أسبوع النار الإيرانية: إغلاق هرمز وتدمير شبكات الدفاع والقواعد الأمريكية..

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 يوليو 2026مـ – 11 صفر 1447هـ

في سجلات الحروب التي خاضتها أمريكا في المنطقة، لم تعش قواتها أسبوعاً كالذي عاشته للتو. أسبوع لم تكن فيه المبادرة بيد القادة في واشنطن، بل بيد مقاتلين آمنوا بأن النصر من عند الله، وأن المعتدي لا بد أن يذوق ضعف ما ذاقه الأبرياء.

خلال أسبوع واحد فقط، نفذت القوات المسلحة الإيرانية بشقيها (حرس الثورة الإسلامية والجيش) أكثر العمليات العسكرية تعقيداً وتزامناً في تاريخ المنطقة. هذه العمليات كشفت عن عقيدة قتالية جديدة تقوم على مفهوم تطهير مسرح العمليات وفرض المعادلات بدلاً من مفهوم تبادل الضربات التقليدي.

ما يميز عمليات هذا الأسبوع هو حجم التدمير والهندسة العسكرية الدقيقة التي بنيت عليها من حيث إغلاق مضيق هرمز أولاً، ثم تطهير أنظمة الرادار والدفاع الجوي، ثم استهداف القواعد الجوية، فمراكز القيادة والسيطرة، وصولاً إلى البنية التحتية الاقتصادية للعدو وهذه منظومة متكاملة من العمليات تستحق التحليل العميق.

وكانت البداية من خنق الشريان فقبل الصواريخ والمسيرات كان لا بد لإيران من توجيه رسالة بأن هذه المنطقة ليست حديقة خلفية لأحد، وممراتها المائية ليست طرقاً سالكة لمن يعتدي على أبنائها، وعندما أعلنت القوة البحرية في الحرس أن مضيق هرمز بات شديد الخطورة ومغلقاً بالكامل كان هذا بمثابة إعلاناً عن تنفيذ ميداني بدأ بزرع ألغام ذكية في مسارات ملاحية محددة، ثم بإعلان هذه المسارات.

ثلاث ناقلات على الأقل التهمتها النيران بعد محاولتها عبور المسار غير الآمن بتضليل من الاستخبارات الأمريكية. أربع سفن أخرى حاولت التسلل بإطفاء أنظمة الملاحة، فتم اعتراض اثنتين وتوقفتا، وفرت اثنتان. وهنا كانت الرسالة واضحة في أنه لا نقطة نفط، ولا شحنة غاز، ولا حمولة أسمدة كيماوية ستعبر هذا المضيق إلا بإذن من طهران والعالم الذي اعتاد أن يستيقظ على أسعار نفط تحددها بورصات لندن ونيويورك، أصبح الآن يستيقظ على معادلة أن أمن الطاقة العالمي مرهون باحترام سيادة إيران.

موجات متتالية وتدمير ممنهج
ما جرى بعد ذلك من عمليات القصف كان تطبيقاً لعقيدة قتالية محكمة يمكن تلخيصها في قاعدة واحدة: التعمية ثم التدمير. العدو الذي يعتمد على عيونه الإلكترونية وراداراته المتقدمة ليحمي قواعده، كان لا بد أن يُصاب أولاً في عينيه. وهذا ما حدث في الليلة السوداء للرادارات.

في ليلة واحدة، تحولت سماء الخليج إلى محرقة لمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية. الواحدة تلو الأخرى، انهارت الرادارات التي طالما تباهى البنتاغون بأنها تحمي قواته:

في الكويت، تحطم رادار الإنذار المبكر FPS-117 في قاعدة أحمد الجابر، وهو النظام الذي صُمم لرصد الصواريخ البالستية قبل دقائق من وصولها. تبعه تدمير منظومة باتريوت بأكملها، ثم منظومات الاتصالات الفضائية المرتبطة بها. في علي السالم، دُمر رادار الدفاع الصاروخي ومجموعة رادارات تكتيكية، وفي جزيرة بوبيان طالت الضربات منظومة رادار أخرى.

في البحرين، حيث مقر الأسطول الخامس، كان المشهد أشد وطأة: منظومة دفاع جوي في المحرق خرجت من الخدمة، ومنظومة باتريوت في الرفاع تحولت إلى حطام، ورادار بعيد المدى ومركز اتصالات ومنظومات استقبال فضائي سُحقت جميعها في ضربة واحدة.

في الأردن، لم يكن الوضع مختلفاً: منظومة THAAD التي تتباهى أمريكا بأنها درعها ضد الصواريخ البالستية أصيبت إصابة مباشرة، إلى جانب رادار C-RAM ومنظومة باتريوت أخرى.

النتيجة: شبكة الدفاع الجوي التي أنفقت عليها أمريكا مليارات الدولارات على مدى عقدين، تحولت في ساعات إلى ثقوب واسعة في سماء المنطقة. العدو أصبح أعمى، والقواعد أصبحت عارية.

