المعادلة اليمنية تتمدد. لا ملاذ آمن للملاحة السعودية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
7 أغسطس 2026مـ – 24 صفر 1448هـ
تقرير || وديع العبسي
في تطور ميداني يفتح مرحلة جديدة من التصعيد، وسّعت القوات المسلحة اليمنية نطاق عملياتها البحرية، بما يعزز مسار تثبيت معادلة “الحصار بالحصار”. وجاء استهداف السفينة السعودية “وفاء” قبالة ينبع شمال البحر الأحمر ليشكل مؤشرًا على انتقال العمليات إلى نطاق جغرافي أكثر اتساعًا، بما يفرض معادلات ميدانية واستراتيجية جديدة.
قبيل العملية كان واضحا أن النظام في الرياض قد لجأ الى استراتيجية احتواء التداعيات عبر مسارات بديلة.. فبعد أن تبين له جدية التحرك اليمني وانكشاف كل السعودية أمام هجمات القوات المسلحة اليمنية بحرها، وبرها، عمدت إلى كبح أي تفكير يمكن أن يقود إلى تصعيد، والمحاولات الأولى التي قصفت فيها مطار صنعاء وميناء الحديدة وجزيرة كمران، فضلا عن ثلاث محاولات تجسس عن طريق طائرات مسيرة، قد أعقبتها مباشرة ردود موجعة زادت من واقع النزيف الاقتصادي الذي تعيشه السعودية منذ العشرين من يوليو الماضي. لذلك اختارت الرياض التأني في تنفيذ أي عدوان جديد بصورة مغايرة لما كانت عليه خلال أكثر من عقد.
معادلة الحصار بالحصار… من المطالب إلى التطبيق
وفي البحر، جاء التحرك العملي للقوات المسلحة لتثبيت معادلة الحصار بالحصار، معززا لحقيقة أن اليمن قد أعد نفسه للفصل الأخير من وضعية اللاسلم واللاحرب، وفرض واقعا جديدا ينعم فيه الشعب اليمني بالحرية والسيادة الكاملة.
يؤكد عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، أن المطالب التي يرفعها اليمن تتركز في قضايا مشروعة، وفي مقدمتها رفع القيود عن المطارات والموانئ، وتأمين حرية السفر والتنقل، وصرف المرتبات، ووقف نهب الثروات الوطنية، وإنهاء التدخلات الخارجية في الشأن اليمني، معتبراً أن هذه المطالب تعبر عن احتياجات الشعب اليمني ولا تخدم أي طرف خارجي.
هنا تلقفت السعودية الرسالة بوعي كامل، غير أنها تعاملت معها بغطرسة، وابتعدت بسفنها مباشرة عن استخدام مسار باب المندب لسفنها، وتحركت شمالاً في اتجاه قناة السويس لتلتف على القارة الأفريقية، مرورا برأس الرجاء الصالح، مع علمها بالكلفة المالية المترتبة على هذا الالتفاف، إلا أن ذلك -في تصورها- أفضل من لا شي.
“وفاء ” بداية اتساع النطاق
غير أن تفاصيل المعادلة التي يبدو أن خبراء السعودية وأمريكا معا لم يقرأوها بشكل جيد، جاءت بما لا تشتهيه أحلامهم، فاليمن لم يضع معادلته عدوانا، وإنما بهدف إجبار محور العدوان والحصار على رفع يده عن اليمن. بالتالي صيغت المعادلة اليمنية بكونها معادلة متحررة زمانا، ومفتوحة على كل البحر الأحمر. فلم تُحصر المعادلة اليمنية في فرض الحصار على ملاحة السعودية في باب المندب جنوب البحر الأحمر فقط، وإنما شماله أيضا، وجاءت عملية استهداف السفينة “وفاء” إيذانا ببدء التمدد واتساع نطاق العمليات الموجعة ضد الملاحة السعودية.
قد تكون السعودية نجحت في تسيير بعض سفنها في المسار البديل الالتفافي عبر قارة أفريقيا، إلا أنها لم تعط نفسها الفرصة لوضع أسوأ الاحتمالات، وأثبتت عجزها عن بناء تقديرات دقيقة للمرحلة القادمة، وإمكانية وصول المعادلة اليمنية إلى هذا الاتجاه. وبالتالي، ثبّتت السعودية للمراقبين والخبراء -بسلوكها اليائس- إصرارها على استمرار محاصرة الشعب اليمني وإبقائه في وضعية البؤس والمعاناة، وهي حالة عدوانية لا يرى لها المراقبون أي مبرر، خصوصا مع انتهاكها للمبادئ والقوانين الدولية.
تغيير مسار السفن لا يتجاوز المخاطر
ولا شك أن التطور الأبرز -حتى الآن- لا يتمثل فقط في استمرار العمليات البحرية، وإنما في انتقال تأثيرها إلى مناطق شمال البحر الأحمر، بما يجعل الحسابات أكثر تعقيدًا. فبينما كان التركيز خلال مراحل سابقة ينصب على مضيق باب المندب باعتباره نقطة الاختناق الرئيسية، فإن الوصول إلى مناطق شمالية يوسع جغرافية المعادلة. ولأن الساحل السعودي على البحر الأحمر يمثل أهمية استراتيجية واقتصادية متزايدة، خصوصًا مع ارتباطه بموانئ تجارية ومشاريع تنموية كبرى، فإن استهداف سفن الملاحة السعودية في نطاق شمال البحر الأحمر يحمل رسالة تتجاوز الجانب العسكري المباشر، مفادها أن الاعتماد على تغيير مسار السفن أو الابتعاد عن منطقة باب المندب لن يساعد على تجاوز المخاطر على هذه المشاريع والطموحات الاقتصادية.
