة ودقة الأهداف وتماسك الجبهة اليمنية، رغم الفارق الكبير بين قدرات الطرفين ومقدراتهما.
ويعتبر أن هذا التماسك يشكل نقطة قوة تعيد إبراز عمل القوات المسلحة اليمنية ومختبراتها العسكرية وقدرات التصنيع الحربي، ضمن حرب تعتمد على الإرادة والتقنيات وحرب العقول.
ويرى أن التفوق يحسمه صراع العقول والإرادات لمصلحة اليمن، رغم كلفة المعركة، مشدداً على أن أرضية المواجهة صلبة، وأن المعادلة تقوم على “الحصار بالحصار، والمطار بالمطار”.
ويقول إن من يقاتل دفاعاً عن قضية وحق، كما الحالة اليمنية، لا يمكن مقارنته بمن يخوض المواجهة ضمن مشروع هيمنة، معتبراً أن الرياض تتحمل موقع المعتدي والمتفلت من الالتزامات القانونية ومن اتفاق خفض التصعيد.
ويشدّد على أن الحرب لا يمكن اختصارها بالمواجهة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا حصرها بجغرافيا إيران، موضحاً أنها صراع مشاريع يهدف من خلاله الأمريكي إلى تغيير هوية المنطقة وإحكام السيطرة على شعوبها وإخضاعها.
ويعتبر أن إسقاط النظام الإيراني يمثل الهدف المفتاحي للحرب الرامية إلى تغيير هوية المنطقة، مشدداً على صعوبة فصل هذه المواجهة عن ساحات أخرى، ومنها اليمن التي تواجه الغطرسة الأمريكية بالأدوات السعودية، ولبنان الذي يواجه العدو الإسرائيلي باعتباره رأس حربة، والعراق الذي يصفه بأنه جمر تحت الرماد، ويضيف أن ترامب يدخل دوامة إيران، ويريد الخروج منها ويبحث عن مخرج، لكنه يقع ضمن فخ التصعيد ولا يتقبل الحقيقة.
ويلفت إلى أن الاتفاق بين السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية بوساطة عُمانية يمثل اتفاقاً ثنائياً يشكل مخرجاً، معتبراً أن ترامب يتلطى خلف هذا المخرج وهو يواجه مأزقاً متصاعداً.
ويؤكد أن ترامب لم يعد قادراً على إخفاء ما يصفها بالهزيمة الاستراتيجية التي تصيب القدرة الأمريكية، والتي تفرض إعادة خلط الأوراق على مستوى المنطقة.
ويصف ما شهده أمس من اتفاق مكة، حتى مع اعتباره اتفاقاً ورقياً غير قابل للصرف أو غير قادر على تغيير المعادلات الاستراتيجية، يمثل تعبيراً عن فشل الولايات المتحدة بحماية أدواتها من الحكومات الوظيفية الخليجية، مضيفًا أن واشنطن تفوض أدواراً لدول أخرى ضمن عملية “التخادم” التي يعتمدها الأمريكي، لإدارة سياسته القائمة على السيطرة على الشعوب والاستيلاء على ثرواتها.