 

من التعمية إلى التدمير: القواعد تشتعل
بعد أن فُقدت العيون، بدأ المقاتلون في توجيه الضربات إلى قلب القواعد. ليس إلى الأسوار والأسلاك الشائكة، بل إلى ما يجعل القاعدة قاعدة: “الطائرات، الذخائر، الوقود، والأفراد”.

في قاعدة علي السالم بالكويت، انفجر مستودع ذخيرة ضخم في انفجارات متتالية هزت الأرض، فيما دُمرت ست هنغارات إيواء تدميراً كاملاً وتضررت ثلاث أخريات، مخلفة أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى في صفوف القوات الأمريكية. في قاعدة العديري، ثلاثة مستودعات للذخائر والمعدات اشتعلت ودُمرت. في قاعدة عريفجان، مستودعات قوات الكوماندوس البحرية الخاصة (الوحدة TF59) احترقت بالكامل مع زوارقها وتجهيزاتها.

في الأردن، كان المشهد أكثر دقة: عشرون هنغاراً للقوات الأمريكية في الأزرق دُمرت بالكامل بمساعدة معلومات من الشعب الأردني الشريف والعسكريين الغيورين كما أعلن الحرس في بيانه. طائرات F-15 داخل ملاجئها المحصنة لم تسلم، وثماني طائرات مسيّرة من طراز MQ-9 جديدة تماماً تحولت إلى خردة، ومروحيتان ثقيلتان أصيبتا بأضرار جسيمة، وخزانات الوقود اشتعلت، ومستودع ضخم لمعدات المروحيات دُمر بالكامل.

في قاعدة التنف على الحدود السورية – الأردنية، أكدت صور الأقمار الصناعية ما أنكرته السلطات السورية رسمياً: منشآت عسكرية أمريكية مدمرة، رغم محاولات التكتم.

 

الاقتصاد في مرمى النار: ضربة أمازون
من بين كل الضربات، ثمة واحدة تستحق وقفة خاصة. حين استهدفت صواريخ كروز إيرانية البنية التحتية المركزية لبيانات شركة أمازون في البحرين ودمرتها، كان ذلك إيذاناً بدخول الحرب بعداً جديداً. أمازون ليست مجرد شركة تجارة إلكترونية؛ خدماتها السحابية (AWS) هي العمود الفقري الرقمي لقطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي، بما في ذلك قطاعات حساسة في الولايات المتحدة نفسها. استهداف هذا المركز بالذات يعني أن إيران قادرة وراغبة في ضرب البنية التحتية الاقتصادية للعدو، لا فقط قواعده العسكرية. الحرب لم تعد محصورة في الثكنات والمطارات، بل امتدت إلى حيث يخزن العدو ثروته المعلوماتية.

الجيش الإيراني: ضربات منكلّة
لم تقتصر العمليات العسكرية على الحرس الثوري فالجيش الإيراني نفذ موجاته المتتالية من عملية “صاعقة” بوتيرة مذهلة. خمس وعشرون مرحلة من الهجمات بالمسيّرات الانتحارية من طراز “آرش” استهدفت كل ما هو أمريكي في المنطقة: مستودعات ذخيرة في معسكر العديري والعديد من القواعد الكويتية، خزانات وقود في علي السالم، حظائر طائرات في قاعدة الشيخ عيسى بالبحرين، مباني سكن وخدمات ومستودعات في قاعدة الأزرق بالأردن، وهوائيات تحديد اتجاه ومبانٍ إدارية في عريفجان.

الرسالة هنا مضاعفة فإيران كلها، بحرسها وجيشها، تقف صفاً واحداً، ليس هناك تردد. والعدو الذي راهن يوماً على “الشرخ الداخلي” يكتشف أنه يواجه أمة موحدة خلف قواتها المسلحة.

حين يصبح الخطاب سلاحاً
ما ميز عمليات هذا الأسبوع هو حجم التدمير، و حجم الوضوح في الخطاب فالبيانات الصادرة عن حرس الثورة كانت رسائل موجهة إلى شعوب المنطقة، وإلى العالم، وإلى الداخل الإيراني، كل برسالته الخاصة حيث خاطبت شعوب المنطقة بأنهم ليسوا محايدين: “أيها الشعب الأردني الشريف والعسكريون الأردنيون الغيورون، إن واجبكم الديني والإنساني هو أن تقضوا على القوات الأمريكية المهدورة الدم”. “أيها الشعب الكويتي الشريف والأصيل، لا ينبغي أن تكون أرض الكويت ملاذاً آمناً للجيش الإرهابي”. في تذكير بأن الوجود العسكري الأمريكي على الأراضي العربية هو احتلال بكل ما تعنيه الكلمة، وأن تطهير هذه الأراضي واجب ديني وإنساني قبل أن يكون خياراً سياسياً، والذكاء هنا أن إيران لا تخاطب الأنظمة الرسمية، بل تخاطب الشعوب مباشرة، وتحديداً العسكريين داخل هذه الشعوب، أولئك الذين يرون بأعينهم كيف تتحول أراضيهم إلى منصات لقتل مسلمين آخرين.

