اليمن يفرض السقف الكامل لإنهاء الحصار.. الحظر مقابل الحظر

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 يوليو 2026مـ – 11 صفر 1447هـ

تقريــر || عبدالقوي السباعي

تكشف المعطيات الميدانية عن استراتيجية متكاملة تدار من قبل تحالف العدوان الذي تقوده النظام السعودي بدعمٍ وإسناد مباشرين من أمريكا وبريطانيا وكيان العدو الإسرائيلي؛ وهي استراتيجية تعتمد بشكّلٍ أساسي على تصعيد الخناق الاقتصادي وتعميق الحصار المعيشي على الشعب اليمني، بهدف هندسة بواعد اجتماعية وسياسية جديدة تُضعف الجبهة الداخلية المناهضة للتحالف وتدفع بنحو تفكيكها من الداخل.

ويتجه النظام السعودي وأدواته المحلية في الداخل والخارج، بنحوٍ مكثف نحو الاستثمار السياسي والإعلامي في المعاناة الإنسانية المتفاقمة لليمنيين؛ فالهدف المحوري لتشديد قيود الموانئ والمطارات لا يقتصر على الضغط العسكري الصرف فحسب، فقد يتعداه إلى تثوير الوضع الداخلي وخلق حالة من السخط الشعبي العارم، يوجه رأسًا ضد المكونات الرسمية والشعبية والمجاهدين في صنعاء.

وتعتمد هذه السياسة على منطق قسري يُستغل الفقر والمجاعة الخانقة التي كادت تصل ببعض المناطق اليمنية إلى مستويات من البؤس تُشابه ما يتعرض له قطاع غزة، للتأثير على البنية الاجتماعية، ويجري ذلك عبر استقطاب المقاتلين، وشراء ولاءات الشخصيات الاجتماعية، من مشايخ ووجهاء، وتحويل أبناء البلد إلى أدوات قتالية تُحارب مجتمعاتها وأسرها لصالح القوى الخارجية، وذلك بعد إيصال المواطن إلى نقطة يغيب فيها الأفق الاقتصادي والحل السياسي.

وعلى صعيد العملية السياسية، يُجمع الخبراء على أن المسار التفاوضي الحالي يفتقر إلى الأفق الحقيقي والرغبة الجادة في تحقيق السلام؛ فالشواهد الميدانية تؤكّد أن النظام السعودي وحلفاءه يستخدمون جولات الحوار كاستراتيجية لكسب الوقت؛ وذلك لإعادة ترتيب الصفوف وتشكيل القوى القتالية الميدانية وتجهيزها بانتظار اللحظة المناسبة للسيطرة الميدانية.

وفي المقابل، تُشدّد القيادة في صنعاء على أن الرد على هذه المماطلة يستند إلى منطلق ديني وإيماني ووطني، يوجب عدم ترك الشعب فريسة لمعاناته، وربط المظلومية اليمنية بالمظلومية الإقليمية الشاملة؛ بدءًا مما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة، مرورًا بالوضع في لبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، للوصول إلى تحرك فاعل ومسؤول يكسر معادلة الابتزاز الاقتصادي.

وتعكس المحطات الأخيرة تحولاً مفصليًّا في الشارع اليمني؛ حيث أدى الخطاب الأخير للسيد القائد -يحفظه الله- وما تلاه من استجابة يوم الجمعة قبل الفائت، إلى موجة تفاعل واستنفار شعبي وصفها المراقبون بـ “غير المسبوقة” في تاريخ الجمهورية اليمنية، وهذا التفاعل يمس الأعماق ولو كان للحجارة والجبال مشاعر لاهتزت وصحت من حجمه.

كما يمنح هذا الحشد الجماهيري العظيم القيادة الثورية السياسية والعسكرية في صنعاء شرعية شعبية مطلقة وسقفًا تفاوضيًّا مرتفعًا، يستند إلى منطق القرآن الكريم والمظلومية المشروعة، ما يُلزم القيادة بالتحرك الفوري لإسقاط الحصار وعدم القبول بالحلول الجزئية أو المعالجات الترقيعية.

