وفق تقدير مؤسسات دولية مختصة.. خسائر العدو السعودي تتراكم أمام الحظر اليمني والعمليات التصعيدية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
26 يوليو 2026مـ – 12 صفر 1447هـ
تقرير || يحيى الشامي
في لحظة فارقة أثبت فيها اليمن قدرته على تحويل الوعود العسكرية إلى واقع ميداني ضاغط، تجلت أبعاد معادلة “الحظر بالحظر” لتضع اقتصاد العدو السعودي أمام اختبار عسير لم تعد تُسعفه فيه محاولات التكتم والتعتيم الإعلامي، فمع ساعات الفجر الأولى ليوم السبت، وتحديداً بين الفجر والإشراق، انطلقت موجات الصواريخ اليمنية لتستهدف عملاق النفط العالمي “أرامكو” في موقعين حيويين هما جيزان جنوب المملكة وينبع غربها، في عملية عسكرية جاءت ردّاً مباشراً على التصعيد السعودي باستهداف الحديدة ومينائها وجزيرة كمران، وتدشيناً عملياً للبيان الثالث في معركة كسر الحصار.
في ذاكرة عملاق النفط السعودي يوم لن يُنسى، عمليتان عسكريتان: الأولى لأرامكو جيزان جنوب المملكة، والثانية لأرامكو ينبع غرب المملكة.
زمانياً امتدت موجات الصواريخ اليمنية على فترات، من فجر السبت إلى صباحه بعد الإشراق وفق بيانات الدفاع السعودية، التي عاودت التنبيه بتوقيت الهجمات اليمنية في لحظة انكشاف غير مسبوقة لجغرافيا الجزيرة.
ولأن طبقات الدفاع الجوي السعودي (الغربية والأمريكية والأوروبية) فشلت في التصدي للنيران اليمنية المتتابعة، فقد سارعت السلطات كعادتها إلى تحجيم المشاهد ومنع الصور لمنع الفضيحة، غير أن التسريبات الضئيلة التي خرجت من جيزان وينبع أظهرت أدخنة متصاعدة امتدت لتغطي شروق الشمس، ما أظهر فعلياً وقوع خسائر فادحة، بالإضافة إلى عجز فرق الإطفاء، ومبينة دقة إصابات الصواريخ والمسيّرات والمجنّحات اليمنية، وإن كانت السعودية نجحت في تحجيم تداعيات وآثار العمليات اليمنية على المستوى الإعلامي إلا أن نزيف المؤشرات الحمراء في أسواق المال العالمية لا يمكن للرياض التلاعب بأرقامه أو إيقاف اندفاعه، وهو ما بدأ يتجلى وسيستمر في الساعات وربما الأيام القادمة.
تداعيات حظر الملاحة البحرية السعودية
ولم تكن ضربات المنشآت النفطية سوى الامتداد الميداني لعمليات بحرية أكثر إيلاماً شهدتها مياه البحر الأحمر قبل يوم واحد، حين استهدفت القوات اليمنية ناقلتي النفط السعوديتين “إنسيليا” و”ليلى” لمخالفتهما قرار الحظر، ما أسفر عن اشتعال فوري لأسعار النفط وأقساط التأمين البحري، فقد تضاعفت كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب لدى بعض الشركات لتتجاوز أقساطها الاسترشادية واحداً بالمئة من قيمة السفينة مقارنة بأعشار النسبة في الأسابيع السابقة، بل قفزت لتصل إلى ثلاثة بالمئة للسفن المرتبطة بالسعودية والمنطلقة من جيزان والشِقيق وعبر باب المندب، وهو ما يضيف مئات آلاف الدولارات على الرحلة الواحدة، ويضع هذه السفن ‘وفق تصنيف شركة “أمبري” البريطانية- في الفئة الأعلى خطورة. هذا التصعيد دفع بخام برنت للتحليق فوق مستوى المائة دولار للبرميل مسجلاً أسبوعاً من الارتفاعات الحادة ناهزت أربعة عشر بالمئة، وامتدت شرارته لتصل إلى المستهلك الأمريكي مع ارتفاع سعر غالون البنزين إلى أكثر من أربعة دولارات، وسط تحذيرات من مجموعة “جولدمان ساكس” بأن الاستمرار في تقييد الملاحة قد يدفع الأسعار لتجاوز مائة وعشرين دولاراً للبرميل، متسبباً بأكبر اضطراب للإمدادات منذ اندلاع العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.