وإلى العالم قالت إيران بأن القواعد التي تنطلق منها الطائرات لقتلنا هي أهداف مشروعة، فعندما حاولت القاذفات الأمريكية B-1 قصف إيران من قاعدة فيرفورد في بريطانيا، جاء الرد سريعاً وواضحاً: “أي قاعدة تُستخدم للاعتداء على الأراضي الإيرانية تُعد هدفاً مشروعاً لنا”. بريطانيا، التي تحمل في سجلها الأسود تقسيم المنطقة وزرع “إسرائيل”، حُذرت من أن تثقل سجلها أكثر. الرسالة وصلت إلى كل عاصمة تستضيف قواعد أمريكية: وجودكم في حلف العدوان يجعل منكم هدفاً.

 

معادلات جديدة تملى على العدو
في قلب هذه العمليات، ثمة أربع معادلات فرضتها إيران على أرض المعركة، وأصبحت من الآن فصاعداً حقائق ثابتة:

المعادلة الأولى: أمن الطاقة مقابل أمن إيران. لن تمر قطرة نفط من مضيق هرمز ما لم تتوقف الاعتداءات والعالم الذي ارتاح لعقود لتدفق النفط الخليجي الرخيص، أصبح الآن أمام خيار صعب “إما أن يكبح عدوانية حليفه الأمريكي، أو أن يستعد لأزمة طاقة وجودية”.

المعادلة الثانية: كل قاعدة منصة للعدوان هي هدف. الجغرافيا لم تعد تحمي أحداً، من الكويت والبحرين إلى الأردن والعراق وسوريا، ومنها إلى قلب أوروبا، كل قاعدة تُستخدم لضرب إيران سترى نيرانها تقترب منها.

المعادلة الثالثة: الروح بالروح. أعلنها مقر خاتم الأنبياء بوضوح مرعب: مقابل كل إيراني يُقتل، سيُقتل أمريكي. هذه ليست مبالغة بلاغية، بل إعلان عن استراتيجية تصفية نوعية. تذاكر إلى جهنم، كما قال المتحدث، أصبحت جاهزة ومباشرة.

المعادلة الرابعة: لا عودة إلى ألاعيب التفاوض، فقد تعلمت إيران الدرس بأن الاتفاقات السابقة استغلها العدو لاستبدال مخزونه من النفط والذخائر ثم استأنف الحرب، وهذه المرة، لا وقف لإطلاق النار قبل أن يدفع المعتدي الثمن كاملاً. “لن نسمح للولايات المتحدة باستغلال اتفاقات وقف إطلاق النار المخادعة”، كما أكدت البيانات، والطريق الوحيد لإنهاء الحرب هو إنهاء قدرة العدو على شنها.

أسبوع قلب الموازين
ما حدث خلال الأسبوع الماضي بقدر ما كان عبارة عن سلسلة عمليات عسكرية ناجحة، كان انقلاباً استراتيجياً في ميزان القوى الإقليمي. جيش ظل لعقود يوصف بأنه “القوة التي لا تُقهر” وجد نفسه محاصراً في قواعده، أعمى بعد تدمير راداراته، مشلولاً بعد احتراق طائراته ومروحياته، مذعوراً بعد مقتل العشرات من جنوده في ملاجئهم ومقرات إيوائهم، ومكشوفاً بعد أن لجأ ضباطه إلى الاختباء في مبانٍ مدنية بعيداً عن القواعد التي تحولت إلى مصائد موت.

الأهم من كل ذلك أن هذه العمليات أثبتت حقيقة طالما شكك فيها المشككون: إيران قادرة على إدارة حرب متعددة الجبهات، متزامنة، شديدة التعقيد، تجمع بين الحرب البحرية والجوية والإلكترونية والنفسية في آن واحد، إنها منظومة متكاملة تبدأ بإغلاق المضيق، وتمر بتدمير الدفاعات، وتنتهي بسحق القواعد، وكل ذلك تحت غطاء من التعبئة الجماهيرية والتواصل الاستراتيجي الذي يخاطب شعوب المنطقة والعالم.

الأسبوع انتهى، لكن العمليات مستمرة، وكما قال الحرس في بيانه: “إذا استمرت هذه الحرب لعدة سنوات، فبإذن الله ستستمر صواريخنا وطائراتنا المسيّرة في الهطول على رؤوس المجرمين الأمريكيين حتى اليوم الأخير منها”. وهذا وصف لواقع جديد بدأ يتشكل، ولن تعود المنطقة بعده إلى ما كانت عليه أبداً.