الخروج الشعبي الأخير وضع خطًا فاصلاً بين مرحلة الصبر ومرحلة فرض الشروط بقوة الأمر الواقع، وبات من الضرورة الملحَّة لمواجهة الاستثمار القذر الذي يمارسه خبراء السياسة والدعاية والإعلام والحرب النفسية في السعودية تجاه هذه المظلومية، ومع استمرار القيود المفروضة، يأتي الرد من صنعاء حاسمًا برفض الخيارات الجزئية والتفاهمات المحدودة، مثل الطرح السعودي الأردني بفتح رحلات وحيدة أو وجهة واحدة عبر مطار صنعاء، فالقبول بوجهة واحدة يُعد تشريعًا للوصاية والتسلط الخارجي، وهو ما لا تقبله أيّ دولة ذات سيادة.

وهنا يمكن لأي فرد حول العالم أن يتساءل موجهًا للسعودية ومن يقف معها: “هل تقبل الرياض أن يُتحكم بمطاراتها كـ مطار الرياض ولا يُسمح للرحلات إلا بوجهة واحدة نحو طهران؟ أو هل يقبل أيّ بلد أن تكون حركة تجارته وسفره مرهونة بإذن دولة أخرى كالهند أو بنغلاديش؟” إن منطق السيادة يتطلب حرية كاملة وشاملة للمطارات والموانئ دون أيّ تدخل أو وصاية.

وبناءً على ذلك، يتلخص سقف المطالب اليمنية المشروعة في عدة نقاط أساسية لا تنازل عنها؛ أولها الحرية الكاملة لكافة المطارات والموانئ ورفع القيود الشاملة عن حركة المواطنين التجارية والمدنية (للسفر، والعلاج، والدراسة، والسياحة) ودخول البضائع براحة كاملة دون شروط أو تفتيش تعسفي، وإسقاط المزاعم الكاذبة بشأن استقبال السلاح عبر الطائرات المدنية.

ثانيها إنهاء الحصار الاقتصادي الشامل وإلغاء كافة الإجراءات الظالمة التي تستهدف الاقتصاد الوطني، وثالثها إنجاز ملف الأسرى بشكّلٍ كامل وإنساني، ورابعها استعادة الثروات الوطنية وسداد الرواتب؛ بإنهاء سياسة توريد عائدات النفط والغاز اليمني إلى حسابات خارجية كـ البنك الأهلي السعودي، وإعادة توجيه هذه الثروات لصرف رواتب كافة موظفي الدولة المنقطعة.

وأمام هذا الانسداد السياسي والاستمرار في المماطلة، فإنّ صنعاء تتجه نحو تفعيل معادلة ردع اقتصادية وعسكرية شديدة الخطورة، تقوم على القاعدة الذهبية التي أعلنها الرئيس مهدي المشاط: “إما حقوق للجميع.. أو لا حقوق لأحد”.

وتلفت كل التقييمات إلى نقطة الضعف الجوهرية والقاتلة لدى النظام السعودي، والمتمثلة في اعتماده الكلي على التصدير والاستيراد البحري لنفطه وتجارته، إذ لا يمكن نقل النفط والغاز عبر الطائرات، وتلكم هي الرقبة الاقتصادية التي تلوح صنعاء بخنقها عبر فرض حظر بحري شامل ومقابِل، ما سيضع الرياض وتحالفها الأرعن أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الانصياع للحقوق المشروعة وإنهاء الحصار كليًّا، أو مواجهة حرب اقتصادية وبحرية شاملة ستكون كلفاتها باهظة وغير مقدورة بالنسبة للسعودي وكل الدول الداعمة له والأدوات السابحة في فلكه.