هذا الإرباك الشديد دفع شركة “كبلر” للملاحة إلى رصد هبوطٍ حاد في تحميلات الخام عبر باب المندب بنسبة ستة وثلاثين بالمئة خلال أسبوعين، مع اضطرار عدة ناقلات محملة بالنفط السعودي إلى تغيير مسارها والالتفاف نحو قناة السويس، لتجد الرياض نفسها أمام ما وصفته مؤسسة “لويدز ليست إنتليجنس” بالضربة المزدوجة؛ إذ إن المملكة التي حوّلت نحو سبعين بالمئة من صادراتها النفطية إلى ميناء ينبع عبر خط أنابيب “الشرق-الغرب” تفادياً لإغلاق مضيق هرمز، أضحت اليوم تفقد أمان هذا المسار البديل أيضاً. وفي هذا السياق، كشفت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية أن كبرى شركات التأمين العالمية، كشركتي “أسكوت” و”نافيوم”، أبلغت الوسطاء باستعدادها لإلغاء وثائق التأمين القائمة والتوقف عن توفير التغطية للسفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر حتى وإن كانت تحمل أعلاماً أخرى، مؤكدةً -على لسان وسطاء بشركة “مارش”- أن السعودية أصبحت تُعامل بنفس مستوى المخاطر العالية المفروضة على كيان الاحتلال الإسرائيلي وأمريكا وبريطانيا، وهو ما يدحض الترويج السعودي ويؤكد حقيقة الموقف اليمني القاضي بصرامة الحظر على الطرف السعودي وحده حتى رفع الحصار.
بدائل أكثر كلفة
أمّا النزيف الاقتصادي المترتب على تحويل مسارات ناقلات النفط والمنتجات البترولية من ينبع وموانئ البحر الأحمر نحو المسار الشمالي عبر قناة السويس والبحر المتوسط ورأس الرجاء الصالح، فيفرض كلفة إضافية باهظة، تبلغ قيمتها اليومية ما بين خمسة وعشرين إلى ستة وثلاثين مليون دولار، لتصل الكلفة الشهرية التقديرية إلى نحو تسعمائة وثلاثة وثلاثين مليون دولار كتقدير مركزي، وقد تتجاور المليار وثلاثمائة مليون دولار شهرياً في حال تفاقم الازدحام في القناة وخط “سوميد”، يضاف إلى ذلك العبء الكبير الواقع على القطاع التجاري السعودي جراء تحويل سفن البضائع والحاويات المرتبطة بموانئ جدة وينبع وجيزان، والذي يضيف كلفة شهرية تتراوح بين مائتين وخمسمائة وعشرين مليون دولار، وتصل -مع احتساب الخسائر غير المباشرة كتعطل المخزون وتأخر المشاريع- إلى نحو أربعمائة مليون دولار شهرياً.
وقد انعكس هذا الإرباك اللوجستي بصورة مباشرة على قطاع المقاولات والإنشاءات داخل المملكة نتيجة تأخر تدفق المعدات الثقيلة ومواد البناء، وارتفاع أجور الشحن والتأمين، ممثلاً ضغطاً مالياً متزايداً على الشركات والمنشآت. وفي ظل هذا المشهد المفتوح على كافة الاحتمالات، تشير الحسابات الاقتصادية إلى أنه إذا ما امتد الحظر اليمني ليشمل منعاً كاملاً لصادرات النفط والمنتجات البترولية من الموانئ السعودية على البحر الأحمر، فإن الرياض ستكون أمام خسران إيرادات يومية تتراوح بين اربعمائة وستين إلى اربعمائة وخمسة وثمانين مليون دولار، ما يعني تعريض ما يقارب أربعة عشر مليار دولار شهرياً للتوقف التام، وقد ترتفع إلى ستة عشر ملياراً ونصف المليار شهرياً في أحجام التدفق المرتفعة.
وتعكس هذه الأرقام -بشكل حاسم وواضح- نجاحَ الردع اليمني في تحويل الحصار إلى سلاح فاعل وقوي يطوق الاقتصاد السعودي، ويفرض معادلة جديدة مفادها أن الاستقرار الاقتصادي للرياض أضحى رهيناً بفك الحصار عن اليمن، وهو الأمر الذي سيسهّل على النظام السعودي مهمة نزوله من الشجرة والاستماع لمطالب اليمنيين المحقة وتنفيذها بلا مفاوضات ولامماطلات.