المدخل إلى استقرار البحر الأحمر
ومع كل عملية تنفذها القوات المسلحة لتثبيت معادلة “الحصار بالحصار” أو الرد على العمليات السعودية العدوانية النارية أو التجسسية، يتنامى الشعور العالمي بالحاجة الفعلية إلى تفعيل رد الحقوق وردع الانتهاكات، وهي مسألة غير مكلِفة، بقدر ما تُعد انتصارا لمنظومة القيم بما فيها خاصية “الالتزام” بالقواعد والثوابت، واحترام باقي الدول.
ومن هذا المنطلق، يتفق المحللون على أن استقرار البحر الأحمر إنما يتوقف على ضرورة إيجاد معالجة شاملة تقوم على العدالة وإنصاف الشعب اليمني وتمكينه من حقوقه السياسية والاقتصادية والإنسانية كاملة، باعتبار أن استمرار الأزمات الداخلية والحصار والضغوط المختلفة يمثل عاملًا مغذيًا لاستمرار حالة عدم الاستقرار. غير أن أحد أهم عوامل استمرار التوتر والأزمة لا تزال تتمثل في “المكابرة السياسية” من قبل السعودية، وإصرارها على مقاربة الأزمة من خلال أدوات القوة وحدها، بدلا عن البحث عن تسوية تضمن الحقوق والمصالح للشعب اليمني. ولا شك أن استمرار النهج السعودي يفاقم التداعيات الأمنية والاقتصادية، ليس على السعودية فقط، بل وعلى المنطقة بأكملها.
إن استمرار تعامل السعودية مع المشكلة من زاوية أمنية وعسكرية فقط، مع تجاهل الجوانب السياسية والإنسانية، قد يقود إلى نتائج أكثر تعقيدًا على المدى القريب والبعيد.
التصعيد وميزان القوة الجديد
تخلص التحليلات إلى أن اليمن بكل فئاته ونخبه، ماض إلى التحرر الحاسم والأكيد مهما كانت التضحيات، بالتالي فإن الوضع -ومع تشدد الرياض في توجهها- مرشح للدخول في مراحل أكثر تعقيدا، وستكون تأثيراته عميقة على استقرارها ومشاريعها المستقبلية.
ومنذ إعلان القوات المسلحة إنهاء العمل باتفاق خفض التصعيد وتنفيذها هجوما على مطار أبها الدولي، وتأكيدها أن الأجواء السعودية ليست آمنة، عقب استهداف سلاح الجو السعودي لمطار صنعاء، أيقن المراقبون أن المواجهة فعلا على مشارف انعطافة أكيدة ستثبّت قواعد جديدة، وستفرض إرادة اليمنيين، خصوصا مع مراكمة اليمن لقدراته العسكرية وخبرته العملياتية.
تقديرات المواجهة المفتوحة
بناء على ذلك تذهب التقارير إلى أن خوض السعودية لمواجهة شاملة ومفتوحة مع اليمن اليوم يختلف جذرياً عن ظروف الماضي، بكونها أصبحت مقامرة محفوفة بالوبال والكارثة. وتؤكد صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، في تقرير بشأن التطورات في البحر الأحمر، بأن القوات المسلحة اليمنية تمتلك من الإمكانات العسكرية والبشرية ما يؤهلها لخوض حرب متعددة الجبهات، تشمل العمليات البرية والبحرية والجوية، بالتوازي مع قدرتها على إدارة معركة استنزاف طويلة، الأمر الذي يفرض تحديات متزايدة أمام السعودية في حال استمرار التصعيد العسكري.
في المقابل تبدو السعودية في واقع مكشوف، حيث الأهداف تمثل نقاطاً حيوية للصواريخ والطائرات اليمنية، في الوقت الذي لا تتمتع فيه بامتيازات تزيد من ثقل كفتها، أو تمنحها نقاطا تعزز من قدرتها، على الأقل بأن تكون كما كانت خلال سنوات العدوان، وهو الانكشاف الذي أكد أن الرياض إنما تقاتل بالاستناد على دعم آخرين، فهي -كما كانت دائما- لا تتحرك إلا في إطار تحالفات.
الدفاعات السعودية وحدود القدرة
من ناحية أخرى أثبتت تجربة المواجهة خلال السنوات الماضية أن المنظومات التقنية الدفاعية الأكثر تطوراً في العالم، التي راهنت عليها السعودية طويلا وصرفت فيها مئات الملايين من الدولارات، لم تكن في مستوى الرهان، فلم تنجح في رد الصواريخ اليمنية والطائرات المسيرة التي كانت تصل أهدافها وتحدث الأثر المطلوب، وصولا إلى دفع أمريكا في اتجاه خفض التصعيد. وتؤكد التناولات التحليلية أن الولايات المتحدة -بقدرتها العسكرية وتحالفاتها الدولية وحاملات طائراتها الأحدث في العالم- عجزت عجزاً مطلقاً عن كسر القدرات العسكرية اليمنية أو تأمين الملاحة الصهيونية في البحر الأحمر. وإذا كانت القوة العسكرية المتقدمة قد فشلت بترسانتها وجبروتها التكنولوجي في تحجيم الصواريخ والمسيرات اليمنية، فإن السعودية بالتالي تصبح عاجزة عن تحقيق ما لم تحققه واشنطن.
